رياض سعد
مقدمة
لا يلام أي شعب على حبه لوطنه أو حرصه على حماية مصالحه الوطنية، سواء كان إيرانياً أو تركياً أو مصرياً أو سعودياً أو غير ذلك… ؛ فهذه من بديهيات السياسة، بل من مقتضيات الفطرة الإنسانية … ؛ ومن النادر أن تجد أمةً واعيةً تضحي بأمنها أو اقتصادها أو سيادتها من أجل دولة أخرى، مهما بلغت بينهما روابط الدين أو التاريخ أو الثقافة. فالإنسان السوي لا يهدم بيته ليحافظ على بيت جاره، ولا يفرط بحقوق أهله بحجة الإحسان إلى الآخرين… .
نعم , لا يقدم المواطن الواعي مصالح الدول الخارجية والاخرين على مصالح بلده واهله وشعبه وامته ؛ إذا تعارضت المصالح تعارضاً حقيقياً.
ولا يقدم على مثل هذا الفعل إلا من اختلت عنده الموازين، وانقلبت المفاهيم، فأصبح يرى الحق باطلاً والباطل حقًّا، ويؤثر مصلحة الغرباء على مصلحة وطنه وأهله، حتى ليكون مستعدًا لإلحاق الضرر بنفسه وأسرته وبلده في سبيل الآخرين… ؛ ومثل هذا السلوك لا يصدر إلا عن أصحاب الرؤية المضطربة، أو من غلبت عليهم السذاجة، أو من فقدوا القدرة على التمييز بين الولاء الديني المشروع و بين عدم الولاء للوطن و التفريط بمصالحه.
غير أن العجب كل العجب يبقى فيمن يقدّمون غيرهم على أنفسهم ووطنهم، تحت وهمٍ عقائدي أو زعمِ وحدةِ مذهب، وهنا تكمن المفارقة التي يعيشها بعض الشيعة العراقيين اليوم، حين يظن أن مصالح ايران الشيعية هي نفسها مصالح العراق الشيعي ، فيدفع ثمن هذا الوهم دماءَ بلده وثرواتِه ومستقبلَ أبنائه.
وعلى الرغم من التقارب المذهبي بين أغلبية سكان العراق وإيران، وما يجمع البلدين من روابط دينية وتاريخية، فإن ذلك لم يلغِ حقيقة أن لكل دولة أولوياتها الوطنية، وأن صانع القرار فيها ينطلق أولاً من مصلحة بلده قبل أي اعتبار آخر… ؛ وهذه ليست خصوصية إيرانية، بل قاعدة تكاد تنطبق على جميع دول العالم… ؛ ولذلك لا ينبغي أن يلوم أحدٌ الإيراني إذا قدّم إيران على غيرها، ولا التركي إذا جعل تركيا أولويته، ولا المصري إذا دافع عن مصالح مصر، ولا السعودي إذا رأى أن أمن بلاده يتقدم على كل اعتبار… ؛ فهذه ليست أنانية أو رؤية استعمارية ، وإنما هي جوهر فكرة الدولة الحديثة والهوية الوطنية .
الإشكالية لا تبدأ عند الآخرين، وإنما تبدأ عندما ينسى بعضنا هذه الحقيقة، فيتصور أن الشعارات العابرة للحدود قادرة على إلغاء الجغرافيا، وأن وحدة المذهب أو العقيدة تكفي لإسقاط منطق الدولة والهوية الوطنية وموازين المصالح.
لقد أثبتت تجارب المنطقة مرارًا أن الدول، مهما رفعت من شعارات التضامن الديني والمذهبي والقومي ، تعود في لحظة الاختبار إلى حساباتها الوطنية والمحلية … ؛ فعندما تتعارض الشعارات مع الأمن القومي أو الاقتصاد أو النفوذ، تكون الكلمة الأخيرة للمصلحة الوطنية، لا للعاطفة الدينية والمذهبية والقومية .
