دفع الشبهات حول زيارة ومشاة أربعين الامام الحسين عليه السلام (ح 2)

د. فاضل حسن شريف

جاء في موقع شفقنا عن زيارة الاربعين في أقوال الأئمة وردود العلماء في دفع الشبهات حولها: وروي في كامل الزيارات / 90 باب 28 عن الإمام محمد الباقر عليه السّلام أنه قال: (إنّ السماء بكت على الحسين أربعين صباحاً). أمّا زيارة الإمام الحسين عليه السّلام يوم الأربعين فقد وردت في أحاديث عن الأئمة المعصومين عليهم السّلام في فضلها منها ما روي عن الإمام الحسن العسكري عليه السّلام أنه قال: (علامات المؤمن خمس، صلاة إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والتختم في اليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم). أمّا الزيارة المشهورة في يوم الأربعين والمعروفة بالأربعينيّة فقد رويت على روايتين، الرواية الاُولى رواها صفوان الجمال عن الإمام الصادق عليه السّلام فقال: قال لي مولاي الصادق عليه السّلام: (تزور الحسين عند ارتفاع النهار وتقول) ثم تلا الزيارة. أمّا الرواية الثانية فقد رويت عن عطا عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كنت مع جابر يوم العشرين من صفر فلمّا وصلنا الغاضرية اغتسل في شريعتها ولبس قميصاً كان معه طاهراً ثمّ قال لي: أمعك شيء من الطيب ياعطا؟ قلت: سعدٌ. فجعل منه على رأسه وسائر جسده ثمَّ مشى حافياً حتّى وقف عند رأس الحسين عليه السّلام وكبّر ثلاثاً ثمَّ خرّ مغشياً عليه فلما افاق سمعته يقول: ثمّ تلا الزيارة.

الزيارة في المصادر: ذكر الكثير من العلماء الأعلام فضل زيارة الحسين عليه السّلام في يوم الأربعين وقد استدلوا في ذلك على روايات الأئمة المعصومين عليهم السّلام منهم: 1 ـ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في التهذيب 2 / 17 باب فضل زيارة الحسين عليه السّلام فإنّه بعد أن روى الأحاديث في فضل زيارته عليه السّلام ذكر المقيّد منها بأوقات خاصة وذكر شهر صفر وما فيه من الحوادث. نقل عن مصباح المتهجد / 551 ثمّ قال: وفي يوم العشرين منه رجوع حرم أبي عبد الله الحسين عليه السّلام من الشام إلى مدينة الرسول صلّى الله عليه وآله وورود جابر بن عبد الله الأنصاري إلى كربلاء لزيارة أبي عبد الله الحسين عليه السّلام فكان أول مَن زاره من الناس وهي زيارة الأربعين. ثم روى حديث الإمام الحسن العسكري عليه السّلام. 2 ـ أبو الريحان البيروني في الآثار الباقية / 331: في العشرين من صفر رد الرأس إلى جثّته فدُفن معها وفيه زيارة الأربعين ومجيء حرمه بعد انصرافهم من الشام. 3 ـ العلامة الحلي في المنتهى ـ كتاب الزيارات بعد الحج: يُستحب زيارة الحسين عليه السّلام في العشرين من صفر. ثم روى حديث الإمام العسكري عليه السّلام. 4 ـ العلامة المجلسي في البحار ـ باب فضل زيارة الحسين عليه السّلام يوم الأربعين. 5 ـ السيد ابن طاووس في الإقبال. 6 ـ الشيخ يوسف البحراني في الحدائق في الزيارات بعد الحج. 7 ـ الشيخ المفيد في مسار الشيعة. 8 ـ العلامة الحلي في التذكرة والتحرير. 9 ـ ملا محسن الفيض في تقويم المحسنين. 10 ـ الشيخ البهائي في توضيح المقاصد الأربعين. 11 ـ الشيخ عباس القمي في مفاتيح الجنان.

عن العتبة الحسينية المقدسة: مشي النساء إلى كربلاء (قراءة في الأدلة والنصوص الشرعية): الحكم الشرعي واستحقاق الثواب عند بذل الجهد: إنَّ الأحكام الشرعية الإلهية تُلحظ فيها جنبتان متغايرتان من حيث طبيعة الحكم وخصوصيته: الجنبة الأُولى: وهي جنبة التشريف، إذ إنَّ الأحكام الشرعية هي تشريف للعبد المكلف، لأنَّ مَن كلّفه أراده أن يرتبط به روحياً ويُصبح منتمياً إليه ومضافاً إلى اسمه وموصوفاً بأنه (عبد لله) لا لغيره، فينال شرف العبودية لله ويخرج من براثن عبودية الغير وإذلاله. الجنبة الثانية: جنبة التكليف، لأن الأحكام الشرعية هي تكليف وتحميل للمكلف بها، وهذه الجنبة التعبوية إنما هي لمصلحة من كُلف بها، وأن الله تعالى هو العالم بهذه المصالح أكثر من المخلوقين، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّـهِ وَاللَّـهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ” (فاطر 15)، إذ إنها في إطار إعطاء نظام لتربية وإعداد المكلف وتنظيم علاقاته العامة والخاصة وإدخاله في حيّز السعادة في الدارين، فقد روى النوري في المستدرك عن أبي القاسم الكوفي في كتاب الأخلاق: عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في خطبته: (أيها الناس، ما علمت شيئاً يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به). فإن الأحكام كما يقول العدلية تابعة لمصالح ومفاسد واقعية، فما من أمر إلا وفيه خير للمكلف المأمور به، وما من نهي إلا وفيه شر للمكلف المنهي عنه، وغاية تلك التكاليف والجهود هو الوصول إلى الدرجات المعنوية واليقين العلمي والطاعاتي، كما قال تعالى: “وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ” (الحجر 99). وهذه الأحكام كلما كانت أشد وأتعب كلما كان مردودها المعنوي والتربوي أكبر وأرحب، فإن أفضل الطاعات أشدها وأحمزها. وبما أن المشي هو بذل للجهد أيضاً، بل لعله جهد كبير، وخاصة إذا اتّصف بالعبادية، فإنه سيكون أحب وأقرب، كالمشي للحج المندوب والمشي لزيارة النبي عليها السلام والأئمة عليهم السلام، فهو بلا شك محبوب عند الله تعالى، كما سيأتي المزيد من البيان.

