دفع الشبهات حول زيارة ومشاة أربعين الامام الحسين عليه السلام (ح 13)

د. فاضل حسن شريف

تكملة للحلقة السابقة جاء في موقع شفقنا عن زيارة الاربعين في أقوال الائمة وردود العلماء فی دفع الشبهات حولها: وفي فقه مدرسة أهل البيت: يطلق المؤمن ويراد به المرتبة الثالثة من الإيمان، ويقابله المرتبة الاُولى والثانية، وهو المسلم، ويعبّر عنهما بالمخالف، لمخالفته لمذهب أهل البيت: فان عباداته كصلاته، إنّما هي على ضوء (مدرسة الخلفاء أو مدرسة الأمويّين ) فلا تتطابق مع ما جاء في (مدرسة أهل البيت:) فيطلق المؤمن حينئذٍ على من إتّبع مذهب أهل البيت: ومدرستهم العقائديّة والفقهيّة وأشار العلّامة الطباطبائي في تفسيره القيم (الميزان) ان المراد من المؤمنين في الآيات هم نتبة أميرالمؤمنين علي عليه السلام. ويمتاز هذا المؤمن عن غيره من أتباع المذاهب الاسلاميّة في عصر الإمام الحسن العسكري بخمسة علائم تتعلّق بالعقيدة والفقه والتاريخ، كما إنّها من العلائم الظاهريّة، تظهر على سلوک المؤمن وجسده، ويكون له شعاراً يعرف به عن غيره من أتباع مدارس الخلفاء والمذاهب الأخرى. العلامة الاُولى: صلاة إحدى وخمسين ركعة في كلّ يوم (17 منها: اليوميّة الواجبة و34 نوافل اليوميّة ) ثمان ركعات نافلة الظهر، وثمان نافلة العصر، وأربع نافلة المغرب، وركعتان من جلوس المسمّاة بـ(الوتيرة ) مصغرة الوتر، وانه في الثواب بمقدار صلاة الوتر من صلاة الليل، وهاتان الركعتان بمنزلة الركعة الواحدة. وأحد عشر صلاة الليل (ثمان منها بنيّة صلاة الليل، و ركعتان بنيّة الشفع وواحدة بنيّة الوتر) والجميع يسمّى بصلاة الليل، من باب تسمية الكل باسم الجزء الأعظم كالرقبة والانسان، وركعتان لصلاة الفجر، وتسمّى بنافلة الفجر فهذه (51) ركعة، وفي المذاهب الاخرى في النوافل زيادة ونقيصة، ولهذا امتاز المؤمن الشيعي عنهم في صلاته هذه. كما إمتاز بزيارة الأربعين، فإنه ايماناً بإمامة الحسين عليه السلام وتفاعلاً بشهادته وزيارته، وحبّاً واخلاصاً واطاعة وتقرّباً إلى الله سبحانه، يزوره ويحضر عند قبره الشريف، كما يزوره من قريب أو بعيد بالزيارات المأثورة، والتي منها زيارة الأربعين، في يوم الأربعين بجوار قبر الشريف أو بعيداً عنه لمن لم يتمكن من زيارته عن قرب. أوّل من زاره من الإنس يوم الأربعين هو جابر عبدالله الأنصاري الصحابي الجليل مع صاحبه عطيّة، والتحق بهما الركب الحسيني وموكب السبايا بزعامة الإمام زين العابدين عليه السلام وزينب الكبرى ومخدّرات الرسالة وأيتام الحسين عليه السلام في رجوعهم من الشام إلى المدينة، وإنّ زينب إختارت زيارة الحسين عليه السلام عند ما عرض عليها الإمام السجاد عليه السلام في مفرق طريق إلى المدينة أو الكوفة وكربلاء، فاختارت كربلاء، وما ان وصلت النسوة والأطفال واليتامى، إلّا وألقوا بأنفسهم من الهوادج والنياق على قبور الشهداء، من قبر إلى قبر بعويل وبكاء ولطم ونجيب وصراخ، في منظر حزين ورهيب مدهش وكئيب، يقطع نياط القلب حزناً وأسفاً وألماً، كما جاء في التاريخ. وأمّا التختّم باليمن، فإشارة إلى استحباب التختّم باليمين أوّلاً، وربّما اشارة إلى قصّة التحكيم في حرب صفّين، وانه نزع أبو موسى الأشعري خاتمه من اليمين ليشير الى خلع أميرالمؤمنين علي عليه السلام بذلک، ثم بمكيدة وخداع لبس عمرو بن عاص خاتمه من يمينه إلى يساره، ليقرّ لمعاوية بن أبي سفيان بالخلافة، فصار التختّم باليسار شعار الأمويّين وأهل الشام آنذاک، وكان شعار العلويّين والمؤمنين هو التختّم باليمين. وأمّا الجهر بالبسملة، فإن أكثر المذاهب اسقطوا البسملة في الحمد في صلاتها أو انّه لم تجهر بها، تبعاً لمعاوية في تركه البسملة لما دخل المدينة في أيّام ملكه العضوض، فصارت من سنّته تركها في الصلوات، خلافآ لسنّة رسول الله 6 وانّهم كما ورد في أحاديث أهل البيت: سرقوا آية من كتاب الله عزّ وجلّ.

