صباح البغدادي
يمثل لنا مفهوم “المائة يوم الأولى” في أدبيات السلطة والحكم كمقياس سياسي يُستخدم لتقييم نجاح، وكفاءة، وتوجهات وأسلوب وطريقة حكم رئيس الدولة أو رئيس الحكومة الجديد في بداية فترته الرئاسية , ومن خلال مراجعة الحقبة التاريخية لهذا المصطلح , نلاحظ بأن فعل في بداية الأصل النابليوني (الأصل اللغوي) حيث تعود العبارة تاريخياً إلى القرن التاسع عشر , لأنها استُخدمت لوصف فترة الـ 100 يوم بين عودة الإمبراطور الفرنسي “نابليون بونابرت” من منفاه في جزيرة ” ألبا “، وهزيمته النهائية في معركة “واترلو” من عام 1815. إما الولادة السياسية الحديثة فكانت عام (1933) حيث تحول المصطلح إلى مقياس للأداء السياسي على يد الرئيس الأمريكي ” فرنكلين روزفلت” والأزمة الكبرى حيث تولى “روزفلت” الحكم عام 1933 والبلاد تعيش حالة مأساوية أثناء فترة “الكساد الكبير” ومن خلال التحرك السريع عندما دعا ” روزفلت ” الكونغرس لجلسة طارئة استمرت 100 يوم، مرر خلالها 15 تشريعاً رئيسياً لإنقاذ الاقتصاد (ما عُرف بالاتفاق الجديد – New Deal) ؟ اما إذا أردنا، على سبيل المقارنة، أن نعكس هذه الحالة الأمريكية على العراق، فسنجد أن الفارق ليس صادمًا فحسب، بل مفجعآ إلى حدٍّ لا يحتمل أي مقارنة. فبينما حوّل” روزفلت” مائة يومه إلى ورشة إنقاذ وطنية كبرى، لم ينتج عن مائة يوم “الزيدي” سوى المزيد من الجمود والمراوحة في المكان.وهنا يفرض السؤال نفسه بقسوة: ” هل كان السبب الرئيسي هو الافتقار إلى الخبرة السياسية والدبلوماسية في أساليب الحكم؟ أم أن السبب المباشر والأعمق هو نظام المحاصصة الطائفية والمذهبية الذي يخنق أي إرادة حقيقية ويحوّل رئيس الوزراء إلى مجرد واجهة ادارية بدرجة “مدير عام” ؟ فلم نشاهد او نسمع او حتى يتراءى لنا بانه قد دعُ رئيس الوزراء “الزيدي” إلى أي جلسة برلمانية طارئة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لم يصدر تشريعات أو قوانين جريئة تكسر حالة التخبط والعشوائية التي يفرضها نظام المحاصصة الطائفية والمذهبية. لم يجرؤ حتى على الدفع بقوانين دستورية عاجلة من داخل البرلمان لإنقاذ الواقع الاقتصادي والمعيشي المأساوي الذي يعيشه العراقيون بعد إغلاق مضيق هرمز ومنافذ تصدير النفط الوحيدة. والأمر الأكثر مرارة وحسرة تمثل بحقيقية لا تدع لنا مجال للشك او التاويل بأن :” الجارة إيران الإسلامية الشيعية ، التي يدين لها بالولاء معظم قادة الفصائل الولائية وأمراء أحزاب الإطار التنسيقي، فشلت فشلاً ذريعًا في إقناع قيادتها السياسية والدينية بالسماح لبواخر النفط العراقية والأجنبية المحملة بالنفط العراقي بالمرور الآمن عبر هذا المضيق الاستراتيجي”. بل أحسّ الشعب العراقي، بمرارة لا توصف، أن الجارة إيران الشيعية الإسلامية قد عاقبته على ذنب لم يكن له فيه ناقة ولا جمل، لا من قريب ولا من بعيد.هكذا انكشفت الحقيقة القاسية: بينما حوّل الرئيس “روزفلت” مائة يومه إلى لحظة إنقاذ تاريخية ، حوّلها بدوره “الزيدي” إلى مجرد فترة تهدئة شكلية وصورية للراي العام … ومن دون أن يستطيع كسر أصفاد درجة “المدير العام”، تلك المقولة الشهيرة التي ما تزال تتردد على ألسنة الكثيرين، والتي أطلقها في حينها الشيخ “قيس الخزعلي / زعيم عصائب أهل الحق”، وما زال صداها يتردد حتى اليوم ودون أن يرتقي إلى مستوى رئيس وزراء عراقي حقيقي قادر على كسر أصفاد وأغلال حكومته نفسها . فحكومته ما تزال مكبّلة، ومعظم وزاراتها غير مكتملة، تفتقر إلى وزراء يقودونها فعليًا، بعد أن قيّدها وقيدها قادة الإطار التنسيقي والفصائل الولائية العقائدية المسلحة، وتركوه يدير الواجهة بينما يمسكون هم بالخيوط اللعبة السياسية من خلف الستار.
