سبتمبر 17, 2026
رياض 555

رياض سعد

ليس كل تعلّقٍ حبًّا، وليس كل وفاءٍ فضيلة، وليس كل تمسّكٍ دليلًا على عمق العلاقة… ؛  أحيانًا يتشبث الإنسان بمن يؤذيه لا لأنه يجهل الأذى، بل لأنه أصبح، بطريقة معقدة، أسيرًا لعلاقة اختلط فيها الحب بالخوف، والوفاء بالألم، والحنين بالاعتياد، والأمل بالإنكار.

وهنا تبدأ واحدة من أكثر المفارقات النفسية إيلامًا: أن يظل الإنسان متعلقًا بالشخص الذي كسره، وأن يشتاق إلى من أذاه، وأن يدافع عمّن خانه، بل وقد يشعر بالفراغ عندما يغيب الشخص الذي كان سببًا في معاناته.

وقد يبدو ذلك للآخرين ضربًا من التناقض أو ضعف الشخصية، لكنه في كثير من الحالات أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير… ؛  فالإنسان لا يتعلق بالأشخاص وحدهم، وإنما يتعلق بالذكريات، والاحتياجات، والآمال، والصور التي صنعها عنهم، وباللحظات الجميلة التي كانت تتخلل العلاقة المؤذية.

نعم , ليس غريبًا أن يحب الإنسان من أحبه، لكن الغريب أن يظل يحب من أوجعه، وأن يشتاق إلى من خانه، وأن يدافع عمن أهانه، وأن يحنّ أحيانًا إلى زمن كان فيه مقهورًا، وكأن الذاكرة قررت أن تمسح آثار السوط وتحتفظ فقط بصوت الخطوات التي كانت تسبقه.

كيف يمكن للضحية أن تشتاق إلى جلادها؟!

وكيف يمكن لإنسان ذاق الخذلان من شخص، أن يبقى يبحث عن صوته، وينتظر رسالته، ويتذكر لحظاته الجميلة، ويبرر أخطاءه، بل ويغضب ممن يحاول أن يفتح عينيه على الحقيقة؟!

إنها واحدة من أكثر المفارقات النفسية تعقيدًا: أن يصبح مصدر الألم نفسه مصدرًا للحنين.

لكن الإنسان لا يتعلق دائمًا بمن يؤذيه لأنه يحب الأذى؛ بل قد يتعلق بما مثّله ذلك الشخص في حياته: بالأمان الذي منحه يومًا، أو بالحب

الأفعى والقنفذ… حكاية عن قبضة تؤلم صاحبها

تروي الحكاية الرمزية أن أفعى وجدت قنفذًا نائمًا، فالتفت حوله بحثًا عن الدفء والأمان والراحة… ؛  وحين استيقظ القنفذ، انتصبت أشواكه الحادة، فأصابت الأفعى بالألم.

كان المنطق الطبيعي يقتضي أن تبتعد.

لكنها لم تفعل.

بل زادت من إحكام قبضتها عليه، وكأنها تتوهم أن المزيد من التمسك سيمنحها مزيدًا من الأمان… ؛  وكلما اشتدت قبضتها، ازداد انغراس الأشواك في جسدها، وكلما ازداد الألم، ازداد تشبثها.

لم تكن المشكلة في القنفذ وحده؛ فقد أصبح جزءًا من المشكلة هو رفض الأفعى أن تترك ما يؤلمها.

وهذه الحكاية، وإن كانت رمزية وليست تفسيرًا علميًا بحد ذاتها، تختصر مأساة إنسانية نراها في علاقات كثيرة: شخص يتعرض للإهانة أو الخيانة أو الاستغلال أو الإيذاء النفسي أو الحسد أو الحقد أو التنمر والاستهزاء … الخ ، ومع ذلك يظل متمسكًا بمن يؤذيه، ويبحث له عن الأعذار، ويتذكر محاسنه، وينسى جراحه، وينتظر منه تغييرًا قد لا يأتي ابدا …!!

