يشكل الإعلام أحد أهم ركائز بناء الدولة الحديثة، فهو ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أداة لتشكيل الوعي العام وتعزيز الهوية الوطنية ومراقبة أداء المؤسسات. إلا أن المشهد الإعلامي العراقي يواجه تحديات عديدة، أبرزها تضخم عدد القنوات الفضائية، وضعف التمويل المهني، وتراجع مستوى المحتوى في بعض المؤسسات، الأمر الذي يستدعي إصلاحات جريئة ومتوازنة.
من بين المقترحات التي يمكن أن تسهم في تنظيم القطاع، رفع رسوم منح تراخيص إنشاء القنوات الفضائية الخاصة. فارتفاع رسوم الترخيص قد يحد من إنشاء القنوات غير الجادة التي تفتقر إلى رؤية إعلامية أو إمكانيات مالية حقيقية، ويشجع المستثمرين القادرين على تقديم مؤسسات إعلامية مستقرة وذات جودة. ومع ذلك، ينبغي أن يكون هذا الإجراء مدروسًا، بحيث لا يتحول إلى عائق أمام المنافسة أو وسيلة لتقييد حرية الإعلام، بل يرافقه نظام شفاف وعادل لمنح التراخيص.
وفي المقابل، يحتاج إعلام الدولة إلى إصلاح داخلي حقيقي يبدأ بالعنصر البشري. فرفع رواتب موظفي المؤسسات الإعلامية الحكومية من شأنه أن يسهم في استقطاب الكفاءات والخبرات التي غالبًا ما تتجه إلى القطاع الخاص أو خارج البلاد بسبب ضعف الحوافز المالية. إن الإعلامي المبدع يحتاج إلى بيئة عمل مستقرة تضمن له حياة كريمة وتتيح له التركيز على الإنتاج المهني.
لكن زيادة الرواتب يجب أن ترتبط أيضًا بمعايير الأداء والكفاءة، بحيث تُمنح الفرص والحوافز لأصحاب الإنجازات والإبداعات، وليس وفق الأقدمية أو المحاصصة. فالإعلام الناجح يعتمد على المنافسة المهنية، وتطوير المهارات، وتشجيع الابتكار في صناعة المحتوى.
كما أن إصلاح الإعلام لا يقتصر على الجوانب المالية، بل يشمل تحديث التشريعات، وتعزيز استقلالية المؤسسات الإعلامية، والاستثمار في التدريب والتقنيات الحديثة، وترسيخ أخلاقيات المهنة بما يضمن تقديم محتوى مهني يخدم المواطن ويحافظ على المصلحة الوطنية.
في الختام، فإن إصلاح الإعلام العراقي يتطلب رؤية شاملة توازن بين تنظيم الاستثمار الإعلامي ودعم الكفاءات الوطنية. فرفع رسوم تراخيص القنوات الفضائية، إذا نُفذ بشفافية، قد يسهم في تحسين جودة المؤسسات الإعلامية، كما أن تحسين رواتب إعلاميي الدولة وربطها بالإبداع والإنتاجية يمكن أن يعيد للإعلام الرسمي مكانته ودوره في خدمة المجتمع والدولة. بهذه الخطوات، يستطيع العراق بناء إعلام مهني، مستقل، وقادر على مواكبة تطلعات المواطنين.
خالد كمال الدين
الجمعة 31/07/2026