
صباح البغدادي
في نيويورك، حيث تُعقد الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، لا تتحرك الوفود وحدها في أروقة المبنى الزجاجي الشهير. خلف الكواليس، وفي الظلال التي لا تراها الكاميرات، تتحرك أجهزة استخبارات دولية كبرى، تراقب، تلتقط، تحلل، وتعيد تركيب كل حركة، كل نظرة، كل اجتماع مغلق، وكل كلمة تُقال بعيدًا عن المنصة الأممية. والوفدان العراقي والإيراني، اللذان يشاركان في هذه الدورة وسط تصاعد التوترات الإقليمية، ليسا مجرد وفود دبلوماسية؛ بل هما أهداف استخبارية عالية القيمة، تخضع لمتابعة تقنية لصيقة من قبل الموساد الإسرائيلي، والمخابرات الأميركية، وربما أجهزة أخرى لا تُعلن أسماءها , وطبقة الظل تتمثل فيما ما لا يُقال على المنصة الأممية وبينما يتابع العالم خطابات القادة والرؤساء والملوك على المنصة، فإن ما يجري خلف الأبواب المغلقة هو القصة الحقيقية، فإن:
(*) الاجتماعات السرية بين أعضاء الوفد الإيراني والإسرائيلي ليست مستبعدة، خصوصًا في لحظات الأزمات الكبرى.
(*) قنوات خلفية قد تُفتح عبر وسطاء مثل قطر أو سلطنة عمان أو حتى الولايات المتحدة، بهدف استكشاف تفاهمات لإنهاء الحرب أو تخفيف التصعيد.
(*) الوفد العراقي يجد نفسه في قلب هذه المعادلة، بين ضغوط أميركية، وتوقعات إيرانية، ورغبة في تجنب الانزلاق إلى صراع أكبر.
هذه اللقاءات — إن حدثت — لن تُعلن، ولن تُوثّق، ولن تُلتقط صورها. لكن أجهزة الاستخبارات تعرف كيف تصل إليها، وكيف تراقبها، وكيف تستخلص منها ما تريد والموساد والمخابرات الأميركية: عينان لا ترمش لهما جفن وفي نيويورك، المدينة التي لا تنام، تعمل أجهزة الاستخبارات كما لو أنها في حالة طوارئ دائمة. الموساد، بخبرته الطويلة في الاختراق الدبلوماسي، يعتمد على:” عدسات مراقبة عالية الدقة وتقنيات تتبع الهواتف الذكية وتحليل حركة الوفود داخل المبنى الأممي ومصادر بشرية داخل بعض البعثات الدبلوماسية “
أما المخابرات الأميركية، فهي صاحبة الأرض، وصاحبة القدرة على: “ مراقبة الاتصالات المشفرة وتتبع تحركات الوفود عبر أنظمة أمنية داخلية والوصول إلى غرف الاجتماعات المغلقة عبر أدوات تقنية لا تُكشف وتحليل لغة الجسد والسلوك عبر كاميرات أمنية منتشرة في كل زاوية لغرض وضعها تحت وصاية خوارزمية الذكاء الاصطناعي ” وهذه ليست مبالغة؛ بل واقع وثّقته عشرات الأفلام الوثائقية والمذكرات الشخصية لرؤساء ومسؤولين سابقين، تحدثوا بصراحة عن فن الجاسوسية داخل الأمم المتحدة.
ولكن لماذا هذا الاهتمام بالوفدين العراقي والإيراني؟ لأنهما يقفان في قلب معادلة إقليمية حساسة:
(*) الحرب في مضيق هرمز وباب المندب
(*) ملف الفصائل الولائية العقائدية العابرة للحدود
(*) الضغوط الأميركية لإنهاء الحرب
(*) القلق الإسرائيلي من أي تفاهمات قد تُضعف نفوذها
(*) مدى فعالية ومنهجية الدور القطري والعماني في الوساطة وانهاء الحرب .
(*) احتمال وجود تفاهمات سرية لا يريد أحد إعلانها
كل هذا يجعل الوفدين هدفًا استخبارياً من الدرجة الأولى وما بين العلن والسرّ: ازدواجية المشهد الأممي , ولان الاجتماعات العلنية في الجمعية العامة هي مجرد واجهة. خطابات، تصريحات، صور، رسائل إعلامية… لكن خلف الأبواب المغلقة، يجري ما هو أهم:
(*) اتفاقات تُطبخ بعيدًا عن الصحافة
(*) صفقات سياسية تُناقش دون محاضر رسمية
(*) ضغوط تُمارس على الوفود لإعادة تشكيل مواقفها
(*) تفاهمات تُبنى عبر قنوات خلفية لا يعرفها الجمهور
وهنا، تلعب أجهزة الاستخبارات دورًا محوريًا في معرفة ما يجري، بل أحيانًا في التأثير عليه.