لماذا يتمسك الإنسان بمن يؤذيه؟

في علم النفس، توجد عدة مفاهيم تساعد على فهم هذه الظاهرة، ومن بينها التعلّق الناتج عن الصدمة (Trauma Bonding)، خصوصًا في العلاقات التي تتكرر فيها دورات الأذى ثم الاعتذار أو المصالحة أو اللطف المؤقت.

فالإنسان قد يعيش دورة متكررة:

أذى… ثم خوف… ثم اعتذار… ثم لحظة حنان… ثم أمل… ثم أذى جديد… ؛ وهكذا دواليك .

ومع تكرار هذه الدورة، قد تصبح اللحظات الإيجابية النادرة ذات تأثير شديد؛ لأن الإنسان يبدأ في انتظارها والتعلق بها… ؛  وهكذا لا يعود متعلقًا بالألم وحده، بل متعلقًا أيضًا بالأمل في أن يعود الشخص إلى صورته الجميلة التي عرفها ذات يوم.

ومن هنا ينشأ الوهم الأخطر: “ربما يتغير.”

ثم: “ربما يعود كما كان.”

ثم: “لقد كان يحبني، ولكنه أخطأ.”

ثم: “كل الناس تخطئ.”

ومع مرور الزمن، قد يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والقاعدة إلى حياة كاملة.

عندما يصبح الألم والاذى مألوفًا .

من أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يتحول الألم إلى شيء مألوف.

فالإنسان يميل إلى المألوف، حتى عندما يكون مؤذيًا، لأن المألوف يمنحه شعورًا زائفًا بالتوقع والسيطرة… ؛ أما المجهول، مهما كان أفضل، فقد يبدو مخيفًا.

ولهذا قد يخاف بعض الأشخاص من مغادرة علاقة مؤذية أكثر مما يخافون من استمرارها…!!

ليس لأنهم يحبون الأذى، وإنما لأنهم يخشون الوحدة، أو الفقد، أو المستقبل المجهول، أو خسارة الأسرة، أو نظرة المجتمع، أو مواجهة حقيقة أنهم أمضوا سنوات في علاقة لم تكن كما تصوروا.

وهنا يصبح الرحيل اعترافًا مؤلمًا، بينما يصبح البقاء نوعًا من تأجيل الحقيقة والصدمة .

لماذا يحنّ بعض الضحايا إلى زمن القهر؟

الأكثر غرابة أن الإنسان قد يصل أحيانًا إلى مرحلة يصف فيها زمنًا قاسيًا بأنه “زمن جميل”.

وهذه الظاهرة لا تعني بالضرورة أن القهر كان جميلًا فعلًا، وإنما قد تعكس الطريقة التي تعمل بها الذاكرة الإنسانية.

فالذاكرة لا تحفظ الماضي كما كانت كاميرا فوتوغرافية؛ إنها تعيد بناءه باستمرار… ,  ومع مرور السنوات، قد تتراجع حدة بعض الآلام، بينما تبقى صور الأشخاص والأماكن والروائح والأغاني والوجوه واللحظات الاجتماعية.

وقد يشتاق الإنسان إلى حياته في ذلك الزمن لا إلى القهر نفسه.

يقول: “كانت أيامًا جميلة.”

بينما قد يكون المعنى الحقيقي في داخله: “كان فيها أناس أحببتهم، وكان عمري أصغر، وكانت لدي أحلام، وكان للحياة شكل مختلف.”

وهذا فرق بالغ الأهمية.

فالحنين إلى الماضي ليس دائمًا حنينًا إلى النظام القمعي أو الظروف أو الأشخاص الذين تسببوا في الألم؛ أحيانًا يكون حنينًا إلى نسخة قديمة من الذات.

من الخيانة إلى التبرير

هناك ضحايا لا يكتفون بالتمسك بمن خانهم، بل يتحولون إلى محامين عنهم.