ومن يراقب سياسات دول الإقليم والعالم العربي والاسلامي خلال العقود الماضية سيجد أن هذا السلوك يكاد يكون قاعدة عامة… ؛ فكل دولة تفاوض، وتتحالف، وتخاصم، وتقدم التنازلات أو تمنعها وفق ما تراه محققًا لمصالحها الاستراتيجية، لا وفق ما يطالب به أنصارها في الخارج.
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه العراقي على نفسه ليس: لماذا تقدم الدول الأخرى مصالحها… ؛ بل: لماذا يعجز بعض الساسة والنخب والجماهير العراقية عن الاتفاق على أن تكون مصلحة العراق هي المعيار الأول في كل قرار وفي كل خطوة ؟!
ومن هنا ينبغي التفريق بين الانتماء الديني والقومي والمذهبي والانتماء الوطني؛ والتمييز بين مفهومين مختلفين: رابطة العقيدة الدينية والمذهبية والقومية، ورابطة الدولة والوطن والهوية الوطنية … ؛ فالعقيدة قد تجمع بين المؤمنين في منظومة من القيم والأخلاق، أما الدولة فلها حدودها وسيادتها ومؤسساتها وقوانينها ومصالحها العليا، وهي لا تُدار بالعواطف والاخلاق والعقائد الدينية، وإنما بحسابات القوة والأمن والاقتصاد والمصالح الوطنية … ؛ فاشتراك شعبين في مذهب أو عقيدة أو قومية لا يعني ذوبان الحدود السياسية أو إلغاء مفهوم الدولة الوطنية… ؛ فالدول الحديثة تقوم على السيادة والقانون وحماية الحدود والمصالح الاستراتيجية، مهما بلغت قوة الروابط الدينية أو الثقافية أو القومية .
نعم , إن الدول القوية لا تبنى بالشعارات، وإنما بالمؤسسات… ؛ ولا تُصان سيادتها بالخطابات، وإنما بوجود نخب سياسية تجعل أمن الوطن واقتصاده ووحدته فوق أي انتماء سياسي أو أيديولوجي أو إقليمي أو ديني أو مذهبي أو قومي .
ولعل من افدح الأخطاء التي وقع فيها الخطاب السياسي والشعبي الشيعي في العراق بعد عام 2003 أنه بالغ في تصوير وحدة المذهب على أنها كافية لإنتاج وحدة في المصالح السياسية… ؛ كما بالغ بعضهم في تمجيد إيران والإشادة بكل ما يمت إليها بصلة، حتى بدا وكأنه أكثر حماسًا للنظام الإيراني من بعض أنصاره في إيران نفسها، فضلاً عن ترويجه لمبدأ ولاية الفقيه والدفاع عنه… , ولعل هذه السلوكيات يفسرها أصحابها بجملة من الدوافع؛ منها موقفهم السلبي من بعض السياسات العربية ذات الطابع الطائفي، أو تقديرهم للدعم الذي قدمته إيران لحلفائها في العراق بعد عام 2003، أو اعتقادهم أن فساد بعض الطبقة السياسية العراقية وإخفاقها في إدارة الدولة يدفعهم إلى البحث عن نموذج آخر، أو انطلاقهم من قناعة دينية خالصة يرون أنها تبرر هذا الموقف… ؛ غير أن التجربة العملية أظهرت أن الدول، في نهاية المطاف، تتحرك وفق حساباتها الاستراتيجية قبل أي اعتبار آخر.
وتتجلى هذه الحقيقة في العديد من المواقف السياسية والإقليمية؛ إذ إن كل دولة تتخذ قراراتها وفق ما تراه محققاً لأمنها القومي ومصالحها الاقتصادية، حتى وإن أدى ذلك إلى تضرر حلفائها أو شركائها… ؛ وهذا ليس أمراً يقتصر على إيران وحدها، بل هو سلوك تمارسه معظم دول العالم.
