لا تسألوا الطيور لماذا هاجرت… بل اسألوا الرياح التي دمرت أعشاشها

رياض سعد

لا تسألوا الطيور لماذا هاجرت، بل اسألوا الفصول التي جففت أغصانها، والريح التي اقتلعت أعشاشها، والسماء التي أمسكت مطرها… ؛  فالرحيل ليس غريزةً في الكائنات، بل استجابةٌ لواقعٍ لم يعد صالحًا للحياة.

وكذلك الإنسان؛ فهو لا يولد وفي داخله رغبة بترك وطنه، ولا يحمل حقيبته شوقًا إلى المنافي، بل يحملها عندما تضيق به الأرض التي يحبها، ويشعر أن وطنه لم يعد يتسع لأحلامه، وأن مستقبله صار رهينة الفساد، والبطالة، وسوء الإدارة، وانهيار المؤسسات، وغياب العدالة.

هناك من يغادر بحثًا عن دواء لم يجده في مستشفيات بلده، وهناك من يهاجر بحثًا عن عمل يحفظ كرامته بعد أن أنهكته البطالة، وهناك من يرحل لأن أبناءه يستحقون مدرسةً أفضل، أو جامعةً أرقى، أو مستقبلًا أكثر أمنًا… ؛  وهناك من لا يريد سوى أن يُعامل باعتباره إنسانًا له حقوق، لا رقمًا في طابور طويل، ولا ملفًا يُفتح بالإهانة ويُغلق بالوساطة والرشوة.

ولذلك، إذا أردت أن تعرف حقيقة أي دولة، فلا تبدأ بواجهاتها المزخرفة ولا بأبراجها العالية ولا بإعلاناتها الدعائية، بل ابدأ من الأماكن التي تكشف حقيقة العلاقة بين الدولة والمواطن.

اذهب ليلًا إلى أقسام الطوارئ في المستشفيات، حيث يقف المرضى بين الألم والانتظار.. ,  واذهب إلى مراكز الشرطة لترى كيف يُصان القانون أو كيف يُهان.. ,  وادخل دوائر الدولة لترى إن كانت الخدمة حقًا للمواطن أم منّةً عليه.. ,  وتأمل حال المدارس البائسة، والسجون، والأحياء الفقيرة، والبنى التحتية المتهالكة، والطرق المحطمة، وشبكات الماء والكهرباء التي تنهار مع أول اختبار… ؛  هناك، بعيدًا عن الخطب الرسمية والتقارير المنمقة، ستجد الحقيقة عاريةً لا تحتاج إلى تفسير.

إن قيمة الدولة لا تُقاس بعدد ناطحات السحاب، ولا بحجم الاحتياطيات المالية، ولا بعدد المؤتمرات والشعارات، وإنما تُقاس بطريقة تعاملها مع أضعف مواطنيها: مع المريض حين يتألم، والفقير حين يحتاج، والعامل حين يتعب، والطالب حين يتعلم، والسجين حين تُحفظ إنسانيته، والمراجع البسيط حين يدخل دائرة حكومية وهو يعلم أنه سيخرج منها وقد أُنجز حقه من دون إذلال أو محسوبية.

الهجرة ليست جريمة، وليست خيانةً للوطن، بل هي في كثير من الأحيان شهادة قاسية على فشل السياسات التي دفعت الإنسان إلى الاختيار بين وطنه وكرامته…  ؛  فالإنسان لا يقتلع جذوره من الأرض التي أحبها إلا إذا شعر أن تلك الأرض لم تعد تمنحه أسباب البقاء، وأن الوطن الذي كان حلمًا تحول إلى مكان يستهلك عمره ولا يمنحه فرصةً عادلة للحياة.

إن الحكومات التي تحترم الإنسان لا تطلب من مواطنيها الصبر إلى ما لا نهاية، ولا تُحمّل الضحية مسؤولية هروبها، بل تراجع نفسها، وتحاسب المقصرين، وتعالج أسباب النزيف قبل أن تلوم من نزفوا… ؛  أما الحكومات التي تنشغل باتهام المهاجرين، وتتجاهل الأسباب التي دفعتهم إلى الرحيل، فهي تشبه طبيبًا يلوم المريض لأنه يتألم، ولا يبحث عن أصل الداء.

فالطيور لا تعشق المنافي، والإنسان لا يحب الغربة… ؛  وما من أحد يبدل دفء الوطن بوحشة الاغتراب إلا إذا أصبحت الغربة أرحم من البقاء، وأصبح الأمل في أرض الآخرين أقرب من الأمل في أرضه.

لذلك، لا تسألوا الطيور لماذا هاجرت… بل اسألوا من جعل الأوطان تضيق بأبنائها، حتى صار الرحيل عند كثيرين ليس خيارًا، بل آخر وسائل النجاة.