*البلاستيك…. راحة مؤقتة تحمل أسرار قاتلة*
*دينا الرميمة*
قد يستغرب الكثير عند قراءة عنوان الحملة الحادية عشرة التي ينفذها صندوق مكافحة السرطان ضمن حملاته التوعوية للوقاية من السرطان، والتي حملت مسمى “مخاطر الأكياس البلاستيكية”.
فربما الكثير منا لا ينظر إلى الأكياس البلاستيكية إلا كوسيلة راحة مساعدة لحفظ حاجاتهم وأكلهم ومستلزمات حياتهم وتوفر لهم الجهد والوقت في أداء بعض المهام ،
هم يظنون انه وإن كان لها من ضرر فليس إلا تشويهها لوجه الطبيعة الجميل عند رميها بدون استشعار المسؤولية.
غير أن الحقيقة تكاد تكون صادمة عندما نقرأ عن التلوث البيئي واسبابه وما يسببه والتي من ضمنها البلاستيك والادوات المصنعة منه سواء كانت أكياس أو ادوات حفظ الاكل والشرب وخصوصا التي تستخدم للاشياء الساخنة.
فالدراسات تشير إلى أنه ومنذ أن اخترع البلاستيك في القرن التاسع عشر فإن المواد المصنعة منه لم تتحلل إلى مواد أولية غير ضارة منذ ذلك الوقت وحتى اليوم ولم تتأثر بالعوامل البيئية. بل على العكس العوامل البيئية مثل
الحرارة وأشعة الشمس عند تعرض البلاستيك لها فإنه تنبعث منها غازات ومواد شديدة
السمية والخطورة لا تضر البيئة وحدها بل تمتد لتشمل الإنسان والحيوان والنبات.
ومنذ ذلك التاريخ البعيد تحللت وتلاشت ملايين الأطنان من المواد الصلبة كخردة الحديد مثلا
بينما كيسا بلاستيكيا لا يتجاوز وزنه بضع جرامات، قد يبقى في
البيئة لمئات السنين دون أن يتحلل ولذا فإن التلوث البلاستيكي يعد أحد أكبر التحديات البيئية في القرن الحادي والعشرين نتيجة الاستخدام المتزايد للمواد البلاستيكية والتخلص منها بشكل فوضوي ماجعلها نفاياتها تشكل عبئاً خطيراً على البيئة التي تزدحم بمصارد التلوث المختلفة .
وإذا ما بحثنا عن ماهية المواد البلاستيكية سنجدها عبارة عن بوليمرات مصنعة من مواد بترولية هيدروكربونية. وهي مواد سهلة التصنيع، وقابلة للتشكيل، وتسمى باللدائن.
وقد تم اكتشافها في القرن الثامن عشر من قبل العالم الكيميائي الألماني كريستيان شونباين 1948،
والبوليمرات تتشكل من جزيئات أحادية لمركب كيميائي معين يسمى “مونومر”.
وبالتالي فكلما كانت مادة البلاستيك المصنعة نقية، أي تحتوي فقط على البوليمر المنتج فإنها تكون أكثر أماناً، أما إذا كانت لا تزال تحتوي على جزيئات من المركب الأحادي “المونومر” فإنها تكون أكثر خطراً على الصحة، لأن الجزيء الأحادي “المونومر” غير ثابت، وقابل للتفاعل مع المواد الأخرى، والتي من ضمنها الغذاء الذي تغلف به تلك المادة.
أما المواد المضافة إلى مادة البلاستيك الخام فهي مواد متعددة بحسب الخصائص المراد تحقيقها في المنتج النهائي لمادة البلاستيك قيد التصنيع،
وهذه المواد قد تكون خطرة عندما تتفكك عن مادة البلاستيك بفعل الحرارة أو أشعة الشمس، وتعطي هذه المواد المضافة الخصائص المرغوبة للمنتج.
في المنتج، فبعضها مضاد للأكسدة ومخصص للحماية من أشعة الشمس كتلك التي تستخدم في حماية النبات، وبعضها خافض
للكهرباء الساكنة، وبعضها خافضات للزوجة، وبعضها ملدنات لتليين مادة البالستيك المصنعة ومثبتات ومزلقات،
وكما ذكرنا سابقاً أن البلاستيك لا يتحلل، وعندما ينتهي به المطاف في مكب النفايات،هنا تبدأ المرحلة اللخطر والأضرار
الناجمة بفعل تسرب المواد السامة الضارة من تلك المواد بفعل
الحرق، أو الإتلاف، أو التدوير، أو بفعل التعرض لعوامل فيزيائية
كالحرارة، وأشعة الشمس وغيرها من العوامل، وهنا
مضاعفة، حيث تتضاعف عوامل التلوث المذكورة أعلاه ليضاف إليها تسرب الغازات والمواد الضارة من تلك. ومن المواد الخطرة
التي قد تتسرب منها إلى الهواء وأنظمة المياه، كما تستهلكها الكائنات الحية التي يتغذى عليها الإنسان.
