من وراء المسيرة الخضراء / الجزء / الجزء الثالث
بغداد : مصطفى منيغ
وجدتُ نفسي وجهاً لوجه مع الرجل الثاني من حيث النفوذ المُخَوَّل به أن يلحقني بتلك المؤسسة الإعلامية العملاقة ، أو يقطع عليّ الطريق ، يتعلق الأمر بالأستاذ عبد القادر نور الذي مدّ َلي ورقة بيضاء وقلماُ حبره أحمر ، طالباً مني أن أكتب خاطرة أو أي شيء يبني بعد قراءته قراره في حق طلبي ، كانت لحظة رغم قصرها حسبتُها طويلة مقلقة ساد أثناءها صمت غريب انتهى بتكريسه ذاك الكلام الذي شكل في الواقع أول خطوة أقطعها داخل تلك البناية المكونة من ثماني طوابق الكائنة بشارع الشهداء رقم 21 ، لم يكتفي الأستاذ نور مرحباً بشخصي بل اصطحبني لقسم شؤون العاملين لأوقع داخله على عقد عمل رسمي وأتوصل بدفعة مالية محترمة تحت الحساب ، ومنذ اليوم الثاني عكفت على تأليف مسلسل “الشيطان”، فكان بحق من أجود وأنجح المسلسلات المذاعة طيلة شهر ساهم في تخفيف السير في ساعة معينة ليس في العاصمة وحدها وإنما على مستوى الجمهورية الجزائرية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ، ، بما أثاره من استحسان وما أظهره من تقنيات كتابة متخصصة فيفي المجال ، لم تكن معهودة بتلك الدقة في الوصف وكثافة المعلومات ، أضف على ذلك براعة الإخراج الذي أبدع فيه الأستاذ “الكيتاري” التونسي الجنسية ، والعناية والاهتمام بالعمل الضخم الذي أبداه الأستاذ “أحمد بولعواد” المشرف على ما كان يُسمَّى بأستوديو إذاعة شارع “أحمد زَبَانَة” لاَ رُوشْ سابقاً ، وُضِع رهن إشارة المسلسل تدريباً وتسجيلاً ، وبالتالي العدد الهائل من الممثلين والممثلات المنسجمين في إعجاب ملحوظ بالشخصيات التي يتقمَّصونها بإتقان فاق الوصف ، فهنَّأني الأستاذ “الشيخ الدَحَّاوِيّ بكلمات مؤثرة لا زال صداها يرن بكرم ونبل معانيها في أذني لحد الساعة ، وإذا علمنا أن الأستاذ السيخ الدحاوي يمثل ركناً وازناً من أركان تلك المؤسسة ن لما يختزن فكره من غزارة علمية وباللغة العربية الصحيحة السليمة ن علمنا وقع كلماته الطيبة في نفسيتي ، وأنا في بداية السلم أتسلَّق النجاح الحقيقي درجاً درجا ،الأستاذ الكبير عبد القادر نور جاء موقفه من المسلسل في تصريح خص به الصحفيين قائلا : “الأعمال المُقدًّمة من طرف الأستاذ مصطفى منيغ ستخلق نوعاً من المنافسة داخل الجزائر في مجال الإبداع والتأليف لأشكال أدبية متنوعة لها قيمتها بالتأكيد ، ستعود بالنفع على الساحتين الأدبية والفكرية داخل الجزائر وخارجها” ، بالفعل تم التعاون في هذا الإطار والعديد من رجالات ونساء الأدب والفن وأيضا السياسة ، والكثير من التقنيين داخل تلك المؤسسة الإعلامية الموقرة ، فكم هي تلك الجلسات الممتعة التي شاركتُ فيها كبراء الفكر والسياسة داخل العاصمة وعبر مدن غيرها مثل وهران التي قدمتُ لمدير إذاعتها الأستاذ الصديق “الصايم” مسلسل “الحقيبة السوداء” ، كما ساهمت في العديد من البرامج منها “ألحان وشباب” المُعد من طرف الفنان (فاقد البصر) “مُعْطِي بشير” ن علماً أنني قدمت قطعة مغناة بصوتي ومن ألحاني ، سمعتها مُذاعة في مناسبات عدة ، كما لي من المساهمات ما يضيق الحجم عن نشره ، لا زلتُ محتفظا بأغلبيتها كذكرى تقربني متى عدتُ إليها من تلك المرحلة المهمة في مجرى حياتي المنتهية أواسط السبعينيات من القرن المنصرم .
