
مكّة بين التوظيف السياسي والواقع الميداني.. كيف تحوّل المقدّس إلى سلاح في معركة السرديات..!
كتب /خالد العقل
حين تعجز القوة عن فرض أهدافها في الميدان، لا ينتهي الصراع، بل ينتقل إلى ساحة أخرى: ساحة الرواية والتفسير وصناعة الوعي. وحين يفشل السلاح في كسر إرادة الخصم، تبدأ محاولة كسر صورته، وإعادة تعريف المعركة أمام الرأي العام، وتحويل الوقائع العسكرية إلى سرديات سياسية ودينية قادرة على إنتاج تأثير يتجاوز حدود الجغرافيا والميدان. عند هذه النقطة، لا يعود الإعلام مجرد ناقل للحرب، بل يصبح أحد أسلحتها؛ تُنتقى الوقائع، وتُعاد صياغة الأسئلة، ويُبحث عن عنوان أكثر قدرة على استثارة الجمهور من نتائج المعركة نفسها.
ومن هنا يكتسب التصعيد المتزايد حول مكة المكرمة والكعبة المشرفة والمدينة المنورة في سياق الحرب على اليمن دلالة تتجاوز الحادثة العسكرية المباشرة. فإدخال المقدسات الإسلامية في خطاب الحرب لا يغيّر فقط طبيعة القضية المطروحة أمام الرأي العام، بل ينقل الصراع من مواجهة بين أطراف سياسية وعسكرية إلى مساحة أكثر حساسية، يصبح فيها الرمز الديني نفسه جزءاً من معركة الشرعية والتعبئة والتأثير. وحين تصبح مكة عنواناً في هذه المواجهة، فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا حدث؟ بل أيضاً: لماذا يجري تقديم الحدث بهذه الصيغة تحديداً، وما الذي يراد أن يترتب عليها سياسياً وإعلامياً؟
لم يعد التصعيد السعودي ــ اليمني خلال سبتمبر 2026 محصوراً في المجال العسكري المباشر، بل انتقل إلى مستوى آخر يتعلق بتفسير الأحداث وتحديد طبيعة الصراع أمام الرأي العام العربي والإسلامي. وفي هذا السياق برزت مكة المكرمة والكعبة المشرفة باعتبارهما محوراً جديداً في الخطاب السعودي، بعد إعلان الرياض في 16 سبتمبر اعتراض طائرة مسيّرة قالت إنها كانت متجهة نحو مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور، ووصف المتحدث باسم التحالف السعودي سلامة مكة بأنها «خط أحمر». في المقابل، نفت صنعاء بصورة قاطعة وجود أي استهداف يمني لمكة أو للمقدسات الإسلامية.
وتكتسب الواقعة أهميتها السياسية من كونها جاءت في مرحلة تصعيد عسكري متسارع، شهدت خلالها السعودية هجمات بصواريخ وطائرات مسيّرة على عدد من المناطق، فيما أعلنت صنعاء أن عملياتها تأتي رداً على الضربات السعودية. وفي 18 و19 سبتمبر أصدرت السلطات السعودية تنبيهات أمنية في عدة مناطق، بينها جدة والطائف، قبل أن تشهد الرياض نفسها إنذارات جوية وتصاعداً في الهجمات التي أعلنت صنعاء مسؤوليتها عنها.
وبذلك دخلت مكة إلى صلب معركة السرديات في توقيت بالغ الحساسية. فبينما تقدم الرياض الواقعة باعتبارها تهديداً أمنياً للمقدسات، ترى صنعاء أن الاتهام نفسه جزء من معركة سياسية وإعلامية تستهدف إعادة تعريف الحرب أمام العالم الإسلامي. وبين الروايتين، تبقى الوقائع الفنية المتعلقة بمصدر المسيّرة ومسارها وهدفها بحاجة إلى أدلة مستقلة يمكن التحقق منها، بعيداً عن الاكتفاء بالروايات الصادرة عن أطراف الصراع.
لكن القضية الأعمق تتجاوز تحديد مسار طائرة مسيّرة أو الجهة التي أطلقتها. إنها تتعلق بحدود استخدام الرموز الدينية في الحروب، وباللحظة التي تتحول فيها واقعة عسكرية محددة إلى قضية دينية عابرة للحدود. فإذا كانت الحرب تُخاض بالصواريخ والطائرات المسيّرة في الميدان، فإنها تُخاض في الوقت نفسه بالكلمات والصور والعناوين في الوعي العام. وعندما تدخل مكة والكعبة المشرفة إلى هذه المعادلة، يصبح السؤال الأشد حساسية: هل نحن أمام واقعة أمنية تُناقش بأدلتها وملابساتها، أم أمام محاولة لإعادة بناء صورة الحرب نفسها عبر نقلها من ساحة الاشتباك إلى وجدان العالم الإسلامي؟
– من الميدان إلى المقدس: هل تبحث الرياض عن غطاء لفشلها العسكري في اليمن؟:
ان مجرد اقحام اسم مكة والكعبة في هذه المواجهة يمثل منزلقاً خطيراً لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد خطاب اعلامي عابر، لان المقدسات ليست سلعة سياسية ولا ورقة ضغط ولا ذخيرة في الحرب النفسية، ومن يحاول تحويلها الى ذلك يغامر باشعال فتنة تتجاوز حدود اليمن والسعودية والمنطقة كلها.
