
د. فاضل حسن شريف
يتناول الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والقرآنية واللغوية الفرق بين النبي والرسول، فكلاهما مصطفىً من الله تعالى ومؤيدٌ بالوحي للهداية والتبيين، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في العموم والخصوص، وطبيعة التكليف، ونزول الكتاب أو الشريعة الجديدة: النبي (المُوحَى إليه المُنْبَأ بخبر السماء) المفهوم: هو من أوحى الله إليه بشرعٍ أو تكليفٍ ليعمل به ويبلغه، سواء بُعث لتقرير شريعة سابقة وتجديدها (كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يحكمون بالتوراة) أو بُعث بشريعة خاصة. الأصل والصفة: مأخوذ إما من “النَّبَأ” وهو الخبر العظيم ذو الشأن (لأنه يُنَبَّأ من الله ويُنْبِئُ غيره)، أو من “النَّبْوَة” وهي الارتفاع والرفعة في المكانة، فالنبوة مقام رفيع وإخبار إلهي خاص. الاستعمال القرآني: ورد “النبي” في القرآن الكريم للتعبير عن المقام الشريف والإخبار الإلهي، وجاء في القرآن أن الأنبياء كُثُر: “إنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ” (النساء 163). “إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا” (المائدة 44) إشارة إلى أن الأنبياء يحكمون بشريعة ومقصد سابقين. الرسول (المَبْعُوث برسالة جديدة وكتاب أو تكليف موجه لجمع) المفهوم: هو من أوحى الله إليه بشرعٍ ورسالةٍ خاصة وأمره بإبلاغها إلى قومٍ أو إلى الناس كافة، وغالباً ما تتضمن رسالته كتاباً سماوياً أو شريعة جديدة تُنسخ بها بعض أحكام الشريعة التي سبقتها. الأصل والصفة: مأخوذ من “الرِّسَالَة” و”الإرْسَال” وهو التوجيه والانطلاق والارتباط بجهة مُرْسِلَة، فالرسول سفير بين الله وخلقه يُحمّل رسالة محددة وموجهة إلى قوم مكذبين أو أمة محددة ليقيم عليهم الحجة. الاستعمال القرآني: جاء “الرسول” في سياق المواجهة مع الأقوام، وإقامة الحجة، وحمل الكتب الإلهية: “وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا” (الإسراء 15) اقتران العذاب وإقامة الحجة ببعثة الرسول. “كَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا” (مريم 51) حيث جُمعت الصفتان في حق موسى عليه السلام، ليدل على أنه حاز المقامين (النبوة والرسالة). خلاصة الفرق: النبي هو الأعمّ قدرة ومقاماً من حيث العدد (فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً)، إذ يُوحى إليه بخبر السماء ليُبلّغ ويُجدّد دين من قبله، بينما الرسول هو الأخصّ والأعظم تكليفاً، إذ يُبعث برسالة خاصة أو كتاب أو شريعة موجهة إلى قومٍ ليقيم عليهم الحجة. فالرسالة رتبة أخصّ داخل مقام النبوة العام.
يوضح الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والقرآنية واللغوية الفرق بين اللَّعِب واللَّهْو، فكلاهما يُعبّر عن اشتغال الإنسان بما لا يثمر نفعاً آخروياً دائماً أو الانصراف عن الجد، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في محلّ النشاط (الجوارح أم القلب)، والحركة، ومستوى الذهول عن الواجبات: اللَّعِب (نشاط الجوارح المنظم أو العبثي) المفهوم: هو الفعل والنشاط الظاهري الذي يُمارس بقصد التسلية أو قضاء الوقت دون غاية عقلانية أو ثمرة حقيقية نافعة، وغالباً ما يكون حركياً وتصرفاً بالجوارح. الأصل والصفة: مأخوذ من “اللُّعَاب” وهو ما يسيل من الفم بلا قصد ولا ضبط، فاللعب حركة ظاهرية أو عمل لا يحقّق غاية دينية أو عقلية جادة، وربما كان له قوانين وقواعد (كالألعاب الرياضية) لكنه يظل حركياً وعبثياً مقارنة بالتكاليف والواجبات. الاستعمال القرآني: جاء “اللعب” في القرآن الكريم لوصف الدنيا وحركتها الظاهرة، أو الأنشطة البدنية والتسلية: “أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” (يوسف 12) إشارة إلى النشاط البدني والتسلية الحركية في حق يوسف عليه السلام مع إخوته. “وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ” (الأنعام 