نزار حيدر
٢/ والقانونُ الذي يُثيرُ النَّعرات الطائفيَّة والعنصريَّة ويُشجِّعُ أَو يحمي أَو يُروِّج للفسادِ الأَخلافي والمالي والإِداري ويدفع باتِّجاهِ تمزيقِ اللُّحمةِ الوطنيَّةِ والمُجتمعيَّةِ ينبغي التمرُّدَ عليهِ.
يقولُ أَميرُالمُؤمنِينَ (ع) {وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ والْمَحَبَّةَ لَهُمْ واللُّطْفَ بِهِمْ ولَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ؛ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ}.
فالقانونُ الذي يتجاوَز على هذهِ القاعدةَ الإِنسانيَّةَ والوطنيَّةَ ينبغي التمرُّدَ عليهِ لأَنَّهُ يتعامَل معَ الرعيَّة بالفوارقِ الطبقيَّةِ ويؤَسِّسُ للتَّعاملِ معهُم بتمييزٍ بعيداً عن العدلِ والمُساواةِ كما أَمرَ الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} وقولهُ {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
فالقِسطُ لكُلِّ النَّاسِ وليسَ لفئةٍ دونَ أُخرى وأَنَّ تقسيم المُجتمع إِلى درجاتٍ فهذا من الدَّرجةِ الأُولى والآخر من الدَّرجةِ الثَّانيةِ سواءً على أَساس الخلفيَّة الدينيَّة أَو الإِثنيَّة أَو الطبقيَّة المُجتمعيَّة والإِقتصاديَّة، إِنَّ كُلَّ ذلكَ يتعارَض معَ القسطِ جُملةً وتفصيلاً.
ومن القوانينِ الفاسدةِ التي يجبُ التمرُّدَ عليها هي التي تتجاوَز على [أَشياء] النَّاسِ وتحديداً الطَّاقات والخِبرات والكفاءات فيُشرعِن وضع الرَّجُل غَير المُناسِب في المكانِ غَير المُناسبِ سواءً بسببِ الولاءاتِ الحزبيَّةِ أَو بالرَّشاوي أَو غيرِ ذلكَ.
يقُولُ تعالى {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} وعلى رأسِ ذلكَ مِكيال المكان المُناسِب الذي إِذا تمَّ التَّجاوزُ عليهِ بالرَّجُلِ غَير المُناسبِ فسيُعَدُّ ذلكَ جَورٌ وخيانةٌ كما يصفُها أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَاراً ولَا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وأَثَرَةً فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ والْخِيَانَةِ}.
٣/ والقانونُ الذي يستهدِفُ شريحةً إِجتماعيَّةَ دونَ أُخرى فيصطادَ الضُّعفاء ويفلِت منهُ الأَقوياء، ينبغي كذلكَ التمرُّدَ عليهِ.
يقولُ رسولُ الله (ص) {إِنَّما هلكَ الذينَ مَن قبلكُم أَنَّهم كانُوا إِذا سرقَ فيهِم الشَّريفُ تركُوهُ وإِذا سرقَ فيهِم الضَّعيفُ أَقامُوا عليهِ الحدَّ}.
يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) يثبِّت مبدأ [القانُون فوقَ الجمِيع] مُخاطباً أَحد أَقرب عُمَّالهِ إِليهِ [مُحافظ البصرَة] كانَ قد خانَ الأَمانةَ والثِّقةَ {فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ثُمَّ أَمْكَنَنِي اللَّه مِنْكَ لأُعْذِرَنَّ إِلَى اللَّه فِيكَ ولأَضْرِبَنَّكَ بِسَيْفِي الَّذِي مَا ضَرَبْتُ بِه أَحَداً إِلَّا دَخَلَ النَّارَ! ووَ اللَّه لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ والْحُسَيْنَ فَعَلَا مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتَ مَا كَانَتْ لَهُمَا عِنْدِي هَوَادَةٌ ولَا ظَفِرَا مِنِّي بِإِرَادَةٍ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُمَا وأُزِيحَ الْبَاطِلَ عَنْ مَظْلَمَتِهِمَا}.
ففي الحالاتِ الثَّلاث أَعلاهُ ومثيلاتِها من القوانِين لا تُمثِّلُ مِصداقاً لحدودِ الله تعالى التي أَمرَنا المُشرِّعُ بالإِلتزامِ بها واحترامِها وعدمِ التَّجاوزِ علَيها {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} والعكسُ هوَ الصَّحيحُ فاحترامَها ظلمٌ {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} لأَنَّ معيار صحَّة الحدُود من عدمِهِ هي في إِقامةِ العدلِ والإِنصافِ وليسَ في نصوصٍ تقمعُ فئةً وتمكِّنُ أُخرى فهيَ في هذهِ الحالةِ ستكونُ مُنكراً لا ينبغي السُّكوتَ عنهُ ومسايرتهُ والخضوعَ لهُ أَبداً، ففي هذهِ الحالةِ يجبُ التمرُّدَ عليهِ لإِصلاحِ الحالِ ولو كانَ ذلكَ ثمنهُ الدَّم كما هوَ الحال في عاشوراء وفي كُلِّ الثَّورات والإِنتفاضات التي هيَ بمثابةِ التمرُّدِ على الباطلِ والظُّلمِ الذي تؤَسِّس لهُ القوانِين السيِّئة.
إِنَّ عواقِبَ مُسايرةَ المُنكرِ والخضُوع للقانونِ الظَّالمِ وخيمةٌ جدّاً يدفعُ ثمنَها كُلَّ المُجتمعِ وليسَ جُزءاً منهُ كما في قَولهِ تعالى {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ* كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ* تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ}.
لقد سعى نظامُ الطَّاغية الذَّليل صدَّام حسين لمُحاصرةِ خَيارات العراقيِّينَ وتحديدِ حُريَّاتهِم والتدخُّل في كُلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ تخصُّ عقائدهُم وشعائرهُم ومن ذلكَ منعِ الشَّعائر الحُسينيَّة التي اعتادَ عليها العراقيُّونَ جيلاً بعدَ جيلٍ ببُعدِها الإِنساني السِّلمي الذي لا يتعرَّض لأَحدٍ ولا يتجاوَز حدُودَ أَحدٍ أَو حقُوقَ فئةٍ، ولذلكَ كان لابُدَّ من مَوقفٍ شعبيٍّ يتمرَّدُ عليها لوضعِ حدٍّ للتدخُّلاتِ السَّافرةِ التي ظلَّ يُواصِلُ النِّظام إِنتهاجِها بحججٍ وذرائعَ شتَّى.
فكانت إِنتفاضةُ صفرٍ المُظفَّر الظَّافرة عام ١٩٧٧ والتي دفعَ فيها العراقيُّونَ دماءً ودموعاً ومُعتقلات ومُطاردات، ولولاها لما شهِدنا اليَوم الذي نرى فيهِ الملايينَ تُحيي الأَربعين بكاملِ حريَّتِها في ظلِّ أَجواءٍ آمنةٍ!.
٢٠٢٦/٨/٦