عن العتبة الحسينية المقدسة: مشي النساء إلى كربلاء (قراءة في الأدلة والنصوص الشرعية): أدلة المانعين لخروج النساء مشياً للزيارة: إن ما يمكن أن يُستَدل به على مانعية زيارة النساء مشياً إلى كربلاء المقدسة هو مجموعة من الأدلة التي يظهر منها ـ بواسطة عمومها ـ أنها تمنع النساء من الخروج، وسوف نستعرضها على التوالي، مع ذكر الردود الواردة، أو ما يمكن الرد به عليها: الدليل الأول: ممنوعية خروج النساء مطلقاً: ذكرنا في حديث متقدم ـ وبشكل مختصر في مقام ذكر الآيات القرآنية ـ أن هناك آية يظهر منها نهي النساء عن الخروج من بيوتهن بصورة مطلقة، وهذه الآية هي قوله تعالى: “وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ” (الأحزاب 33). لو قلنا بمانعية خروج النساء مطلقاً فإن هذا الحكم الكلي سيشمل أيضاً منع خروجهن مشياً إلى كربلاء، خصوصاً إذا كان خروجهن طويل الأمد نسبياً، كما هو حاصل لبعض السائرات، فهل يمكن إثبات دلاتها على المطلوب أو لا؟ تقريب الاستدلال: إن الآية تأمر المرأة ـ من خلال فعل الأمر الذي في صدر الآية ـ بأن تقر في بيتها، بمعنى أنها لا تخرج منه مطلقاً، وتنهى عن تبرج الجاهلية الأُولى، فيكون خروجها مشياً إلى الزيارة منافياً للآية الشريفة المانعة من الخروج. مناقشة الدليل الأول: لو أخذنا بظاهر الآية المباركة ومن دون النظر إلى مناسباتها وأسباب وشأن نزولها لكان الكلام فيها تاماً، إلا أنه لا يمكن الأخذ به لجهات ثلاثة: الجهة الأولى: من خلال السياق الذي يكتنف الآية المباركة يتبين لنا أن المخاطب بها ـ صريحاً ـ هو نساء النبي عليها السلام، وأن هذا الحكم مختص بهن دون غيرهن، أو لا أقل يحتمل ظهورها بذلك، وهذا الاحتمال الظاهر بظهور جلي جداً مبطل للاستدلال بها على مانعية خروج باقي النساء. وتوجد قرينتان على ذلك: القرينة الأُولى: وهي قرينة داخلية، فإن الآية التي قبلها ظاهرة بأن الخطاب لنساء النبي عليها السلام لخصوصية فيهن، وأنهن لسن كباقي النساء من حيث بعض الأحكام، ومنها منعهن عن الخروج ومضاعفة العذاب على مخالفة الله ورسوله، حيث قالت: “يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ” (الأحزاب 32-33). فصريح الآية يُبين لنا أن نساء النبي لسن كبقية النساء، بل لهن خصوصيات ميزتهن عن غيرهن، وبطبيعة الحال تكون لهن أحكام خاصة بهن. القرينة الثانية: وضوح خروج النساء مطلقاً بمرأى ومسمع من النبي والأئمة، ومن دون أن يمنع النبي أو يردع عن ذلك، فلو كانت الآية شاملة لمطلق النساء لبان المنع واتضح في عصر النبي والأئمة وسائر العصور الأُخرى، وحيث لا يوجد منع من قبلهم عليهم السلام فهناك إقرار بذلك. بل إن هناك تسالماً ووضوحاً بعدم المانعية، ولم يخالف أحد في جواز خروج المرأة تمسكاً بالآية.