لقد حاولت الرياض طوال سنوات ان تحسم المعركة بالقوة، وحشدت المال والسلاح والتحالفات، لكنها لم تستطع ان تحقق الهدف الذي ذهبت من اجله الى الحرب. واليوم، وبعد كل ما انفقته من أموال وكل ما جندته من قوى، وبعد أن اثبتت السنوات أن اليمن ليس بلادً يمكن اخضاعه بالضغط العسكري او الحصار، تبدو الحاجة الى صناعة رواية جديدة أكثر الحاحاً من أي وقت مضى.
رواية تجعل الرياض في موقع المدافع عن المقدسات، وتجعل اليمن في موقع المتهم والمعتدي، حتى لو كانت الوقائع على الأرض تحتاج إلى أدلة لا الى بيانات انفعالية وحملات إعلامية واستئجار كتبة يعزفون على نغمة: “قصف الأماكن المقدسة“.
– لماذا هذا الاصرار على ربط الصراع اليمني المقدسات..!:
ان اقحام هذه الرموز في الحرب لا يخدم الحقيقة بقدر ما يخدم التعبئة السياسية والدينية، لانه ينقل القضية من مواجهة سياسية وعسكرية قابلة للنقاش والتسوية الى معركة عاطفية دينية يجري فيها استدعاء مشاعر المسلمين في كل مكان. وهذه ليست براءة اعلامية، بل لعبة بالغة الخطورة إن لم تكن قذرة، لان من يضع المقدسات في مقدمة خطاب الحرب يعرف مسبقاً أن مجرد ذكر الكعبة قادر على تغيير طبيعة النقاش، وتحويل الخصم السياسي الى عدو ديني في وعي الملايين أو هكذا يخيل للنظام في المملكة بعد أن هزمته اليمن عسكرياً وبات يعيش حالة هذيان وتخبط سياسي واعلامي وعجز عسكري ولم يبق معه الا استخدام المقدسات عله يجد منقذاً.
والأخطر أن صناعة مثل هذه الرواية يمكن ان تتحول الى تمهيد سياسي لاي حادث مستقبلي. فحين تكرر جهة ما الحديث عن تهديد المقدسات وتربط ذلك بخصم محدد، فانها تكون قد بنت مسبقاً اطاراً تفسيرياً يمكن استخدامه عند وقوع اي حادث، مفتعل تقوم به المملكة التي أثبتت انتهاكها لمقدسات المسلمين من خلال ما يسمى هيئة الترفيه واستقدامها كل ألوان الفجور من راقصات وماجنات وخلاعة بلاحدود بهدف تشويه المقدس الإسلامي كما حدث في الرقص عرياً على مجسم الكعبة.
وعرض الأزياء الذي أثار جدلاً في موسم الرياض 2024، فقد ظهرت فيه صور ومقاطع لمكعب يشبه الكعبة بهدف النيل من الرموز الدينية في الذهنية الاسلامية كما أهدى النظام السعودي لجيفري ابستين مغتصب الاطفال ستار الكعبة لإهانة المقدس الإسلامي وهذا عمل ليس عفوياً إنه مدروس ومخطط له يستهدف النيل من مكة المكرمة والتلاعب بمشاعر المسلمين والحط من روحانيتهم، والواقع ان بناء خطاب ديني إعلامي قد يجعل مثل هذا الاحتمال ذريعة سياسية جاهزة لا يتورع النظام في المملكة من جعل اي حادث يفتعله في مكة أو المدينة قابلاً للتوظيف ضد اليمن.
وهذه هي النقطة التي يجب ان تتوقف عندها الرياض قبل غيرها وان تقلع عن التفكير الشيطاني.. مكة ليست ملكا سياسيا للنظام، والكعبة ليست منصة لتصفية الحسابات مع صنعاء، والمدينة المنورة ليست اداة لتعبئة العالم الاسلامي ضداليمن. هذه مقدسات أمة كاملة، ومكانتها أكبر من كل الحكومات والانظمة والتحالفات. ومن يزج بها في الصراع لا يحميها، بل يضعها في قلب معركة سياسية كان ينبغي ان تبقى بعيدة عنها. لقد سئم العالم من الحروب التي تبدأ بشعار وتنتهي بكارثة وفعل مؤامرة، ومن الروايات التي تصنع عدوا لتبرير سياسة. واليمن الذي تحمل سنوات الحرب والحصار والضربات لم يعد ذلك البلد الذي يمكن اخافته بالشعارات والادعاءات الفارغة التي يروج لها رجال دين يعبدون النظام، ويقولون بوجوب طاعته.