يبررون أفعالهم، ويدافعون عنهم أمام الآخرين، ويبحثون عن أسباب تخفف مسؤوليتهم، بل وقد يحمّلون أنفسهم جزءًا من الذنب: “ربما أنا أخطأت.”

“ربما كنت قاسيًا.”

“ربما لم أفهمه جيدًا.”

وهذه المراجعة الذاتية قد تكون صحية عندما تقود إلى فهم التجربة، لكنها تصبح خطرة عندما تتحول إلى إلغاء للذات وتحمل مسؤولية أذى ارتكبه الآخر.

ليس كل ألم دليلًا على أنك قصّرت.

وليس كل خيانة تحتاج إلى تفسير يبرر الخائن.

وليس كل علاقة انتهت بالفشل تعني أن الضحية هي المسؤولة عن فشلها.

الوفاء لا يعني أن تسمح لأحد بإهانتك

من المفاهيم التي تحتاج إلى إعادة النظر مفهوم “الوفاء”.

فالوفاء قيمة أخلاقية جميلة عندما يكون متبادلًا، لكنه يفقد معناه عندما يتحول إلى إذعان.

أن التسامح لا يعني أن تعود إلى المكان الذي جُرحت فيه.

وأن الحب  والانسانية لا يعني أن تسمح بالاستغلال والخداع .

وأن تتذكر الجميل لا يعني أن تنكر القبيح.

وأن تحترم الماضي لا يعني أن تمنحه حق تدمير الحاضر.

هناك فرق بين المسامحة وإعادة فتح الباب أمام الأذى.

قد تسامح إنسانًا في قلبك، لا من أجله، بل لكي تتحرر أنت من حمل الكراهية، ومع ذلك تختار ألا تمنحه مرة أخرى القدرة على إيذائك.

لماذا يكون الرحيل أحيانًا أصعب من البقاء؟

لأن الرحيل لا يعني فقدان شخص فقط، وإنما قد يعني فقدان قصة كاملة.

الإنسان لا يقول وداعًا لشخص فحسب؛ بل يقول وداعًا لأحلام بناها معه، ووعود صدقها، وذكريات عاشها، ومستقبل تخيله، وصورة رسمها لذلك الإنسان في ذهنه.

ولهذا فإن بعض الناس لا يتمسكون بالشخص الموجود أمامهم، وإنما يتمسكون بالشخص الذي كانوا يتمنون أن يكونه.

وهنا تكمن المأساة.

فقد يقضي الإنسان سنوات في محاولة إعادة شخص إلى نسخة لم تعد موجودة، أو ربما لم تكن موجودة أصلًا إلا في مخيلته.

بين الحب والتعلق

الحب الصحي يمنح الإنسان مساحة ليكون نفسه، بينما التعلق المؤذي قد يدفعه إلى فقدان نفسه.

الحب يقوم على الاحترام والأمان والحدود المتبادلة، أما العلاقة المؤذية فقد تجعل الإنسان يعيش في حالة دائمة من القلق والترقب والخوف من فقدان الآخر.

ولهذا فإن السؤال المهم ليس: “هل أحبه؟”

فقط.

بل ينبغي أن نسأل أيضًا: “ماذا يحدث لي عندما أكون معه؟”

هل أصبحت أكثر سلامًا أم أكثر خوفًا؟

هل ازددت احترامًا لذاتي أم بدأت أحتقر نفسي؟

هل أستطيع أن أكون نفسي أم أمشي على أطراف أصابعي خشية غضبه؟

هل العلاقة تمنحني الحياة أم تستنزفني؟

هذه الأسئلة لا تصدر حكمًا على العلاقة بقدر ما تساعد الإنسان على رؤية ما يحدث له داخلها.

القنفذ ليس دائمًا شريرًا… والأفعى ليست دائمًا غبية

ومن المهم ألا نحول هذه الحكاية الرمزية إلى حكم أخلاقي مبسط.

