نزار حيدر
الأُولى هي التي أَنتجَت مَوقف الحُسين السِّبط (ع) والتي تعتمدُ مبدأ {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}.
الثَّانيةُ هي التي أَنتجت المَوقف النَّقيض والتي تعتمدُ مبدأ {قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} وكذلكَ مُعادلة {قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}.
الأُولى ركيزتُها ومعيارُها الإِلتزام والتَّعامل المبدَئي مع الأُمورِ والأَحداثِ والمُنعطَفاتِ والذي يعتمدُ الوفاءَ بالعهُودِ {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ} والصِّدق مع الذَّات {إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ ولَا أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقَى مِنْه ومَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ} كما يقُولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) واحترام الهدَف الذي يتحقَّق بالبصيرةِ والإِستقامةِ التي سلاحُها اليَقينُ والصَّبرُ {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}.
كما تعتمدُ مبدأُ المسؤُوليَّةَ الذَّاتيَّةَ أَوَّلاً {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} و {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} وقبُول التحدِّي {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} والإِستعدادُ للتَّضحيةِ مِن أَجلِ الهدفِ.
يقولُ الحُسينُ السِّبط (ع) {وأَنَا أَحقُّ مَن غيَّرَ}.
وهيَ الثَّقافةُ التي تُحقِّق الإِنتصارات التاريخيَّة في حياةِ الأُممِ وفيها تبني المُجتمعات حضاراتَها وتاريخَها المُشرق وسيادتَها.
الثَّانيةُ تعتمدُ المصلحيَّةَ والأَنانيَّةَ والنِّفاقَ والإِنقلابات المُستمرَّة والمُتكرِّرة على الثَّوابت! وهي المسؤُولة عن حالاتِ التَّخاذلِ والإِنهزاميَّة والخنُوع والخضُوع في حياةِ الأُممِ، لأَنَّها ببساطةٍ لا تُساهمُ في صناعةِ مجتمعٍ مُتماسكٍ ثابتٍ قادرٍ على تحديدِ أَولويَّاتهِ والإِلتفافِ حولَ أَهدافهِ العُليا! لأَنَّ المصالِحَ الخاصَّةِ لا يمكنُ أَبداً أَن تكونَ قاسِماً إِستراتيجيّاً محوريّاً مُشتركاً تتركَّزُ حولهُ طاقات المُجتمع بمُختلفِ توجُّهاتِها لتحقيقِها أَبداً! إِنَّما الذي يجمعُ الأُمَّةَ على الهدفِ الأَسمى هي المَصالحِ العُليا التي تذُوبُ فيها المصالحِ الخاصَّةِ إِذا ما تعارضَتا.
يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {لَا يُقِيمُ أَمْرَ اللَّه سُبْحَانَه إِلَّا مَنْ لَا يُصَانِعُ ولَا يُضَارِعُ ولَا يَتَّبِعُ الْمَطَامِعَ}.
فهذهِ النَّماذجُ مثلاً لا يمكنُ أَبداً أَن تكونَ جُزءاً من عمليَّةِ نهوضٍ حضاريٍّ حقيقيٍّ لأَيِّ أُمَّة أَو مُجتمعٍ فما بالكَ إِذا ابتُلي بها مُجتمعٌ كامِلٌ؟!.
يقولُ (ع) {أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِعِ} وهي علَّةُ الخُذلانِ في عاشُوراء عندما تكالبَ المُجتمعُ على الدُّنيا وتركَ السِّبطُ (ع)!.
لنقرأَ الثَّقافتَينِ من خلالِ آياتِ القُرآن الكريم وقُصصهِ؛
{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}.
في هذهِ القصَّة إِنقسمَ المُجتمعُ إِلى قسمَينِ؛ الأَوَّل هو الذي تمثَّلَ ثقافةَ الهزيمةِ والخُذلانِ بعدَ أَن تمرَّدُوا على الإِمتحان والإِختبارِ الذي أَمرهُم أَلَّا يشربُوا من النَّهرِ {إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ} وهُم في النِّهايةِ لم يحقِّقُوا شيئاً لا من أَهدافهِم الخاصَّة ولا أَنَّهم شاركُوا في تحقيقِ الهدفِ الأَسمى والأَعلى الذي تحقَّقَ بالأَقليَّةِ الصَّابرةِ وليسَ بهِم.
فلَقد اختارَت الأَغلبيَّة المهزُومة أَن تعزِلَ نفسَها وتقفَ خارِج التَّاريخ!.
أَمَّا القسمُ الثَّاني فهوَ الذي قبِلَ التحدِّي وتحمَّلَ المسؤُوليَّة بغضِّ النَّظرِ عن العدَّةِ والعديدِ، لأَنَّهُ لم ينظُر إِلى الهدفِ بمنظارٍ ماديٍّ وإِنَّما اعتمدَ معايير النُّهوض الحقيقيَّة وعلى رأسِها الثِّقة بالنَّفسِ واليَقين بالهدفِ والإِلتزامِ المبدئي!.
تُحدِّثنا الآية عن تحقيقِ هذا الهدفِ بالقَولِ {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ* فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}.
وكُلُّ هذا تحقَّق بالأَقليَّةِ صاحبةِ البصيرةِ من دونِ مُشاركةِ الفئةِ المُتردِّدة المهزُومة نفسيّاً وروحيّاً قبلَ أَن تنهزمَ ماديّاً!.
{قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}.
أَمَّا هذهِ القصَّة فتحكي حالةَ المُجتمعات المُستسلِمة والكسُولة والإِتِّكاليَّة التي تريدُ أَن تحصدَ النَّتائج من دونِ المُشاركةِ في صِناعةِ مُقدِّماتها ومن دونِ أَن يكونَ لها دورٌ في عمليَّةِ الإِصلاحِ والتَّغييرِ ومن دونِ أَيِّ نوعٍ من التَّضحيات فهي تبحثُ دائماً عمَّن يعلِّقُ الجرَس لتحصِدَ في النِّهايةِ على الحاضرِ!.
بمعنى آخر إِنَّها تنتظِر المغانِم من دونِ أَن تدفعَ ولَو جُزءاً من المغارِم [الثَّمن] ولذلكَ فهيَ مُجتمعاتٌ تائِهةٌ لا تصلُ إِلى نتائجَ أَبداً!.
والأَدهى من ذلكَ هُم الذينَ يلعبُونَ على الحَبلَينِ، كما يقُولُونَ، {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ۚ}.
في مُقابل ذلكَ نرى أَنَّ المُصلحَ صاحِب الرِّسالة العازِم على تنفيذِ أَهدافهِ لا يستسلِم لهذهِ الثَّقافة ولا يخضَع لأَصحابِها فهوَ يُصمِّمُ على الإِستمرارِ في طريقهِ مهما كانَ الثَّمن وعادةً ما يُحقِّق أَهدافهُ سواءً بمُشاركةِ المُتخاذلينَ أَو بدونهِم.
تعالُوا نقرأَ بقيَّة القصَّة والنَّتيجة التي حصدَها المُتخاذِلونَ {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ* قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}.
التِّيهُ، إِذن، هوَ الحصادُ الوحيدُ للمُتخاذلينَ!.
٢٠٢٦/٧/٣١