الدليل الثاني: المنع من الاختلاط: إن بعضاً من الأُمور التي دفعت بالمانعين من خروج النساء مشياً لزيارة سيد الشهداء عليه السلام هو ما يذكر من اختلاط النساء بالرجال، وبما أن الاختلاط ممنوع شرعاً ـ وقد يوجب سلب الطاعة من عنوانها ـ فلا بد من الوقوف أمام حصول مثل هذا العمل. تقريب الاستدلال: لقد ورد الدليل على مانعية مطلق الاختلاط في جملة من الأخبار، ومنها خبر غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (قال أمير المؤمنين عليه السلام: يا أهل العراق، نُبّئت أنّ نساءكم يُدافعن الرجال في الطريق، أما تستحون؟). و بطريق آخر زاد: (لعن الله من لا يغار). وفي رواية أُخرى عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (أما تستحيون ولا تغارون على نسائكم يخرجن إلى الأسواق، ويزاحمن العلوج؟). و يؤيد المنع ما يظهر منه المنع عن حضور النساء صلاتي الجمعة والعيدين ما رواه محمّد بن شريح، قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن خروج النساء في العيدين؟ فقال عليه السلام: لا، إلّا العجوز عليها منقلاها) يعني الخفّين. وموثّق يونس بن يعقوب، قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن خروج النساء في العيدين و الجمعة؟ فقال عليه السلام: لا، إلّا امرأة مسنّة). مناقشة الدليل الثاني: ويرد على هذا الدليل أُمور عدة: أولاً: إن الأدلة المذكورة في البين ظاهرة في الكراهة لا في التحريم، ولا أقل من كون إعراض المشهور عن العمل بمضمونها صارفاً لها من الظهور التحريمي إلى الكراهة. ثانياً: إن الاختلاط الممنوع هو الاختلاط بكيفية خاصة لا مطلق الاختلاط، أي: لا بدّ من تفسير الاختلاط المذكور بالتداكّ والتدافع بين الجنسين الملازم للالتصاق ولو من وراء الثياب، وهذا ظاهر من التعبير بالمدافعة والمزاحمة الواردين في الروايات، فلو خلت التجمّعات المذكورة من هذه الحالة لسعة الطرق عمّا كانت عليه سابقاً، وتعدّد مسالك الدخول إلى الصالات ومسارات الحركة، والتجمّع في التظاهرات والاعتراضات لم يكره الحضور المذكور، بل ربّما استحبّ إن فرض وجود غرض راجح أو واجب في ذلك، كما في مثل الاجتماع في مناسك الحجّ من سعي وطواف ووقوف بعرفة ورمي جمرات وغير ذلك. ثالثاً: من المحتمل جداً أن يراد بالاختلاط معنى آخر، وهو المعاشرة والخلطة للرجال، كما يحصل في المدارس والدوائر الحكوميّة وغيرها بحيث تحصل مخالطة وعلاقة حميمة بين الجنسين، ولعل مَن أفتى بمنع هكذا اختلاط قد حمل الأدلة على الاختلاط الحميمي. وهذا ما يظهر من بعض الأساطين المعاصرين، منهم: السيد أبو القاسم الخوئي قدس سره: ذكر السيد الخوئي في جوابه على استفتاء موجّه إليه حول جواز العمل للمرأة طبيبة أو ممرضة.

عن موقع الأئمة الاثنى عشر: ما هي أدلّة زيارة الأربعين؟ للشيخ فوزي آل سيف: وفي قاعدة التسامح فرع هو لو أتى المكلف بالعمل لأنه ورد فيه خبر وإن كان ضعيفًا فيؤتى الثواب المذكور رغم أن الخبر غير صحيح وهذا وارد في روايات النبي ما حاصله من بلغه ثواب على عمل من رسول الله فعمله ابتغاء ذلك الثواب أوتيه وإن لم يكن رسول الله قاله مثلًا (من قال سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر غرس الله له بكل ذكر غرس في الجنة) فيُعطى هذا الثواب الموعود وإن لم يكن الرسول قد قاله واقعًا. فلو تبين في يوم القيامة أن روايات زيارة الأربعين غير ثابتة فلا يفوته الثواب فلا معنى للإعاقة في هذا الجانب لهذا الاعتبار. أضف إلى ذلك أن هناك عناوين ثانوية يجب ملاحظتها من قبل الفقيه والمثقف العارف حيث أن أوضح مظهر لعزة آل محمد واستجابة الخلائق للإمام الحسين هو هذه الزيارة الأربعينية. وهذا من المواقف العظيمة والمهيبة التي تجسد نتيجة وثمرة نداءات الحسين وتحقق لنا معنى “إن الله يدافع عن الذين آمنوا” (الحج 38) و “إنا لننصر رسلنا” (غافر 51) وتحقق معنى ما ذكرته مولاتنا العقيلة (فكد كيدك واسعَ سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا يرحض عنك عارها وهل جمعك إلا بدد وأيامك إلا عدد) هذه الزيارة تناظر نداء إبراهيم في الحج “وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق” (الحج 27) هذا النداء تموج في الناس فأخذوا يستجيبون سنة بعد سنة وهانحن نرى الجموع يلبون نداء الحسين في عصر العاشر من المحرم هل من ناصر ينصرنا؟ هل من معين يعيننا؟ هل من ذاب يذب عنا؟ كان ينتظر مناصرًا واحدًا مدافعًا واحدًا بعد أن هوى أصحابه فدائيين للدين وهذه الجموع وعلى مد البصر منهم الشيخ الكبير الهم الذي لو تركته في الأيام العادية لا يستطيع الحركة وإذا بحب الحسين وعشقه يصنع بداخله معجزة يحركه هذه المسافات الطويلة. مرضى ونساء كبيرات السن وأطفال كلهم يستجيبون لنداء ذلك اليوم إن كان لم يجبك سمعي عند استغاثتك فقد أجابك قلبي وفؤادي أجبناك بأنفسنا وضمائرنا ودموعنا ونسأل الله أن يثبت لنا قدم صدق عندك يوم الورود. هذه المسيرة العظيمة التي جاءت لتتنصر الحسين وتسعف دمعات زينب العقيلة وتشاركها حضور كربلاء بعد أن كانت في الشام.