فالإنسان الذي يبقى في علاقة مؤذية ليس بالضرورة ضعيفًا أو ساذجًا… ؛  وقد تكون وراء بقائه عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية وأسرية وثقافية معقدة.

قد يكون خائفًا.

وقد يكون معتمدًا على الآخر.

وقد يكون محاصرًا اجتماعيًا.

وقد يكون قد فقد ثقته بنفسه.

وقد يكون قد تعرض لسنوات من التلاعب النفسي جعلته يشك في إدراكه للواقع.

وقد يكون ببساطة إنسانًا ما زال يأمل.

ولهذا فإن أول خطوة لمساعدة الضحية ليست أن نقول لها: “لماذا لم ترحل؟”

بل أن نساعدها على استعادة قدرتها على السؤال: “ماذا أريد أنا؟ وما الذي أستحقه؟”

أقسى الأسر هو الذي لا نرى قضبانه …

ليست كل السجون جدرانًا.

بعض السجون علاقة.

وبعضها ذكرى.

وبعضها خوف.

وبعضها انتظار.

وبعضها شخص منحناه سلطة أكبر مما ينبغي على حياتنا.

وقد يخرج الإنسان من السجن المادي، لكنه يبقى أسيرًا نفسيًا لمن سجنه؛ يكرهه، ثم يشتاق إليه، يلعنه، ثم يدافع عنه، يهرب منه، ثم يبحث عن أثره في الآخرين…!!

وهنا لا يعود التحرر مجرد الابتعاد الجسدي، وإنما يصبح استعادة للذات.

أن تقول: لقد حدث ما حدث.

لقد أحببت.

لقد وثقت.

لقد أخطأت وربما أخطأ الآخر.

لكن الماضي لا يملك حق مصادرة بقية حياتي.

لا تجعل الجرح وطنًا

ثمة لحظة ينبغي للإنسان أن يتوقف فيها عن محاولة استخراج العسل من خلية لا تمنحه إلا اللسعات.

فليس كل ما تعودنا عليه يستحق أن نبقى فيه، وليس كل ما فقدناه يجب أن نستعيده، وليس كل من أحببناه يصلح أن يبقى في حياتنا.

أحيانًا يكون أقوى أشكال الحب للذات هو أن نضع حدًا.

وأحيانًا يكون أصدق أنواع الشجاعة أن نقول: لقد أحببتك، لكنني لن أسمح لك بإيذائي بعد الآن.

وأحيانًا لا يكون الرحيل هروبًا، بل نجاة.

فالإنسان لا يُقاس فقط بقدرته على التحمل؛ وإنما أيضًا بقدرته على معرفة متى يصبح التحمل تدميرًا للذات.

إن الأفعى في الحكاية لم تخسر لأنها اقتربت من القنفذ فحسب، وإنما لأنها، بعدما شعرت بالألم، رفضت أن تعترف بأن عليها أن تبتعد.

وهذه هي الحكمة الأعمق: ليس كل ما نتمسك به يستحق أن نبقى معه، وليس كل ما نشتاق إليه يصلح أن نعود إليه.

فقد يكون بعض الحنين مجرد أثر قديم لجرح لم نتعلم بعد كيف نتركه.

وقد يكون بعض الوفاء خوفًا من البداية الجديدة.

وقد يكون بعض الحب تعلقًا بالأمل لا بالشخص.

وفي النهاية، ليست البطولة أن تحتضن القنفذ حتى تنغرس أشواكه فيك، ولا أن تثبت للعالم أنك قادر على تحمل الألم إلى ما لا نهاية؛ البطولة أن تعرف متى تفك قبضتك، ومتى تنسحب من دائرة الأذى، ومتى تختار نفسك دون كراهية لأحد.

فالرحيل، في بعض العلاقات، ليس نهاية الحب… بل بداية النجاة.