رياض سعد
ليست المشكلة في منشور عابر على منصة للتواصل الاجتماعي، وإنما في الثقافة التي تسمح بتحويل الشتيمة إلى رأي، والكراهية إلى موقف، والإساءة إلى هوية العراقيين إلى وسيلة لاستقطاب الأنصار وإثارة الضجيج.
لقد أثارت التغريدة المنسوبة إلى المدعوة مينا بنت البعثي المجرم أمير الحلو موجة واسعة من الاستنكار، لما تضمنته – إن ثبتت صحتها – من ألفاظ جارحة وتصنيفات مناطقية وإساءات تمس الاغلبية العراقية الاصيلة .
وإذا كانت صاحبة الحساب تؤكد أن صفحتها تعرضت للاختراق، فإن عليها أن تقدم ما يثبت ذلك بالطرق الفنية والقانونية، لأن الادعاء وحده لا يكفي لإغلاق ملف أثار الرأي العام… ؛ أما إذا ثبتت مسؤوليتها عن تلك العبارات، فإن الواجب يقتضي مساءلتها وفق القانون والأنظمة النافذة، ولا سيما إذا كانت تشغل موقعاً في مؤسسة إعلامية عامة، لأن المسؤولية العامة تفرض على صاحبها قدراً أعلى من الانضباط واحترام المجتمع.
إن أخطر ما في مثل هذه الخطابات أنها لا تستهدف شخصاً بعينه، بل تسعى إلى تقسيم العراقيين إلى فئات متناحرة، وتستحضر الانتماءات المناطقية والجهوية والطائفية والقومية بدلاً من الاحتكام إلى المواطنة وسيادة القانون والهوية الوطنية.
إن المشكلة لا تكمن في منشور واحد فحسب، وإنما في ظاهرة تتكرر بين حين وآخر، حيث يعمد البعض إلى نبز العراقيين الاصلاء والتشكيك في أصولهم العريقة أو الانتقاص من مكونات اجتماعية كاملة، وكأن معيار الوطنية والهوية العراقية يُقاس بالمناطق والطوائف لا بالعراقة والاصالة والهوية الوطنية .
وحين تتحول الألفاظ المهينة إلى لغة مألوفة في الفضاء العام، فإنها تفتح الباب أمام ردود أفعال غاضبة وخطابات مضادة، فتدخل البلاد في دوامة من الاستقطاب لا يستفيد منها إلا دعاة الفتنة.
إن النقد السياسي حق، والاختلاف الفكري حق، وحتى الاعتراض الحاد حق تكفله حرية التعبير، لكن لا أحد يملك حق الانتقاص من كرامة المواطنين أو إطلاق أوصاف مهينة بحقهم أو التحريض على الكراهية بينهم… ؛ فالمجتمعات لا تُدار بمنطق الإهانة، بل بمنطق المسؤولية والمحاسبة.
نعم , إن من حق أي مواطن أن ينتقد رأياً أو موقفاً أو تصريحاً، لكنه ليس من حقه أن يعمم الأحكام على جماعات بشرية بأكملها أو أن يحاكم الناس على أساس أصولهم أو مناطقهم أو أنسابهم… ؛ فالمسؤولية فردية، والعقوبة فردية، والكرامة الإنسانية مصونة للجميع.
إن حرية التعبير ليست رخصة للإساءة، كما أن النقد السياسي لا يبرر الانتقاص من الناس أو النيل من كرامتهم.. , والدولة التي تحترم نفسها هي التي تميز بين الرأي المشروع وبين الخطاب الذي يحرض على الكراهية أو يهين المواطنين.
وإن المسؤولية اليوم لا تقع على الأفراد وحدهم، بل على المؤسسات أيضاً. فالمؤسسات الإعلامية والثقافية مطالبة بترسيخ ثقافة الحوار، وعدم التساهل مع أي خطاب ينال من السلم المجتمعي أو يسيء إلى فئة من المواطنين… ؛ فالقانون يجب أن يكون المرجع، والعدالة هي الفيصل، لا الانفعالات ولا حملات التشهير.
ولهذا فإن القضية لا ينبغي أن تُختزل في سجال على وسائل التواصل الاجتماعي، بل يجب أن تكون مناسبة للتأكيد على أن خطاب الكراهية، أياً كان مصدره، لا ينسجم مع قيم الدولة ولا مع أخلاقيات العمل الإعلامي… ؛ فإذا ثبتت صحة تلك العبارات، فإن المحاسبة القانونية والإدارية هي السبيل الصحيح، أما إذا ثبت أن الحساب تعرض للاختراق بالفعل، فيجب إعلان الأدلة بشفافية حتى لا تبقى القضية رهينة الشائعات والتجاذبات.
إن العراق بحاجة إلى إعلام يجمع ولا يفرق، ويعزز الاحترام المتبادل، لا إلى خطاب يستبدل الحجة بالشتيمة، والانتماء الوطني بالتصنيفات الضيقة… ؛ فالدول لا تنهار بسبب اختلاف الآراء، وإنما تنهار عندما تصبح الكراهية لغةً مقبولة، والإساءة إلى الناس سلوكاً عادياً، ويغيب القانون عن محاسبة المسيء.