حرب الثروات..من الردم إلى الرد

حرب الثروات.. من الردم إلى الرد

خديجة طه النعمي

هل تساءلتم يوماً كيف لبلدٍ يربض فوق حوضٍ استراتيجي من أهم مكامن الطاقة والثروات المعدنية في العالم أن يُفرض عليه التفقير والاستجداء لعقود؟ اليوم لم تعد الحقيقة حبيسة الأدراج والتكتم، ولم تعد الخرائط الجيولوجية سرّاً طيَّ الكتمان؛ فالأرقام الموثقة والوثائق المسربة تكشف النقاب عن جريمة تاريخية مرّت في الظل.. جريمةُ حربٍ اقتصادية لم تكتفِ بتكبيل الحاضر عبر الحصار واستنزاف الموارد، بل امتدت لعقودٍ من مصادرة القرار السيادي، ونهب الثروات، وردم الآبار بالإسمنت، وإحراق ملفات الاستكشافات لإخفاء 96% من الخريطة النفطية والغازية لليمن، وتجميد استغلال قطاع المعادن الثمينة!

تتجاوز هذه المسألة حدود التكهنات التحليلية لتصل إلى حقائق جيولوجية مدعمة بالوثائق، حيث تشير التقارير الموثقة إلى أن الحوض الرسوبي اليمني يحتوي على احتياطيات هائلة تُقدّر بأكثر من 35% من الاحتياطي العالمي للنفط، غير أن السياسات المتعاقبة_التي أدارتها أذرع إقليمية عبر شبكات النفوذ السابقة_تعمّدت اختزال هذه الثروة في حدود 12 مليار برميل كحد أقصى، ولم تُعنون منها سوى 3 مليارات برميل كاحتياطي مؤكد، وقد ترتب على هذا التضليل الممنهج إخراج معظم الخريطة النفطية والغازية والمعدنية خارج نطاق الاستثمار؛ إذ لم يُسمح بتشغيل سوى 12 قطاعاً إنتاجياً فقط من أصل مئات القطاعات، بينما جرى ردم الآبار الواعدة بالخرسانة المسلحة، ونقل وثائق المسح الجيولوجي إلى السفارات لإتلافها وطمس الحقيقة، بالتزامن مع منع التنقيب في الشريط الحدودي واستنزاف المكامن المشتركة عبر تقنيات الآبار الأفقية.

ولم تقف حدود هذه الجريمة عند تقييد الاستكشاف وتزوير الأرقام، بل امتدت لتصيب قطاع المعادن الثمينة كالذهب والنحاس والكوبالت في نطاق الدرع العربي-الإفريقي بتجميدٍ كامل، وصولاً إلى مرحلة العدوان المباشر الذي استهدف المنشآت الاستخراجية وموانئ التصدير كـرأس عيسى والصليف، مما تسبب في توقف 13 قطاعاً إنتاجياً و32 قطاعاً استكشافياً، وفقدان اليمن لإنتاج أكثر من 90 مليون برميل نفط سنوياً، وتكبيلاً لقطاع النفط والمعادن بخسائر مباشرة وغير مباشرة تجاوزت 57 مليار دولار، حارمةً الموازنة العامة من إيرادات كانت تشكل العمود الفقري للدخل القومي.

وأمام هذه الحرب الاستخراجية الممتدة، جاء تفعيل معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد ليقلب الطاولة رأساً على عقب، منتقلاً بالمعركة من مربعات التلقي إلى خنق الشريان النفطي واللوجستي للطرف المقابل، فاليوم تجد منظومة الطاقة السعودية نفسها تحت ضرباتٍ دقيقة طالت أنبوب نقل النفط شرق – غرب والمنشآت التكريرية في جيزان وينبع وأرامكو، مما أسفر عن هبوط حاد في حركة التصدير عبر البحر الأحمر، واضطرار ناقلات النفط لسلوك مسارات الالتفاف الطويلة والمكلفة حول أفريقيا، وارتفاع كلف التأمين المالي، وتراجع قدرة الموانئ النفطية الرئيسية في ينبع ورأس تنورة على توفير إمدادات آمنة للأسواق العالمية.

وفي نهاية المطاف، تتجلى الحقيقة الساطعة ذاتها، فزمن إدارة الفقر بالإكراه، وردم المستقبل بالخرسانة، ومصادرة القرار السيادي تحت صمت العواصم، قد انكسر إلى غير رجعة والمعركة اليوم لم تعد مجرد نزاعٍ على موارد مُعطلة، بل غدت صراع وجودٍ بين إرادة شعبٍ يصر على استعادة ثرواته المسلوبة، ومعادلة ردعٍ جديدة جعلت أمن الطاقة الإقليمي رهيناً بإنهاء الحصار، وأدرك العالم_ولو بعد حين_أن النفط والغاز والمعادن التي أُريد لها أن تكون قيداً يُكبّل اليمنيين، أضحت هي ذاتها الشريان الذي يفرض قواعد اللعبة الجديدة؛ فلا استقرار لشرايين الطاقة في المنطقة، ولا أمان لاستثمارات المستقبل، إلا بالإقرار الكامل بحق الشعب اليمني الناجز في أرضه، وثرواته، وسيادته على كامل مقدراته.

#كاتبات_وإعلاميات_المسيرة