سبتمبر 21, 2026
LOGO

ترامب وسقوط النظام العالمي ( العولمة الاقتصادية )

د.حسام شعيب

قبل ظهور عصر العولمة الاقتصادية الحديثة بمفهومها المعاصر ، مرّت السياسة التجارية للولايات المتحدة الأمريكية بعدة مراحل تاريخية واتفاقيات محورية نقلتها من النزعة الحمائية والانعزالية إلى قيادة النظام المالي العالمي المشترك

ومن أبرز الاتفاقيات والقوانين التجارية التي صاغتها أمريكا قبل مشاركتها عصر العولمة الحديثة

1_ مرحلة التحول عن الحمائية (ما قبل الحرب العالمية الثانية) قانون الاتفاقيات التجارية المتبادلة لعام 1934 (RTAA): يُعد هذا القانون نقطة التحول التاريخية في السياسة الأمريكية بعيداً عن سياسة فرض الرسوم الجمركية المرتفعة (مثل قانون سموت-هاولي الكارثي لعام 1930). منح هذا القانون الرئيس الأمريكي صلاحية التفاوض على خفض الرسوم الجمركية بشكل ثنائي مع الدول الأخرى بناءً على المعاملة بالمثل، وأبرمت واشنطن بموجبه عشرات الاتفاقيات الثنائية
2_ مرحلة التأسيس للنظام المالي المتعدد الأطراف (بعد الحرب العالمية الثانية) اتفاقية بريتون وودز (1944): على الرغم من أنها اتفاقية لإدارة النظام النقدي وليست تجارية بحتة، إلا أنها الركيزة الأساسية التي بُني عليها النظام الاقتصادي العالمي. أسست هذه الاتفاقية لصندوق النقد الدولي (IMF) والبنك الدولي، وربطت العملات العالمية بالدولار الأمريكي المدعوم بالذهب، مما مهد الطريق للتجارة الحرة الواسعة
الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة – الجات (GATT 1947): وهي أهم اتفاقية تجارية متعددة الأطراف قادتها أمريكا مع 22 دولة أخرى. لم تكن منظمة بل كانت إطاراً قانونياً خفّض الرسوم الجمركية العالمية عبر جولات تفاوضية شهيرة (مثل جولة كينيدي وجولة طوكيو)، وهي التي تحولت لاحقاً في عام 1995 إلى “منظمة التجارة العالمية” World Trad
Organization ( WTO)

3_ اتفاقية البترودولار وهي من أهم الاتفاقيات التي وقعت بين الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية وتم توقيعها في يونيو 1974، وتنص على بيع النفط السعودي بالدولار الأمريكي فقط، مقابل توفير الحماية العسكرية والأمنية للسعودية من قبل الولايات المتحدة. ومن أهم بنود الاتفاقية:
أ_ بيع النفط السعودي بالدولار الأمريكي فقط.
ب_استثمار عوائد النفط في سندات الخزانة الأمريكية
ج_ توفير الحماية العسكرية والأمنية للسعودية من قبل الولايات المتحدة.
د_اقامة تعاون اقتصادي وعسكري بين البلدين.
وكان من الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة لهذه الاتفاقية أزمة النفط العالمية في عام 1973، ورغبة الولايات المتحدة في تعزيز قوة الدولار الأمريكي، وحاجة السعودية إلى الحماية العسكرية والأمنية.

4_الاتفاقيات الثنائية والإقليمية المبكرة (الثمانينيات)قبل الاتجاه إلى الاتفاقيات الشاملة الشديدة الانفتاح، بدأت أمريكا تجارب إقليمية محددة: اتفاقية التجارة الحرة بين أمريكا وإسرائيل (1985): هي أول اتفاقية تجارة حرة ثنائية توقعها الولايات المتحدة في تاريخها، وهدفت إلى إلغاء كافة الرسوم الجمركية على السلع المتبادلة بين البلدين.اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكندا (FTA 1989): الاتفاقية الإقليمية الأضخم في حينها لحرية تدفق السلع والخدمات والاستثمارات عبر الحدود الشمالية. شكلت هذه الاتفاقية المسودة المباشرة التي تم التوسع فيها لاحقاً بضم المكسيك لتوليد اتفاقية “نافتا” (NAFTA) عام 1994، والتي مثلت الانطلاقة الرسمية لجيل العولمة والاقتصادية المفتوحة

لقد أرادت أمريكا من كل تلك الاتفاقيات الموقعة ومن تلك الأفكار “العولمة الاقتصادية” أن تحول العالم إلى عالمٍ بلا حدود، أو حتى إلى عالم تحكمه منظومة واسعة من القواعد التي تنظم العالم وتعالج الآثار الخارجية العابرة للحدود على نحو ما يُريده الأمريكيون .

رغم ذلك فإن هذا الواقع للنظام العالمي حالياً يبقى اقل سوءاً من “العولمة الترامبيه” التي تريد تسييّد فيها القوة الأمريكية المنفلتة من كل قيد .

فالطالما كانت العولمة نعمة ساهمت في النمو السريع الذي حدث في أسواق المال وثراء حملة الأسهم في أمريكا ، حتى أزمة المال في عام 2008، لكن هذه النعمة انقلبت إلى نقمه بعد الهجرة الكثيفه لرأس المال والتقنية والصناعة الأمريكية إلى آسيا وتحديداً الصين .

وحسب نتائج مسح أجرته صحيفة “لوس انجلوس تايمز” مع وكالة “بلومبيرغ”، فإن 50% من الأمريكيين الذين شملهم المسح يرون أن العولمة التي فتحت الحدود للسلع والخدمات اضرت بالاقتصاد الأمريكي ، فيما قال 26% فقط إنها كانت مفيدة .

