كامل الدلفي
في ظل الغزو الأمريكي المستمر للعراق منذ ثلاثة وعشرين عاماً، وعلى وقع الضربات الجوية الأمريكية-السعودية المشتركة والأولى من نوعها التي استهدفت مقرات هيئة الحشد الشعبي رسميًا قبل يومين، تسقط آخر ورقة توت عن واشنطن والعواصم الغربية السائرة بركابها . إن ذهاب عشرات الشهداء العراقيين والجرحى في سبع محافظات، بحجج واهية لم تقدّم واشنطن أو الرياض دليلاً ملموساً عليها، يثبت الحقيقة الصادمة التي طالما حاول الإعلام تزييفها: (أن أمريكا خانت كل مثالياتها المدّعاة حول الديمقراطية والتغيير والمشروع الحر)، وجاءت بحربها لا لمعاقبة ديكتاتور أو إسقاط نظام، إنما لمعاقبة الشعب العراقي، وتهشيم ركائز دولته، وتحويل ترابه وحضارته إلى ساحة مشاعة لها، وألعوبة هشة يستحكمون السيطرة عليها تدريجياً. هذه الحقيقة الجيوسياسية المريرة، التقطها في لحظتها التاريخية الأولى الدكتور أحمد الجلبي منذ إعلان أمريكا احتلال العراق تحت طائلة قرار مجلس الأمن الدولي بالرقم 1483 في 23/مايو/ 2003. القرار الذي حول القوات الأمريكية من قوات لتحرير العراق (بحسب اتفاقات مسبقة مع المعارضة العراقية والدكتور أحمد الجلبي) إلى قوات محتلة تتصرف بكامل حريتها في بلد ليس بلدها. ومنذ تلك اللحظة، انبرى الصراع بين الأطماع الإمبراطورية الأمريكية وبين مشروع الجلبي – العقل التقني الوطني الذي نادى بضرورة التسليم الفوري للسلطة وتشكيل حكومة عراقية مؤقتة بكامل السيادة تدير المرحلة الانتقالية وعملية “عرقنة الأمن”. هذا الموقف الوطني عجّل بغضب (الدولة الأمريكية العميقة)، فشرعت في تهميش الجلبي وتشويهه بسردية مسيئة، تلقفتها عنها سريعاً الأنظمة الإقليمية المحيطة المرعوبة من أي تغيير سياسي حقيقي في العراق، ومن صندوق الانتخاب ودستور يصوت عليه الشعب. ألا يحق للعراقيين اليوم، وهم يشيّعون شهداءهم جراء قصف الطائرات الأجنبية المقاتلة، أن يغيروا إستراتيجية التفكير برمتها بحق الولايات المتحدة؟ إن أمريكا لم تكن يوماً شريكاً، فهي الدولة المحتلة التي فتحت بوابات العراق لقذائف الإرهاب، وأطماع الذئاب المحيطة، وصنعت الطائفية السياسية منذ أن أصدر مندوبها السامي بول بريمر أوامره الكارثية بحل الجيش العراقي، والأجهزة الأمنية، ومؤسسات الدولة، بهدف تفريغ العراق من كوادره التكنوقراطية ليبقى بلا ركائز، وتحويله من دولة مواطنة جامعة إلى ساحة لصراع الهويات الفرعية، وعش كبير للمحاصصة المكوناتية، وصندوق بريد متبادل للقذائف الإقليمية والدولية.
إن العقل السياسي العراقي المعاصر مُطالب اليوم بالاعتبار والاستفادة من تجارب التاريخ الطويل لعلاقات واشنطن ببغداد؛ بدءاً من دور وكالة المخابرات المركزية ( CIA في الإطاحة بحكومة 14 تموز 1958 وإعدام خياراتها الوطنية التنموية عام 1963، مروراً بالانقلاب الدراماتيكي على تحالفها مع الجلبي الممتد من 1989 إلى 2003 فور رفضه لوصايتهم، وصولاً إلى استباحة الأجواء وقصف المؤسسات الأمنية الرسمية بالأمس.
ماذا يحتاج العراقيون بعد من حجج وأدلة، وأمامهم شلال دم نازف من عام 1958 وحتى تموز 2026، لاعتبار أمريكا خصماً استراتيجياً لا يؤتمن جانبه، يبني عقيدته الأمنية على إبقاء العراق ضعيفاً مؤسساتياً ومنكشفاً سيادياً؟ إن استعادة السيادة الحقيقية، وإيقاف أطماع الجوار، والرد على العبث الأمريكي، لا يمر عبر الخضوع لإملاءات البنك الفيدرالي أو رسائل واشنطن، بل عبر إحياء مخرجات الصراع الأول: العودة إلى (العقل التقني والوطني المستقل) الذي يجمع السلاح تحت راية الدولة المركزية القوية، ويفرض السيادة الكاملة براً وجواً، ويضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار دولي أو إقليمي