كلمة في مؤتمر الخطباء

محمد ابراهيم الناجي الكوفي

**بسم الله الرحمن الرحيم**

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

أيها السادة الأعلام…

أصحاب السماحة والفضيلة…

الإخوة الخطباء والأساتذة الكرام…

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

للحديث في هذا المؤتمر المبارك صيغتان لا ثالث لهما.

الصيغة الأولى هي الصيغة التقليدية التي اعتدناها في مثل هذه المحافل، فتبدأ بعبارات الشكر والثناء، والإشادة بجهود القائمين على المؤتمر، والثناء على حسن التنظيم، وتبادل كلمات المجاملة والإطراء، ثم ينتهي اللقاء كما بدأ، دون أن نلامس جراح الواقع أو نقترب من مكامن الخلل.

أما الصيغة الثانية فهي أن نجعل هذا المنبر منبراً للمصارحة والمكاشفة، وأن نبث من خلاله الهمَّ الكبير الذي يؤرق كل غيور على المنبر الحسيني، وأن نتحدث بصدق ومسؤولية بعيداً عن المجاملات، لأن المجاملة قد ترضي الأشخاص، لكنها لا تصلح المؤسسات.

ولأن طبعي يميل إلى الصراحة أكثر من المجاملة، فقد آثرت أن أسلك الطريق الثاني، إذ لم يعد في العمر متسع للمسايرة، ولا في الوقت فسحة لإخفاء ما نعتقد أنه حق، ولا أرى من الوفاء لهذه المؤسسة المباركة أن نكتفي بالثناء عليها بينما تتراكم أمامها التحديات.

لقد أمضيت أكثر من ثلاثة عقود في خدمة المنبر الحسيني، متنقلاً بين ساحاته، ومعايشاً لأجيال من رواده، ومواكباً لمسيرة كبار أساتذته وفرسانه الذين حملوا رسالته بإخلاص واقتدار، فأتيح لي أن أراقب عن قرب مراحل القوة والازدهار، كما شهدت مواطن الضعف والتراجع.. ,  ومن هنا أستأذنكم أن أتحدث بلسان التجربة، فالرائد لا يكذب أهله، وصدق الله العظيم إذ قال: **﴿ولا ينبئك مثل خبير﴾**.

أيها الإخوة الأعزاء…

يؤسفني، بل يؤلمني، أن أقول إن المنبر الحسيني اليوم يمر بمرحلة حرجة… ؛  فإن لم يكن قد بلغ مرحلة الموت السريري، فهو ـ على أقل تقدير ـ في مرحلة الاحتضار. إنه يستصرخ أبناءه، ويستنجد بالمخلصين من رجاله، ويحتاج إلى وقفة إصلاحية جادة، وإلى غرفة إنعاش فكري وتنظيمي، تعيد إليه عافيته، وتصون رسالته، وتحفظ مكانته.

فالمنبر الحسيني ليس مؤسسة عابرة يمكن الاستغناء عنها، بل هو أحد الأعمدة التي قام عليها الكيان العلمي والاجتماعي والثقافي للتشيع عبر القرون.

وإذا أردنا أن نتحدث عن أهم الدعائم التي حفظت هوية التشيع واستمرار حضوره، فإنها تتمثل في ثلاث مؤسسات كبرى:

أولاً:** مؤسسة المرجعية الدينية، بما تمثله من قيادة علمية وروحية، وبما تضمه من الحوزات العلمية المباركة.

ثانياً:** مؤسسة الزيارة والشعائر الحسينية، بما تختزنه من طاقة إيمانية وروحية واجتماعية حافظت على هوية الأمة عبر العصور.

ثالثاً:** مؤسسة المنبر الحسيني، بما يؤديه الخطباء من دور في نشر العقيدة، وترسيخ الوعي، وربط الأمة بتاريخها ورموزها وقيمها.

وليس من المبالغة القول إن أي ضعف يصيب إحدى هذه الدعائم سينعكس بصورة مباشرة على البنية الفكرية والاجتماعية للمجتمع الشيعي بأسره، لأن هذه المؤسسات الثلاث لم تكن في يوم من الأيام مؤسسات منفصلة، بل كانت تتكامل فيما بينها، ويشد بعضها أزر بعض، حتى استطاعت أن تحافظ على الهوية الدينية والثقافية رغم ما تعرضت له من اضطهاد ومحن عبر التاريخ.

أيها الإخوة الكرام…

لقد دخل العالم اليوم مرحلة جديدة لم يعرفها السابقون.. ,  فالثورة الإعلامية، والفضائيات، وشبكات الإنترنت، ومنصات التواصل الاجتماعي، أحدثت تحولاً جذرياً في صناعة الرأي العام، وفي صناعة الشهرة أيضاً.. ,  ولم يعد انتشار الشخصيات العامة مرتبطاً بما تمتلكه من رصيد علمي أو خبرة طويلة، بل أصبح مرتبطاً ـ في كثير من الأحيان ـ بسرعة الوصول إلى الشاشة، وقدرة الوسائل الرقمية على صناعة النجومية خلال أيام أو أسابيع.

وهذا التحول لم يستثنِ المنبر الحسيني، بل كان من أكثر المؤسسات تأثراً به، إذ انتقل المنبر من فضاء الحسينية المحدود إلى فضاء عالمي مفتوح، وأصبح الخطيب يخاطب جمهوراً يتجاوز حدود مدينته وبلده إلى مختلف أنحاء العالم، الأمر الذي غيّر كثيراً من معايير الشهرة والانتشار، وأعاد تشكيل العلاقة بين الخطيب وجمهوره.