ولا يستبعد خبراء اقتصاد أن تكون إحدى نتائج العولمة هي تخلف أمريكا صناعياً مقابل تقدم الصين.
ويرى الخبراء أنفسهم أن هجرة التقنيه المالية والصناعية من أمريكا إلى الصين هي السبب الرئيس في الحرب التجارية والعسكرية التي تخوضها أمريكا على عدة جبهات ، وربما تنتهي بكساد للإقتصادين الأمريكي والعالمي.

مما دفع ” الدولة العميقة ” في الولايات المتحدة الأمريكية إلى إعادة تشكيل ” العولمة الاقتصادية ” وتوجيهها بما يخدم مصالحها القومية وأمنها الاقتصادي ، وبدلاً من ” إسقاط ” ” النظام العالمي ” الذي ساهمت واشنطن في بنائه تاريخياً ، تشهد السياسة الأمريكية الحالية تحولاً جذرياً نحو ما يُعرف بـ ” الحمائية الاقتصادية ” و” العولمة الانتقائية “، مدفوعةً بشعارات مثل ” أمريكا اولاً ”

ويمكن تلخيص التوجه الأمريكي الحالي في النقاط التالية:
تجزئة سلاسل الإمداد: تبتعد واشنطن عن الاعتماد المطلق على السوق العالمي المفتوح (خاصة الصين)، وتتحرك نحو “إعادة توطين الصناعات” (Reshoring) أو نقلها إلى دول حليفة وموثوقة (Friend-shoring) لتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والطاقة والنقل

كما فرضت الإدارات الأمريكية المتعاقبة ، لا سيما إدارة الرئيس دونالد ترامب، رسوماً جمركية واسعة النطاق للحد من تدفق البضائع الأجنبية الرخيصة ولحماية التنافسية المحلية

أمن قومي بدلاً من السوق الحر: استبدلت أمريكا مفهوم “اليد الخفية للسوق” بالتدخل المباشر للدولة لحماية أمنها القومي وتفوقها التكنولوجي والعسكري، حيث أصبح المعيار هو “مناعة” الاقتصاد وليس مدى انفتاحه.

هذا التوجه الأمريكي الجديد لم يكن وليد اللحظة، وبخلاف ما يعتقده الكثيرين أن دونالد ترامب يمارس نزوات سياسية غير متوقعة.
إذ أن ترامب لا يتحرك عشوائياً ، بل يتبع مخططاً استراتيجياً مدروساً بدقة لتحقيق شعار “أمريكا اولاً ” ضمن استراتيجية واضحة تُعرف سياسياً ب”الشعبوية القومية ” و ” عقيدة الصدمة ” حيث تعتمد على ضرب الثوابت السياسية والتقليدية لإعادة صياغة القواعد لصالحه وصالح المنظومة التي يعمل معها.

كما أنه يعتمد على إثارة الجدل الإعلامي من خلال السيطرة اليومية على العناوين الرئيسة في الإعلام لتوجيه الرأي العام واشغاله بعيداً عن ملفات أخرى.

كما يعتمد ترامب على استراتيجية “رجل الأعمال المفاوض “، يتبع أسلوب كتابه الشهير “فن الصفقة ” ( Aat of the Deal) حيث يبدأ بمواقف متطرفة ومتشددة جداً (كما فعل في بداية الحرب مع إيران ، وكما فعل مع الدنمارك بشأن غرينلاند، وما زال يستخدم هذا التطرف مع دول مثل كندا وحلف الناتو…) ليرعب الخصوم، ثم يتراجع خطوة للوصول إلى تسوية مكسبة له .

وشعار ” أمريكا اولاً ” america First لم يكن ترامب اول من استخدمه خلال حملته الرئاسية لعام 2016 ، فقد سبقه الرئيسوودورو ويلسون حيث صاغه في حملته الانتخابية عام 1916 والتي تعهد فيها بالحفاظ على حياد أمريكا في الحرب العالمية الأولى . وقد اكتسب هذا النهج الأقل تدخلاً في حينها أهمية في فترة ما بين الحربين( 1918_1939 ) ، كما دعت إليه ايضاً لجنة أمريكا اولاً ، وهي مجموعة ضغط غير تدخلية ضد دخول الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب العالمية الثانية.

ليعيد دونالد ترامب استخدام هذا الشعار، كاشفاً عن جوهر التحولات الكبرى في النظام الدولي الجديد. فحين يعلن رئيس دولة كبرى أن النفط والمعادن يجب أن تكون تعويضاً مباشراً لتدخلاته العسكرية، فإننا أمام تحول جذري في مفهوم السياسة الخارجية لأمريكا.

لم يعد هناك حديث عن نشر الديمقراطية أو حماية حقوق الإنسان كما كان في العقود الماضية ، بل عن تحويل الحرب إلى صفقة والدولة إلى أصل قابل للإدارة .

هذا التحول يعكس ما يمكن تسميته بالرأسمالية المتوحشة أو “الليبرالية المتوحشة ” حيث تصبح القوة العسكرية أداة للاستثمار ، وتتحول العلاقات الدولية إلى سوق مفتوحة للموارد.

هذا التحول الأمريكي سيؤدي إلى إبطاء وتيرة العولمة التقليدية وتفتيتها ، إلا أن دول العالم والشركات متعددة الجنسيات قد تتكيف عبر بناء شبكات تجارية مرنة والبحث عن شراكات بديلة ، مما يعني أن العولمة لا تموت بل تدخل حقبة جديدة أكثر انقساماً وتعقيداً .

د.حسام شعيب
21سبتمبر/أيلول 2026