في مثل هذه العناوين يمثل لنا في مستهله قراءة سياسية واقتصادية نراها تندرج ضمن محاولاتنا السعي لتفكيك الجانب الخفي والمظلم منذ عام 2003 ولغاية الان للصراع الأزلي في العراق بين سلطة الدولة الدستورية ونفوذ القوى الاحزاب السياسية الحاكمة , حيث تسلم رئيس الوزراء العراقي السيد “علي فالح الزيدي”، مهام منصبه رسمياً رئيساً للحكومة وقائداً عاماً للقوات المسلحة يوم السبت الموافق 16 أيار 2026، وذلك بعد أن نال ثقة البرلمان والذي أدى اليمين الدستورية في جلسة 14 أيار والآن بعد مرور مائة يوم والتي تصادف يوم الإثنين الموافق 24 آب بحيث اتضح لنا بانه ما يزال يخوض اختباراً وجودياً يتجاوز الأعراف السياسية التقليدية لتقييم الحكومات. فمع اقتراب كابينته الوزارية المنقوصة من تخطي حاجز “المائة يوم الأولى” بعد اقل من اسبوعين من الان ، لم يعد السؤال الملحّ في صالونات بغداد السياسية يدور حول قدرته على تقديم الخدمات الاجتماعية والمعيشية والاقتصادية ، بل بات يتمحور حول مدى استقلالية قراره السيادي في ظل ثنائية “الدولة واللادولة” لان عهد “الزيدي ” ليس مجرد فترة انتقالية عابرة، بل إننا نعتبره وحسب قراءتنا واطلاعنا عن كثب مجريات الأحداث اصبح لنا بمثابة ” مختبر” لقياس قدرة النظام السياسي العراقي على إصلاح نفسه من الداخل , لان نجاح “الزيدي” في تحويل التفاهمات المالية الدولية في زيارته إلى العاصمة “واشنطن” إلى فرص عمل حقيقية وتنمية ملموسة في الداخل، لأنها ستكون هي السلاح الأقوى لتفكيك مقولة “رئيس وزراء بدرجة مدير عام”. فالاقتصاد والتنمية الإجتماعية والبشرية والقبول الشعبي هما الغطاء الوحيد الذي يمكن أن يحمي رئيس الوزراء الشاب من مقصلة الإقالة السياسية؟.
لكن الأهم من كل ذلك أن يتمكن “الزيدي” من تجاوز السيناريوهات المحكمة التي قد تضعها قيادات الفصائل الولائية وأمراء الأحزاب لعرقلة أي مسيرة حكومية حقيقية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فهؤلاء لا يريدون رئيس وزراء يملك قراره، بل مديرًا عامًا كبيرًا يدير الواجهة وفق قواعدهم.والأهم من ذلك كله أن تكون هناك “صولة فجر ثانية ” جديدة وجريئة، يترقبها الشارع العراقي بفارغ الصبر منذ أشهر، صولة لا تكتفي هذه المرة بذبح اكباش الفداء من المسؤولين الضعفاء، بل تطال الرؤوس الكبيرة الحقيقية التي ما زالت تتحكم من خلف الستار وتدير المشهد بأكمله.فهل يملك الزيدي الجرأة على كسر سيناريوهات هذه المعادلة؟ وعلى الرغم من النبرة الصارمة للزيدي وإعلانه في المقابلات المتلفزة بأنه “مستعد للتضحية بحياته، ولا خطوط حمراء في حماية المال العام”، إلا أن كواليس صعوده تكشف عن قيود دستورية وسياسية تكبل طموحه ومن خلال فخ التوافقية الذي نصبته قوى الإطار التنسيقي وعلى الرغم من أننا نرى ومن خلال متابعتنا لتثبت بعض المؤشرات الميدانية أن السيد “الزيدي” (41 عاماً)، القادم من خلفية مصرفية وإدارية، يحاول اتباع نظرية “الهجوم الاقتصادي والدبلوماسي الخاطف” كوسيلة للإفلات من كماشة الضغوط الداخلية وجردة الحساب الاستقصائية حول تحركاته في ميزان الـ 100 يوم وهذا الموضوع بناءً على المعطيات السياسية الحالية واستنادا إلى الدعم الشعبي للراي العام والذي ما يزال نعتقد بانه سيكون المنقذ له من اي تفاهمات خلف الابواب المغلقة لتكبيل صولة الاصلاح ومحاربة الفساد لفرض هيبة الدولة ورفض إملاءات الهيئة التنسيقية للأحزاب الحاكمة. ولذا فإن اتخذ قرارات اقتصادية وسيادية تحمي مصالح العراق العليا. يصبح “رئيساً حقيقياً” اما إذا تراجع عن قراراته أمام ضغوط الكتل السياسية وسمح بالتدخل في تعيين القيادات الأمنية الحساسة ” وزارتي الداخلية والدفاع ” على سبيل المثال واكتفى بإدارة الأزمات اليومية حيث ما يزال الملف الأمني العقبة الرئيسية التي لم نرى بأن “الزيدي” استطاع التخلص منها ــ وهذا ما لا تتمناه له ــ ومدى قدرته الحقيقية على فرض اجباري وليس طوعي لحصر السلاح بيد الدولة وفرض القانون .
