جديد

المنبر بين قدسية الرسالة ومخاطر التطفل

داخل حسن

السيد داخل السيد حسن

إن الخوض في المسائل الحساسة مدعاةٌ للاصطدام والجدل، ولا سيما في وسطٍ اجتماعي مستبدٍّ لا يؤمن بحرية الرأي وتبادل الأفكار.

وعندما نسجل نقدًا أو نشير إلى خللٍ ما، فليس الهدف التوهين – والعياذ بالله – من قدسية المنبر، ولا الانتقاص من احترام خطبائه الحقيقيين الأبرار الأمجاد، وإنما أضع بين أيديكم خلاصة تجاربي وما واكبته طوال ستين عامًا في صميم هذه المؤسسة المباركة، وفي خدمة المنبر والشعائر.

لقد كان ذلك قبل عصر الغزاة المتلبسين والمتدثرين باللفائف الملوية أو الكوفيات المنسدلة، وقبل عصر التخرج من المعامل الصناعية في نهاية سوق الحويش ونظائره من الأسواق؛ حيث يدخل الإنسان إلى المعمل أميًّا، ويخرج منه بعد سبع دقائق عالمًا عبقريًا بثلاثين ألف دينار عراقي، في عروضٍ بمختلف الأحجام والمقاسات والفنون. ولا أشك في براءة بعضهم وطيبته وصدقه، كما لا أنكر أن الحاجة المدقعة دفعت آخرين إلى سلوك هذا الطريق المختصر للمعيشة، واتخاذه وسيلةً سهلةً للتكسب.

وأنا لا أفهم المنبر إلا رسالةً مقدسة، وأمانةً عظيمة، ومسؤوليةً جسيمة، باتت اليوم معرضةً للانتهاك بزجّ كل من هب ودب، وإلصاقه بهذه الرسالة من دون تأهيلٍ أو كفاءة. وأخطر من ذلك كله الالتفاف والتلاعب بعالم وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات، وإغداق الألقاب والدعايات على نكراتٍ مغمورة، حتى أصبحت تسرح وتمرح، وتصول وتجول، وتأمر وتنهى، وتتكشر وتتصارخ أمام الجماهير وعلى شاشات الفضائيات، مثخنةً بالخرافات، ومدججةً بالسخف والهراء، مثيرةً للاشمئزاز، ومحدثةً القلق والارتباك، وناشرةً المفاهيم الخاطئة في أوساط المجتمع. وهي في الوقت نفسه تتمترس بعناوين براقة وأسماء لامعة، تضفي عليها قشورًا من الاعتبار، فتنتسب إلى المعهد الفلاني، أو البيت الفلاني، أو الحقل الفلاني، الذي غدا مصنعًا للتفقيس والتدجين.

وهذا منعطف، أما المنعطف الآخر فيتمثل في الأساليب النشاز، والألفاظ الصاخبة، والصراخ الذي يجعل المشهد أشبه بسوق الحراج، لا بمنبرٍ يحمل رسالةً دينيةً وأخلاقية.

وفضلًا عن ذلك، نشهد أرتالًا مدرعة تنتشر هنا وهناك، وتستخدم السماسرة، وتدفع الرشاوى، للحصول على موطئ قدم في هذا المكان أو ذاك.

إن هذه المشكلات لا يمكن أن تنتهي إلا بالانضباط التام، والاحتكام إلى الموازين الصحيحة. ولو ثنيت لي الوسادة، لشكلت مفرزةً للمتابعة، وقوةً تنفيذيةً لملاحقة المتطفلين، والمتسولين، والمسيئين، والمشوهين، وصيانة رسالة المنابر التي قامت بدماء الإمام الحسين وأهل بيته عليهم السلام، وعدم تحويلها إلى مرتعٍ للفاشلين، أو وكرٍ للنصابين، والمحافظة على أصالتها ونقائها من كل زيفٍ وتلاعب.

أقول قولي هذا، وأنا أعلم أن الإصلاح متعذر في ظل كثرة المنتفعين والمتاجرين الذين لا تهمهم إلا مصالحهم ومكاسبهم، فيعارضون ويطمسون الحقائق، إما لسوء ظن، أو لحسن نية، أو لعدم الاطلاع الميداني، وربما للغباء أحيانًا.

لقد أسمعتُ لو ناديتُ حيًّا، ولكن لا حياةَ لمن تنادي، ونارٌ لو نفختَ بها أضاءت، ولكن أنت تنفخ في رماد.