32) قُدّم اللعب لبيان حركيتها ومظاهرها الزائفة. اللَّهْو (ذهول القلب وانشغاله عن الأهم) المفهوم: هو انشغال القلب والفكر بشيء يشهيه الإنسان ويستلذه، فيصرفه ويزهله عن الأمور المهمة والتكاليف الشرعية أو العقلية الواجبة. الأصل والصفة: مأخوذ من “اللَّهْيُ” و”الْلَّهَوَان” وهو الغفلة والذهول عن الشيء، فالأصل في اللهو أنه عمل نفسي وقليبي، حيث يتلهى العقل بما لا يعني عن المعالي، ويغفل به عن الواجبات العظام. الاستعمال القرآني: ورد “اللهو” مقترناً بالغفلة والانصراف عن الذكر والواجبات الدينية والتجارة: “وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرُكُوكَ قَائِمًا” (الجمعة 11) إشارة إلى انصراف قلوبهم واشتغالهم بما يُلهي عن الصلاة والخطبة. “لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ” (الأنبياء 3) بيان أن محلّ اللهو الأصلي هو القلب والغفلة. خلاصة الفرق: اللَّعِب هو نشاط ظاهري وتصرف بالجوارح لا فائدة حقيقية منه في الميزان الأخروي (حركة ظاهرية تفتقر للغاية الجادة)، بينما اللَّهْو هو اشتغال نفسي وغفلة قلبية تصرف المرء وتذهله عن الأهم والواجب. فاللعب يُمارس بالبدن والجوارح، واللهو يقع في القلب والفكر، ولهذا يُقال: قد يلعب الإنسان ببدنه دون أن يلهو قلبه، ولكن إذا لَها قلبه فقد غفل عن واجبه وربه.
يتناول الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والقرآنية واللغوية الفرق بين الخلق والجعل، فكلاهما يتعلق بالتكوين والإيجاد والتدبير الإلهي في الكون، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في الابتداء والإنشاء، والتغيير والتحويل، والدلالة على الصنع والغاية: الخلق (الإيجاد والتقدير على غير مثال سابق) المفهوم: هو إنشاء الشيء، وإيجاده من العدم، أو تقديره بأبعاد ومقادير محددة على غير مثال أو نموذج سابق. الأصل والصفة: مأخوذ من “الخَلْق” وهو التقدير المستقيم والابتداء، فالخلق يرتبط بالابتداء، وإيجاد الأصول والأعيان والذوات (كالسموات، والأرض، والإنسان)، ولا يكون الخلق بالمعنى المطلق والحقيقي إلا لله عز وجل. الاستعمال القرآني: جاء “الخلق” في القرآن الكريم عند الحديث عن إيجاد الذوات والكائنات والأصل الأول: “خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ” (التغابن 3) إيجاد الأصل والذوات. “خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن طِينٍ” (الرحمن 14) الابتداء والتقدير في أصل الخلقة. الجعل (التصيير والتطوير وإكساب الصفة والغايات) المفهوم: هو تصيير الشيء من حالة إلى حالة أخرى، أو إكسابه صفة، أو وظيفة، أو غاية جديدة بعد إيجاده، فهو يرتبط بالتحويل، والتسخير، وتنظيم العلاقات بين المخلوقات. الأصل والصفة: مأخوذ من “الجَعْل” وهو إحداث حالة أو وظيفية في الشيء، ولهذا يتعدى الجعل غالباً إلى مفعولين (مثل: جعلت الخشبَ باباً)، حيث صُيِّر الخشب من حالته الأصلية إلى هيئة ووظيفة جديدة. الاستعمال القرآني: ورد “الجعل” في القرآن الكريم للتعبير عن الوظائف، والتصيير، والتشريعات، والتسخير: “الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا” (البقرة 22) حيث خُلقت الأرض أولاً، ثم جُعلت وصُيِّرت ممهدة كالفراش لاستقرار الإنسان. “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ” (الأنبياء 30) إكساب الشيء صفة الحياة والوظيفة بواسطة الماء. “وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ” (الأنعام 1) عُطف الجعل على الخلق ليدل على إيجاد أصل النور والظلمة وتصيير أثرهما ووظيفتهما في الكون. خلاصة الفرق: الخلق هو إيجاد الذات والأصل وتقدير المادة على غير مثال سابق، بينما الجعل هو تصيير الشيء القائم وتغيير حالته وإكسابه صفة أو وظيفة أو غاية جديدة. فالخلق يركز على إيجاد “الذات”، والجعل يركز على “الحالة والوظيفة والأثر”، ولهذا تخلق المادة أولاً، ثم يُجعل فيها النفع والصفات.