عندما تعري الممارسة السياسية خفة الخطاب الاعلامي

لقمان البرزنجي . کاتب سياسي مستقل
في أروقة السياسة العراقية المليئة بالمفاجات، لا تبدو الخصومات الحاسمة والخطوط الحمراء سوى فقاعات صيف سرعان ما تبددها رياح المصلحة وتقاسم النفوذ. وهو ما يتجلى بوضوح في المشهد الأخير للفاعل المراهق السياسي محمد الحلبوسي تجاه اربيل والحزب الديموقراطي الکردستاني . فبين الامس واليوم يتكشف الفارق الشاسع بين خطابه الإعلامي المنفعل الذي صرّح فيه علنا عبر الشاشات بقوله ( لن أزور أربيل ولو كلفني ذلك حياتي.. وعلى الديمقراطي التخلي عن الاستعلاء) وبين تهيئه اليوم للزيارة والجلوس على طاولات التفاوض في ذات المدينة والتراجع عن تلك السِقاطات التي أُطلقت في لحظة اندفاع استعراضي. إن هذا التناقض الصارخ لا يمثل مجرد مرونة تكتيكية. بل يعكِس ظاهرة المراهقة السياسية التي تتسم بالخِفّة والانفعال وغياب النضج، حيث يساق الخطاب بعاطفة حماسية تحرق فيها خطوط الرجعة، دون دراية بالفباء العمل السياسي وقواعده الإستراتيجية.إن إشهار الرفض القاطع وتوجيه الاتهامات بالاستعلاء للحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يشكل رقما صعبا ومركز ثقل أساسي في معادلة الحكم ثم الانكفاء السريع والهرولة إلی ابوابه، تعري حالة الجهل الفاضح بالمفردات السياسية واليات إدارة الأزمات، ويظهر كيف ان بعض الفاعلين قدموا للمشهد دون فهم لمعنى (المناورة) أو القدرة على قراءة موازين القوى، ليعتمدوا السلوك الانفعالي بدلا من التخطيط الرصين. وهذا التحول المفاجيء من ادبيات التحدي والوعيد المغلظ إلى الانصياع لضرورات الواقع. لا يفضح فقط هشاشة الخطاب الموجه للجمهور ومدى الاستخفاف بذاكرة الشارع. بل يسلط الضوء أيضاً على العتب الكبير على من ادخل المراهق محمد الحلبوسي و هذه النخب إلى العملية السياسية دون امتلاكها الحد الادنى من الفهم السياسي، ليثبت الواقع مرة اخرى ان الثقل السياسي تحدده أربيل بإستراتيجيتها الثابتة، بينما ينتهي المطاف بقلة الخبرة إلى ابوابها مهما علت اصوات الاستعراض الإعلامي.