*** قصة جندي الحدود .. حين يصطدم الوهم العقائدي بالواقع السياسي
وإليكم هذه الواقعة التي تكشف طبيعة التفكير لدى الطرفين: نقل لي أحد الثقات أن حارساً من حرس الحدود العراقيين، وبحكم خدمته في الشريط الحدودي جنوبي العراق، نشأت بينه وبين حارس حدود إيراني علاقة تعارف، وكلاهما ينتمي للمذهب الشيعي. كانا يتحدثان لساعات، ولكن كلٌّ في موقعه: العراقي داخل أراضيه، والإيراني داخل أراضيه.
وفي أحد الأيام، اقترب الجندي العراقي من نظيره الإيراني وأمسك بيده وجره إلى داخل الحدود العراقية ليتمشيا معاً وهما يتحدثان، وعندما أراد الجندي العراقي الدخول مع الجندي الإيراني إلى داخل الحدود الإيرانية، منعه الأخير بصرامة وقال له: «الزم حدك… يُمنع قانوناً تجاوز الحدود».
فرد عليه العراقي متسائلاً: «ألم تدخل حدودنا قبل قليل؟»
أجابه الإيراني: «أنا لم أطلب منك ذلك ولم أجبرك، أنت من تبرعت بإدخالي إلى حدود بلدك».
فقال العراقي: «ظننتُ أن المذهب يجمعنا، وأن التشيع أقوى من تلك الحدود التي وضعها الاستعمار».
رد الإيراني: «أنت متوهم؛ فالإيمان الديني شيء، وحماية حدود الوطن شيء آخر، وهذه حدود إيران منذ القدم ولا شأن للإستعمار بترسيمها… تحدث عن نفسك وبلدك ولا شأن لك بإيران».
افترق الاثنان وعاد كل منهما إلى نقطته. رجع الإيراني ومشاعر الفخر بالوطن تملؤه، بينما عاش العراقي صراعاً بين المفاهيم واضطراباً في الرؤية الفكرية والدينية، بعدما اختلطت عليه الأوراق وشعر بالمرارة.
وبغض النظر عن مدى صحة تفاصيل هذه الرواية، فإن مغزاها السياسي واضح؛ إذ يعكس الفرق بين النظر إلى الحدود بوصفها خطاً سيادياً لا يجوز تجاوزه، وبين النظر إليها باعتبارها أمراً ثانوياً أمام الروابط الدينية… ؛ فالدولة الحديثة لا تلغيها المشتركات العقائدية، وإنما تبقى السيادة فيها أساس العلاقة مع الآخرين.
وهذا الجندي الإيراني محقٌّ في موقفه، فالوطن عنده خط أحمر، والمذهب عاطفة وعقيدة دينية خاصة به ، والحدود سيادة، وايران دولة لكل الايرانيين , فلا يخلط بينها من يملك وعيًا وطنيا وسياسيًا راسخًا.
***جارٌ يهدم الجدار من طرف واحد.. تشبيهٌ يُفنّد الوهم
والإيراني محق في حرصه؛ فلو سألنا عقلاء المسلمين: “لو كان لكم جار مسلم، وتعلمون وصية النبي محمد بالجار، فهل تهدمون الجدار الفاصل بين بيتكم وبيته بحجة الإسلام؟!
وهل تتركونه يدخل إلى حرمات بيوتكم ويطلع على خصوصياتكم بذريعة العقيدة؟!
الجواب قطعًا: كلا.
فكيف ببلدٍ بأكمله، له سيادته وحدوده ومصالحه، يُفتح على مصراعيه لدولةٍ جارة تستخدم الدين والمذهب جسرًا للعبور إلى أعماقه، بينما تغلق هي كلَّ منافذها في وجه الشيعي العراقي ؟!
فعلى الرغم من حاجة العراق المستمرة إلى الغاز الإيراني لتشغيل محطات إنتاج الكهرباء، ولا سيما في المواسم التي يرتفع فيها الاستهلاك، ومنها المناسبات الدينية الكبرى، فإن الجانب الإيراني سبق أن خفّض أو أوقف أو تلكأ في تزويد العراق بالغاز في أكثر من مناسبة، مبررًا ذلك باعتبارات اقتصادية أو فنية أو مرتبطة بأولوياته الداخلية. وهذا يعكس، في نظر كثير من المراقبين، أن الدولة الإيرانية، شأنها شأن سائر الدول، تقدم مصالحها الوطنية واحتياجات مواطنيها على أي اعتبارات أو شعارات عابرة للحدود.