كما تتسرب تلك المواد من خلال استعمالنا اليومي للمواد البلاستيكية، بما فيها الأواني والحافظات البلاستيكية وأدوات الطهي أوعية التسخين في الميكروويف،
لذا فالأضرار ناتجة عن تغطية المواد البلاستيكية لسطح الأرض، وتوغلها في التربة، أو تلويثها للمسطحات المائية،وإعادة تشكيلها للبيئة المحيطة بالإنسان من بيئة فطرية صحية، إلى بيئة ضارة ممرضة، لا تصلح للزراعة، ولا للثروة الحيوانية أو السمكية، ولا تصلح للعيش والحياة. وربما الضرر الأكبر لها كونها عدو صامت مخاطره تتراكم تباعاً وتخزن كميات كبيرة من السموم في البيئة، التي لا تظهر آثارها وأضرارها على الجسم سريعاً بحيث يتنبه المرء لمخاطرها، وإنما تظهر بعد سنوات.
هذه المخاطر تتسبب في تسمم الجسم بشكل بطيء ومزمن، مما يؤدي إلى حدوث أمراض مزمنة فتاكة يصعب الشفاء منها كالسرطان والفشل الكلوي وغيره.
كما أن المواد البلاستيكية في حال تسربها إلى الجسم تتسبب بمشاكل للجهاز العصبي كالاضطراب العصبي – التوتر – القلق نتيجة مادة “الستايرين” – “البيسفينول”
وكذلك يظهر تأثيرها على الجهاز الدوري والقلب والأوعية الدموية بسبب مادة “البيسفينول”.
كما أن جزيئات وعوالق غبار البلاستيك كـ “البولي بروبيلين” و “البولي إيثيلين تيريفثالات” قد تصل للرئة فتتسبب بزيادة التهابات الشعب الهوائية والتحسس الناجم عن الربو، كما ان مادة«الفثالات» ترفع معدلات الإصابة به، إضافة إلى أن غبار وعوالق “كلوريد الفينيل” تتسبب بسرطان الرئة.
وكما أكدت تقارير طبية أن المواد الكيميائية الموجودة في البلاستيك مثل “البيسفينول” و”الفثالات” تشكل خطراً مباشراً على الغدد الصماء، تعطل وتربك عمل الهرمونات وتمنع إفرازها بشكل طبيعي، وكما تسبب العقم، السمنة، واضطرابات البلوغ المبكر،
اضف إلى تأثير كلوريد الفينيل والاستايرين – بيسفينول على الجهاز الهضمي وفتسبب تليف الكبد وتغيرات سرطانية في الامعاء
من هنا نتأكد أن عشوائيتنا وجهلنا لهما يد في الإضرار بصحتنا وبيئتنا.
لكننا بالوقت ذاته نملك الحل بأيدينا ونستطيع استخدام بدائل بسيطة وآمنة تجنبنا مغبة ما يحدثه قلة الوعي. وفي حالة خطر الأكياس البلاستيكية فلسنا مضطرين للمنع الكامل، لكننا مضطرون للوعي والتغيير. فالتغيير لا يحتاج معجزة بل يحتاج قرار.
وهنا يجب التشديد على توفير:
1/البدائل الآمنة الممكنة عوضاً عن استخدام المواد البلاستيكية.
2/عدم استخدام المواد البلاستيكية التي تستخدم لمرة واحدة مثل أكياس التسوق “العالقيات” وآنية البلاستيك السفري وما شابهها.
3/إعادة التدوير النقي والآمن ما أمكن للمخلفات البلاستيكية.
4/ المعالجات اللازمة لإزالة السمية والتلوث لما يتبقى من مخلفات بلاستيكية والتحقق من ذلك.
ختاماً نقول: لا تنتظر قانوناً أو حملة ابدأ من مطبخك، من سيارتك، من شنطة أولادك للمدرسة. فالأكياس البلاستيكية ليست وحدها عدونا إنما جهلنا هو العدو الحقيقي. فالراحة التي نشتريها اليوم قد ندفع ثمنها من صحتنا وعلى حساب بيئتنا مستقبلاً.
#الحملة_الوطنية_الحادية_عشر_للتوعية_بمخاطر_الاكياس_البلاستيكية