… مرة وأنا أنتظر المصعد بعدما ضغطتُ على زر توقفه في الطابق الثاني فلما انفتح بابه قابلتني مفاجأة من العيار الثقيل ، الرئيس الهواري بومدين وهو يطلب مني الصعود رفقته ووزير الإعلام في حكومته والرئيس “عبد الرحمان شريط ” المدير العام للإذاعة والتلفزة الجزائرية ، بل أمرني بالجلوس معهم في نفس الطاولة لتناول الطعام مع موظفي وعمال المؤسسة الإعلامية الضخمة الطي زارها ذاك اليوم ذاك اليوم المشهود رئيساً للجمهورية من تلقاء نفسه دون سابق إعلام وبلا ترتيبات برتوكولية ، فاتخذها الجميع مناسبة من طُعْمٍ جديد يهيئ لشيء مُبتكر على الدار التحمُّس للعمل في إطاره بأقصى قوة ، ونحن نتناول الطعام بادرني الرئيس باستفسار يعني خلفية وهدفاً مقصوداً وراءه امتحانا مباشراً لأفكاري عن سبب سأعرفه في النهاية مع مغادرة فخامة الرئيس الطابق الثامن من تلك العمارة التي أطلقتُ عليها في إحدى مقالاتي المنشورة لقب ” مقر صوت الشعب الجزائري” سألني :
هل توصلتَ لمعرفة الشيطان بعد مسلسلكَ الذي يجمل اسمه يا أستاذ منيغ مصطفى ؟
أجبته دون تردد لكن لـدب جم :
قد يكون معنا داخل هذا المقهى / المطعم مندسا خلف ملامح منافق انتهازي حاقد على أي شيء يشم فيه رائحة النجاح ، لأنه يترعرع نشاطه مع الأقبح ، وفي جو اليأس يمرح ، ويبهج مع الهم والفم إن سيطر على فضاء أي محيط محدود بأمتارٍ قلَّة أو كيلومترات أوسع مما نتخيَّل بدايتها كنهايتها .
قطعني الرئيس مبتسماً عن غير عادته قائلاً :
إني أتابع حلقات “الشيطان” من مكتبي ن وهل هناك جديد ؟ .
أجل فخامة الرئيس ن مسلسل آخر عنوانه “السنبلة الحمراء” في ثلاثين حلقة .
وقف الرئيس وودع الجميع وبقيتُ في مكاني أتفحص تلك النظرات المسلطة عليَّ بكيفية مقلقة ، فلم أجد مخرجاً من الوضعية التي لم يكن يد في ترتيبها إلا الوقوف للانصراف ن وما هي إلا خطوات حتى لحق بي الكاتب الخاص للسيد المدير العام ، طالباً مني مرافقته دون أن أعرف إلى أين ، حتى أدركتُ مع الاتجاه المأخوذ أن المدير العام نفسه رغب في رؤيتي لأمر هام ، بالفعل صدق حدسي حينما أخبرتي السيد عبد الرحمان شريط أن رئيس الجمهورية بادر باعطاء تعليمات بانتاج برامج إعلامية إذاعية وتلفزيونية تخص الثورات الثلاث التي استحدثها لنقل المجتمع الجزائري من مرحلة إلى أخرى ، قادرة على إلحاق الوطن بركب الدول المتقدمة وهي ك الثورة الثقافية والثورة الاقتصادية والثورة الفلاحة ، في هذا الملف الذي أمنحه إليك (كما خاطبني) ، مباشرة بأمر فخامة الرئيس ستجد فيه أستاذ مصطفى منيغ المعلومات والبيانات المتعلقة بالموضوع ، خذ لنفسك أسبوعاً تتفرغ فيه لقراءة تنفذ لأعماق الأعماق المرسومة لديه رسماً لم يترك أي جانب من جوانب ترسيخه كبرنامج مرشح لتنفيذ تصميماته خدمة لصالح الجزائر دولة وشعباً. أحسستُ ساعتها بالرغبة في الاعتذار لولا طموحي الذاهبة في أبعادها لإبى تأسيس شركة للإنتاج الإذاعي و التلفزيوني على مستوى تغطية حاجيات المغرب العربي كمرحلة أولى ثم العالم العربي برمته ، يكون مقرها الجزائر العاصمة ، بما يتطلبه التأسيس من غلاف مالي كبير وتراخيص السلطات الجزائرية المعنية نلذا مسألة الاعتذار تخليتُ عن التفكير في شأنها وأنا أتصفح أول ورقة من الملف المذكور داخل غرفة في فتدق اخترته في المنتجع الصيفي الهادئ “لاَمَدْرَاكْ” سابقاً “الجميلة” حاليا .منتجع في حجم مدينة صغيرة شاطئية ذي تركيلة سياحية صرفة بميناء صيد متواضع ، كلما قَرُبَ الفجر على الصغود مغطيا بنور الضياء رويدا ظلمة الليل في جو شاعري عز نظيره ، جلسنا في جانب منه نحن الثلاثة ، مصطفى منيغ ، والحاج العَنْقَة الفنان الأصيل وأحد أعمدة الفن التقليدي الشعبي الجزائري ن والموسيقار السوري تيسير عقلة رئيس جوق الإذاعة والتلفزيون الجزاسرسة آنذاك ن لنأكل سمك السردين المشوي على الفحم ن العائد به طريا البحر الزاخر بالعطاء المتجدد طبيعياً. (يتبع)
مصطفى منيغ
Mustapha Mounirh
سفير السلام العالمي
مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان
في سيدني – أستراليا
212770222634
aladalamm@yahoo.fr
https://assafir-mm.blogspot.com