نيويورك ليست مدينة دبلوماسية فقط… بل مدينة وغابة استخباراتية بامتياز ؟
في هذا الأسبوع السياسي الساخن، تتحول الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى غرفة عمليات دولية، حيث تتقاطع مصالح الدول، وتتصادم الأجندات، وتتحرك أجهزة الاستخبارات كما لو أنها جزء من المشهد الرسمي.
الوفدان العراقي والإيراني يدخلان هذه الساحة وهما يعلمان ــ فتلك مصيبة ــ أو ربما لا يعلمان ـــ فالمصيبة أعظم ـــ أن كل خطوة، كل التفاتة، كل غداء في مطعم مهما بدا عاديًا، كل تنزّه قصير في شارع جانبي، كل لقاء عابر مفتعل في حديقة عامة، كل دخول إلى محلات التسوّق، كل لحظة استراحة في ردهة فندق، كل حديث جانبي يُقال على عجل… فإنها حتمًا ستكون مراقبة ومسموعة صوتًا وصورة، وبأحدث الوسائل التقنية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، حتى تلك التي تصل إلى قراءة الشفاه وتحليل حركة العين ونبرة الصوت. إنهم يتحركون في مدينة لا تنام، مدينة تُخفي خلف أضوائها البراقة شبكة مراقبة معقّدة، تُسجّل كل شيء، وتعيد تركيب كل شيء، وتحوّل كل كلمة إلى معلومة، وكل معلومة إلى ورقة ضغط. كل كلمة محسوبة، كل خطوة مُلتقطة، كل اجتماع مسجّل بطريقة أو بأخرى، سواء عبر كاميرات أمنية لا تُرى، أو ميكروفونات دقيقة مزروعة في أماكن لا تخطر على بال، أو عبر تقنيات تتبع الهواتف الذكية التي لا تفارق جيوب الدبلوماسيين. وهذه هي الحقيقة التي لا تظهر على المنصة الأممية، الحقيقة التي لا تُقال في الخطابات، ولا تُكتب في البيانات، لكنها تحكم ما يجري خلف الستار، وتعيد رسم ملامح القرارات قبل أن تُعلن، وتحدد مسار التفاهمات قبل أن تُصاغ، وتكشف ما لا يريد أحد أن يُكشف.
الليل يهبط على نيويورك، والمدينة تلمع تحت المطر كأنها لوحة زيتية مرسومة بعناية. في أحد شوارع مانهاتن، سيارة سوداء بزجاج مظلل تتوقف أمام مطعم هادئ. ينزل منها ثلاثة رجال ببدلات رسمية، أحدهم يحمل حقيبة جلدية صغيرة. إنهم جزء من الوفد العراقي. وعلى الجانب الآخر من الشارع، كاميرا صغيرة بحجم زر القميص مثبتة على عمود إنارة، تلتقط كل شيء. في الطابق الخامس من المبنى المقابل، يجلس رجلان خلف شاشة كبيرة، يراقبان المشهد عبر بث مباشر عالي الدقة. أحدهما من الموساد، والآخر من جهاز أميركي لا يذكر اسمه في الوثائق.
في اللحظة نفسها، يدخل أعضاء من الوفد الإيراني إلى متجر قريب، يتظاهرون بأنهم يشترون هدايا تذكارية. لكنهم يعرفون — أو ربما لا يعرفون — أن المتجر نفسه مزوّد بكاميرات ذكية تقرأ حركة الشفاه وتلتقط الاهتزازات الدقيقة في الصوت. كل خطوة محسوبة. كل كلمة تُلتقط. كل نظرة تُسجّل. كل لقاء عابر يُعاد تحليله عشرات المرات وهذه ليست نيويورك التي يعرفها السائحون. هذه نيويورك التي يعرفها الجواسيس.
الأجهزة التي تراقبهم ليست كاميرات عادية. إنها:
كاميرات قادرة على قراءة الشفاه من مسافة 200 متر
ميكروفونات تلتقط اهتزازات الصوت عبر زجاج النوافذ
أنظمة ذكاء اصطناعي تحلل لغة الجسد
برامج تتبع الهواتف الذكية حتى لو كانت مغلقة
شبكات مراقبة داخل الفنادق والمطاعم
مصادر بشرية داخل بعض البعثات الدبلوماسية
هذه ليست مبالغة. هذه تقنيات موثقة في ملفات استخباراتية سابقة.
فهل هناك من متعظ؟ هل يدرك أحد أن ما يجري في نيويورك ليس مجرد دبلوماسية، بل فصل جديد من فصول الجاسوسية الحديثة؟ هل يفهم أحد أن كل كلمة تُقال هناك قد تُستخدم لاحقًا كورقة ضغط أو مفتاح تفاهم أو بداية أزمة؟ هذا هو المشهد الحقيقي… مشهد لا تراه الكاميرات الرسمية، لكنه يُكتب في غرف مظلمة، ويُقرأ في عواصم كثيرة، ويُعاد ترتيبه في ملفات سرية لا يعرفها إلا القليل , حيث تتداخل الدبلوماسية مع المراقبة، والسياسة مع التقنية، والقرارات مع الظلال؟