كلما ازددت علماً… ازددت يقيناً بأنني ما زلت طالب علم

حسن درباش العامري

كنت مدعواً إلى جلسة لمناسبة دينية ، فجلست بهدوء، كعادتي، بين الحاضرين. لم أكن كثير الكلام، بل كنت أراقب ما يدور حولي. لطالما شدّتني ملامح الناس وطريقة حديثهم وحركاتهم وسكناتهم، فهي قد تعطي إشارات عن طبائعهم،وشخصياتهم فأنا اعرف شخصيات الاخرين من طريقة تحركاتهم وإن كانت لا تكشف حقيقة الإنسان كاملة، فالحقيقة لا يعلمها إلا الله.

لفت انتباهي رجل قارب الستين من عمره، أو ربما تجاوزها بقليل أو نقص عنها بقليل فأنا خبير بقراءة خطوط العمر على صفحات الوجوه ، فلا أستطيع الجزم. بدا عليه شيء من مظاهر التدين الشكلي ، وإن كانت شخصيته توحي أيضاً بحب الظهور، فقد كان حريصاً على الجلوس في الصفوف الأولى، وكأنه يريد أن يلفت الأنظار إليه.فقد كان خفيف الحركة ، وكان يتحدث بثقة كبيرة، فيوحي لمن حوله بأنه ملم بكل شيء.

ابتسمت في داخلي، لا سخرية منه معاذ الله ان اسخر من احد ، وإنما لأنني تذكرت رحلة طويلة مع معنى العلم.

ولدت وأنا أسمع أن جدي، درباش الناصر الجنديل رحمه الله تعالى، كان مرجعاً لأهله وللاخرين، في الفتوى والإصلاح والتحكيم بين الناس. لم أحظَ بفرصة معرفته جيداً، فقد توفي وأنا صغير، ولا أكاد أتذكر من ملامحه إلا رجلاً مهيباً، طويل القامة ،ضخم الجثة ، سمح الوجه،يكرم الضيف بكل مايملك ، يقصد الناس مضيفه طلباً للمشورة والعلم.وقد ورثها عن والده ناصر الجنديل العامري الذي احيكت حوله الروايات وتناقل الناس قصصه !!

ثم انتقلت الراية إلى والدي، رحمه الله، الذي كان نهماً في القراءة، لا يمل من المطالعة والبحث. كنت أراه أعلم الناس في الاوليين والاخرين ، حتى قرأت حديث النبي صلى الله عليه وآله: «أنا مدينة العلم وعلي بابها»، فأدركت أن علم والدي إنما يستمد نوره من مدرسة الإمام علي عليه السلام، المستمد من النبي الاكرم والذي مصدره الله تعالى ،وأن ذلك وحده شرف عظيم.

ومع مرور الأيام، تعمقت في دراسة سيرة أهل بيت النبي عليهم السلام، فوجدت نفسي أمام بحار لا تنتهي من العلم والمعرفة. وكلما قرأت عن واحد من الأئمة الاثني عشر، ازددت يقيناً أنهم مدارس متكاملة في الفقه والعقيدة والأخلاق والإنسانية والكرم ، وأن كل إمام منهم فتح باباً من أبواب المعرفة.

وحينها تغير ميزاني في ترتيب العلماء. لم يعد والدي هو نهاية المطاف في نظري،رغم علمه ومعرفته وحديثه الجميل الموزون ، بل صار هو الدليل الذي يقودني إلى من هم أوسع علماً، وهو نفسه كان يفرح بذلك. كان يحدثنا بإجلال عن المراجع العظام، عن السيد الخوئي، والسيد الحكيم، والسيد محمد باقر الصدر ،والسيد محمد صادق الصدر، ثم عن سماحة السيد السيستاني، مبيناً ما امتاز به كل واحد منهم من علم وفقه.

ثم سمعت منه لأول مرة اسم الإمام الخميني، فسألته: من هو الامام الخميني؟ فقال: “سأحدثكم عنه في الأيام القادمة.” جلس يحدثنا عن علمه، وعن ولاية الفقيه، وعن الأصول والفقه والاستنباط، حتى تمنيت أن ألقاه لأتعلم منه. ثم قرأت شيئاً من كتبه وخطبه، فأدهشني اتساع معارفه.

وبعد ذلك قرأت للسيد علي الخامنئي، ووجدت في نتاجه الفكري والثقافي ما يدعو إلى الاعتزاز بوجود علماء كبار في مدرسة أهل البيت عليهم السلام. كما اطلعت على مؤلفات وخطب عدد من العلماء الآخرين، ومنهم السيد إبراهيم رئيسي رحمه الله، ورسائل السيد السيستاني وتوجيهاته، فازددت يقيناً بأن العلم بحر لا ساحل له.

وفي كل مرة كنت أعود إلى والدي، فأجده يشرح لي، ويرشدني، ويبين لي الفروق بين هذا العالم وذاك، ثم يشير إلى غيرهم، وكأنه يريد أن يعلمني درساً واحداً لا أنساه:

أن طالب العلم الحقيقي لا يتوقف عند شخص، ولا يظن أنه بلغ النهاية، لأن فوق كل ذي علمٍ عليم.ولكني تعلمت شيئا مهما بل ايقنته وهو ان الدنيا لاتساوي شئ وان الاستغناء عن مافيها خير من التمسك فيه ،،

عندها تذكرت ذلك الرجل الذي كان يحاول أن يظهر أمام الناس بمظهر العالم الذي لا يُسأل ولا يُناقش، فقلت في نفسي: إن الإنسان كلما ازداد علماً، ازداد تواضعاً، وكلما اتسعت دائرة معرفته، أدرك حجم ما يجهله.

أما من يظن أنه قد أحاط بكل شيء، فربما تكون تلك بداية توقفه عن التعلم.واليوم وانا اقرأ للاستاذ علي مشالي اعجبني جدا بجزئيه في حديثه عن الاستغناء(إن الدنيا هي أدنى من إن تفكر في جزئية منها ترهقك وتاخذك إلى أن تضغط بيدك زر الانطفاء وممارسة العزلة مع روحك الوهاجة، أدر ظهرك إليها وباشر بشيء جديد )

ولذلك سأبقى، ما أحياني الله، أفتش عن المعرفة، وأجلس بين العلماء والمتعلمين، وأعد نفسي طالب علم لا أكثر، حتى ألقى الله سبحانه وتعالى