يمر رئيس الوزراء “الزيدي” حاليًا باختبار حقيقي وقاسٍ لإثبات هويته السياسية، عبر ثلاثة ملفات رئيسية تكشف جوهر موقعه داخل المعادلة الحاكمة ومن خلال مفهوم النقاط الثلاث :
(*) معضلة المائة يوم ومفهوم التبعية السياسية:
التصريح العلني والوقائع على الأرض يشيران بوضوح إلى أن رئيس الوزراء ليس صانع قرار مطلق الصلاحية، بل مجرد منفذ لسياسات الكتل والقوى الحزبية التي جاءت به إلى المنصب. هو يدير الواجهة، بينما تُرسم الخطوط الحمراء في الغرف المغلقة.
(*) ضعف الغطاء السياسي:
هذا الضعف يجرّد المنصب من هيبته الدستورية، ويحوّله إلى موقع هشّ مهدد بالإقالة في أي لحظة إذا ما تعارضت قراراته مع مصالح قيادات الإطار التنسيقي والفصائل الولائية. رئيس وزراء يعيش تحت سيف الإقالة المستمر لا يمكن أن يكون إلا مديرًا عامًا كبيرًا مرتديًا ثوب الرئاسة.
(*) أزمة صناعة القرار السيادي:
هذه الأزمة تمنع “الزيدي” من اتخاذ أي خطوة استراتيجية جريئة، خوفًا من خسارة الدعم البرلماني الهش. وأبرز مثال على ذلك التزامه المعلن بإنهاء ظاهرة السلاح المنفلت بحلول يوم الأربعاء 30 أيلول. موعد يقترب، والشارع يترقب، بينما تظل الأصفاد محكمة حول يديه.
في هذه الملفات الثلاثة تتضح لنا بان تحدي المعضلة الكبرى : فهل سيكسر الزيدي أصفاد «المدير العام» ويرتقي إلى مستوى رئيس وزراء حقيقي يملك قراره، أم سيظل أسير المعادلة التي وضعته في هذا الموقع؟.
وفي الختام وبينما ما تزال تنشغل وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية بفرصة الرئيس “ترامب” الأخيرة لإيران، وبمحاولات قطر والسعودية ودول الخليج منع “طهران” من الانزلاق إلى الظلام الدامس، ارتأينا أن نقرأ مائة يوم من عمر حكومة “الزيدي” كقراءة استباقية مختلفة , فـ”مائة يوم” قد تشبه في بعض ملامحها أجواء رواية ” مائة عام من العزلة ” لغابرييل غارسيا ماركيز . ليست مائة عام ، بل مائة يوم فقط … لكنها كانت كافية لنا لكشف بعض من جوانب عزلة رئيس الوزراء ” الزيدي ” التي فرضت عليه قسرا , وانه ما يزال يتحرك خلف الأبواب المغلقة ، محاطًا بتفاهمات سياسية لا يراها الشارع ، ومكبّلًا بأصفاد لم يستطع كسرها . عزلة وضعت له , فلم تنتج إنجازات كبرى ، بل أنتجت المزيد من الأسئلة الثقيلة : فهل يستطيع “الزيدي” الخروج من عباءة “المدير العام” ؟ أم أنه أضاف إلى سجل العزلة السياسية فصلًا جديدًا عنوانه … في انتظار مائة يوم اخرى … وأخرى … وأخرى … من دوامة الانتظار لوعوده التي قطعها للراي العام ولحين ان يتفاجئ الجميع بانتهاء فترة ولايته؟ لأن دوامة الترويج للعمل على الإصلاح والتنمية الاقتصادية والمجتمعية في كتاب تكليف مناهج العمل لرئيس الوزراء ما تزال فصولها المغيبة تبتلع كل من يأتي إلى منصب رئاسة الوزراء في العراق، دون أن يخرج أحد منها منتصرًا حتى الآن.