حرص المسلمين على أحمز الأعمال: تنقسم العبادات في التشريع الإسلامي على ثلاثة أقسام: منها ما يكون جهدياً بحتاً كالصلاة والصيام، ومنها ما يكون مالياً بحتاً كالخمس والزكاة، ومنها ما هو مشترك كالحج والجهاد، وكلما كانت العبادة أجهد وأتعب كانت ثمراتها المعنوية أكبر وأعظم، ولذا ورد في الرواية المشهورة بين الخاصة والعامة عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله أنه قال: (أفضل الأعمال أحمزها). ومعنى أحمزها كما في كتب اللغة هو:(أشدها وأمتنها، وأكثرها مشقة). والمشي ـ كما سيأتي ـ أشد وأصعب وأكثر جهداً من الركوب، فيكون أفضل قطعاً، وكلما كانت مسافته أطول فهو أشد جهداً ومشقة فيكون أفضل، بل وكلما كانت الظروف أصعب كان المشي أعظم أجراً، فالماشي في زمن الخوف أو الحر أو البرد الشديد أو غير ذلك من الظروف الصعبة أكبر منفعة وثمرة دنيوية وأُخروية من المشي بغير تلك الظروف، عملاً بالحديث النبوي الشريف، لذا فإن العبادات التي فيها مشي ـ كالحج والجهاد والزيارة ـ لها أهميتها وفضلها على سائر العبادات إلا ما خرج بالدليل.

عن موقع وكالة نون الاخبارية: لماذا التأكيد على المشي في زيارة الأربعين؟ للكاتب حسن الهاشمي: فالأمر لا يقتصر على الجانب التاريخي فحسب، أي أن السير الى أبي عبد الله عليه السلام، لا يمثل رفضا للظلم الذي تعرض له آل بيت النبوة، وينتهي الامر عند هذه النقطة، بل هو إعلان قائم، لرفض الظلم والطغيان في أي زمان ومكان، وهذا تحديدا سر خوف الطغاة من ملحمة الحسين عليه السلام ومبادئها التي هددت ولا تزال تهدد عروش الظلم، كونها تدفع باتجاه التحفيز الايجابي الدائم للتغيير نحو الافضل. وهكذا فإن المشاركين في المسيرات المليونية المتواصلة نحو كربلاء المقدسة، إنما يعبرون عن وحدة الموقف والكلمة، لهذه الملايين المنتصرة لذواتها ولموقف الامام الحسين عليه السلام، وهذا بحد ذاته تعبير واضح ودقيق عن ميول الإنسان ونزوعه صوب الحق، وهذا أيضا ما يُطلق عليه العمل حسبما تمليه عليه فطرة الانسان التي تدفعه نحو الصواب وأعمال البر والاحسان. ولا ننسى أن نشير الى مبدأ التلاحم الاجتماعي الذي ينتج عن هذه المسيرات، حيث يشترك الجميع في تقديم الخدمات المطلوبة للزائرين، وهم يقطعون مئات الكيلومترات مشيا على الاقدام قد تتعدى 500 كيلو متر من بعض المحافظات والقرى النائية، فيجدون ما يحتاجونه في السرادقات المنصوبة على الطرقات والمواكب والبيوت التي تستقبلهم، وتقدم لهم ما يحتاجونه من مأكل ومشرب ومنام، وهذا ما يدفع بدوره الى تعميق اللحمة الاجتماعية للشعب، وكلنا تابع او شاهد على شاشات التلفاز، او سمع من الآخرين، أو قرأ في الصحف وغيرها، مشاركة غير المسلمين وغير الشيعة في تقديم هذه الخدمات للزائرين، وهذه الخطوة تنم عن روح ايجابية، تتطلع الى المشاركة والعطاء والتفاعل مع الجميع، وهي احدى بذرات هذه الزيارة، التي تجمع المسلمين وتقرّب بينهم، وتجعلهم يتمتعون بالروح الايجابية المستعدة للتفاهم والتسامح والتعايش وفق رؤية متوازنة، مستمدة أصلا من مبادئ أبي الأحرار عليه السلام، التي تضع الإنسان كقيمة عليا، وتحثه على مقارعة الظلم أيا كان نوعه او مصدره. ان من أعظم مظاهر الولاء لأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين هي تلك الجحافل والجموع التي نراها ويراها العالم بأسره تسير ولا من هدف لها إلا الوصول إلى البقعة التي اقتطعها الله سبحانه من الجنة ووضعها على الأرض، إلى كربلاء، إلى ترعة من ترع النعيم، ولا يكاد الناظر إلى هذه الجموع ينقضي عجبه من كثرة ما يرى من وقائع وأحداث وصور يحير لها عقل اللبيب، لمن يسير إلى قبر سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه ولو لخطوة واحدة، فضلا عمن يمشي إلى قبره المقدس ساعات وأياما.