في السياسة لا توجد عواطف قومية دائمة، ولا صداقات أبدية، ولا أخوة مذهبية تتقدم على الدولة… ؛ هناك حقيقة واحدة لا تتغير منذ نشأة الأمم: لكل دولة مصلحتها العليا، وكل حكومة مسؤولة أولاً عن حماية أرضها وحدودها واقتصادها، ثم تنظر بعد ذلك إلى علاقاتها الخارجية.
فعلى الرغم من حاجة العراق المستمرة إلى الغاز الإيراني لتشغيل محطات إنتاج الكهرباء، ولا سيما في المواسم التي يرتفع فيها الاستهلاك، ومنها المناسبات الدينية الكبرى، فإن الجانب الإيراني سبق أن خفّض أو أوقف أو تلكأ في تزويد العراق بالغاز في أكثر من مناسبة، مبررًا ذلك باعتبارات اقتصادية أو فنية أو مرتبطة بأولوياته الداخلية. وهذا يعكس، في نظر كثير من المراقبين، أن الدولة الإيرانية، شأنها شأن سائر الدول، تقدم مصالحها الوطنية واحتياجات مواطنيها على أي اعتبارات أو شعارات عابرة للحدود.
ولهذا فإن العراق أحوج ما يكون اليوم إلى إعادة بناء ثقافة الدولة؛ ثقافة تؤمن بأن الانفتاح على الجميع لا يعني الارتهان لأحد، وأن التعاون مع أي دولة يجب أن يقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على التبعية أو التعويل على الشعارات.
إن الوطنية ليست عداءً للآخرين، كما أن إقامة علاقات متوازنة مع الجوار ليست تنازلًا عن السيادة… ؛ إنما الوطنية هي أن يكون العراق حاضرًا في كل قرار، وأن تكون مصلحة العراقيين هي البوصلة التي لا تنحرف عنها الدولة، مهما تبدلت التحالفات وتغيرت الظروف.
ولا يعني حديثنا هذا أن ظاهرة تقديم الولاءات العابرة للحدود على المصلحة الوطنية تقتصر على بعض الأوساط الشيعية في العراق؛ فهذه الإشكالية، في نظر كثير من المراقبين، ظهرت أيضًا لدى تيارات وشخصيات من مكونات سياسية وقومية مختلفة. فقد اتُّهمت قوى سياسية سنية، في مراحل متعددة من تاريخ الدولة العراقية الحديثة، بتقديم أولويات قضايا إقليمية أو تحالفات خارجية على المصلحة الوطنية العراقية، وخوض صراعات ارتبطت بحسابات إقليمية أكثر من ارتباطها بالمصلحة العراقية… ؛ كما وُجِّهت انتقادات مماثلة إلى بعض القوى الكردية والتركمانية التي رأى منتقدوها أنها جعلت الانتماء القومي أو الحزبي أو علاقاتها الخارجية يتقدم، في بعض الملفات، على مفهوم الدولة العراقية الجامعة والهوية الوطنية .
ومن ثم فإن المشكلة ليست في مذهب أو قومية بعينها، وإنما في ثقافة سياسية تجعل الولاء للحزب أو الطائفة أو القومية أو المحور الإقليمي يتقدم على الولاء للدولة… ؛ ومتى ما غاب معيار المصلحة الوطنية، أصبحت هوية العراق وسيادته وثرواته عرضة للتجاذبات والصراعات التي لا تخدم المواطن العراقي، مهما كان انتماؤه الديني أو القومي.
فالتاريخ يعلمنا أن الأمم التي تجعل وطنها أولًا تبقى، أما الأمم التي تجعل أوطانها ساحةً لصراعات الآخرين، فإنها تدفع الثمن من أمنها واقتصادها ومستقبل أجيالها.