وإذا كان الأمر كذلك فمن السهولة افتعال حادث للمقدسات الإسلامية والصاقها باليمن. وهنا علينا ان نحذر النظام الغبي في المملكة من مغبة الوقوع في حماقة كهذه قد تعصف به.. لقد دفع اليمن ثمناً باهظاً من الدم والاقتصاد والاستقرار، لكنه في المقابل راكم خبرة عسكرية وسياسية جعلت معادلة الحرب مختلفة تماما عما كانت عليه في بدايتها.
ولذلك فان محاولة اعادة انتاج الحرب تحت عنوان المقدسات لن تغير الواقع إن لم ترتد وبالاً وحسرة على النظام ااسعودي، كما أنها لن تمحو اخفاقات السنوات الماضية، ولن تمنح الرياض انتصاراً لم تستطع انتزاعه في الميدان.
واذا كانت قد عجزت عن بناء تحالف قادر على حسم المعركة، وعجزت عن اخصاع اليمن بالقوة، فان الحل ليس في البحث عن تحالف ديني جديد يقوم على تخويف المسلمين من خطر مزعوم على مقدساتهم. فالامة الاسلامية ليست ساحة خلفية لمشاريع الصراع الاقليمي، ومشاعر المسلمين ليست رصيداً سياسياً مفتوحاً يمكن استدعاؤه كلما ضاقت الخيارات السياسية والعسكرية. ان اخطر ما يمكن ان تفعله الرياض هو ان تجعل الكذب السياسي حقيقة متداولة، ثم تجعل تلك الحقيقة المزعومة مبرراً لخطوة جديدة.
ولهذا فان كل رواية تتحدث عن استهداف مكة او الكعبة او المدينة يجب ان تخضع للتمحيص لمعرفة هدف النظام السعودي من وراءها، لا ان تتحول بمجرد تكرارها في وسائل الاعلام الى حقيقة مقدسة لا يجوز مساءلتها.
فحرمة المكان لا تعني حرمة السؤال عن الحقيقة، وقدسية مكة لا تعني منح اي جهة حصانة سياسية من التدقيق في رواياتها. والرسالة التي ينبغي ان تصل الى الرياض واضحة.. اذا كانت تريد حماية مكة والمدينة فعليها ان تبعدهما عن الحرب، لا ان تجعل اسمهما عنواناً للحرب. وعليها ان تدرك ان استخدام المقدسات لتغطية العجز العسكري او استدعاء التعاطف الدولي لن يكون حلاً، بل سيكشف اكثر فأكثر عمق المأزق الذي وصلت اليه سياستها تجاه اليمن.
لقد كتب اليمن بالدم معنى استقلال قراره، وتعلم من سنوات العدوان ان السيادة لا تمنحها البيانات ولا التحالفات، بل تنتزعها الشعوب حين ترفض ان تكون أداة في يد غيرها. ولذلك لن يعود اليمن الى الوراء، ولن يتخلى عن قراره تحت ضغط الحملات الإعلامية المفبركة، ولن يسمح بتحويل المقدسات الى سلاح سياسي موجه ضده.
اما مكة والكعبة والمدينة، فتبقى فوق هذه المعركة كلها. لا ينبغي أن تكون هدفاً ولا ذريعة ولا غطاء ولا ورقة تفاوض. ومن يريد فعلاً حمايتها فعليه ان يحميها من السياسة قبل أن يدعي زوراً حمايتها من الصواريخ، وان يحمي قدسيتها من التوظيف السيء قبل ان يتحدث عن حمايتها من الخطر.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه الحرب هو أن يصبح المقدس وقوداً لها. وعندها لا يعود السؤال من انتصر ومن انهزم، بل من الذي فتح الباب أمام كارثة لا يستطيع احد السيطرة عليها. ولذلك فان اللعب بمكة والكعبة والمدينة ليس شجاعة سياسية ولا عبقرية إعلامية ولا مدعاة لنجدة نظام مأزوم، بل مقامرة حمقاء بمقدسات أمة كاملة. والرياض، اذا كانت قد عجزت عن كسر اليمن بالسلاح، فلا ينبغي لها أن تحاول كسره بالكذب، ولا أن تجعل من اقدس مقدسات المسلمين سلماً للخروج من مأزقها.
فاليمن لن ينهزم لأن رواية إعلامية اتهمته، والمقدسات لن تصبح ملكاً لمن يوظف اسسمها، والتاريخ لا يرحم من يحاول تحويل قدسية المكان الى أداة في صراع السلطة والنفوذ. وعلى الرياض أن تتعقل وتخرج من هيستريا تعيشها بفعل هزائمها المتعددة وفشل رهاناتها على التحالفات وما أصابها من إحباط يوقعها في شرك المؤامرة لافتعال حادث للمقدسات. عليها ان تدرك جيداً أن حبل الكذب قصير وأن إقدامها على أي فعل تآمري من هذا القبيل سيكون وبالاً عليها وحماقات تنسف عرشه المؤقت.

