سعد قاسم الكعبي
منذ مطلع 2026 عادت صور المدرعات وقاذفات الصواريخ السورية على الشريط الحدودي مع العراق لتتصدر المشهد الإقليمي. فيديوهات وتعزيزات وتحركات متزامنة من الجانبين أثارت تساؤلات: هل دمشق تستعد لمواجهة بغداد؟ أم أن الحدود تحولت إلى خط دفاع أول ضد تهديدات أخرى؟
1. ما الذي حدث على الأرض؟
– تعزيزات سورية كبيرة: دفعت وزارة الدفاع السورية بتعزيزات عسكرية إلى الحدود مع العراق، تحديداً من جهة محافظة الحسكة شمال شرق سوريا. شملت التعزيزات نحو 100 آلية عسكرية تقل عشرات الجنود بأسلحة ثقيلة، وامتد الانتشار من معبر اليعربية بريف الحسكة وصولاً إلى معبر البوكمال المتاخم للأنبار.
– سبب معلن: هجمات بطائرات مسيرة: بحسب نائب وزير الدفاع السوري سيبان حمو، تعرضت قاعدة قسرك السورية لهجوم بـ4 طائرات مسيرة انطلقت من الأراضي العراقية وتم إسقاطها دون خسائر. وبعد ذلك أعلنت دمشق أن الانتشار يهدف إلى “منع أي خرق أمني محتمل”.
– رواية دمشق الرسمية: وزارة الدفاع السورية وصفت التحرك بأنه “إجراء وقائي يهدف إلى ضبط الحدود” في ظل التطورات الإقليمية وتصاعد الحرب على إيران. وأكدت أنه “إجراء دفاعي سيادي لا يستهدف أي دولة أو جهة” ويهدف لحماية الحدود ومنع الأنشطة غير القانونية.
– رواية بغداد: قائد قوات الحدود العراقية الفريق محمد السعيدي أكد أن “الوضع طبيعي على الحدود” وأن التحركات السورية تجري “بتنسيق معنا”. وأضاف: “لا يوجد أي تهديد حالي على الحدود وهناك تبادل وتنسيق معلومات”. كما عزز الحشد الشعبي انتشاره على الشريط الحدودي المحاذي لسوريا “لإحكام السيطرة ومنع أي خروقات”.
2. لماذا الآن؟ 4 دوافع رئيسية
أ. ضبط الحدود بعد تغير السلطة في سوريا
بعد الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر وتولي حكومة جديدة بقيادة أحمد الشرع، تسعى دمشق لإثبات سيادتها.وتأكيد سيطرتها على الحدود”
ب. التوتر الإقليمي والحرب على إيران
الانتشار تزامن مع تصاعد الحرب الإقليمية. دمشق تخشى أن تتحول أراضيها إلى ساحة ارتدادات، خاصة مع تقارير عن سعي حزب الله لتنفيذ هجمات من الأراضي السورية. لذلك ركزت على تفكيك البنى التحتية على الحدود السورية-اللبنانية.
ج. ملف “قسد” شمال شرق سوريا
مصدر عراقي أشار إلى أن جزءاً من التحرك السوري كان للضغط على قوات سوريا الديمقراطية “قسد” المدعومة من الولايات المتحدة. في يناير 2026 سيطرت الحكومة السورية على معبر اليعربية الحدودي مع العراق وتل حميس بعد انسحاب قسد، وتم توقيع اتفاق من 14 بنداً لدمج قسد ضمن مؤسسات الدولة ووقف إطلاق النار.
د. مكافحة التهريب والإرهاب
الوحدات المنتشرة تتبع حرس الحدود وكتائب استطلاع لمراقبة الأنشطة ومكافحة التهريب. الهدف المعلن: منع تهريب الأسلحة والمخدرات، ومنع التسلل.
3. هل العراق هو المقصود؟
الإجابة المختصرة: لا، وفق المعطيات الرسمية من الطرفين.
1. تنسيق وليس تصعيد: العراق يؤكد وجود “تنسيق معلومات” مع الجانب السوري، وبغداد ودمشق اتخذتا خطوات لتحسين العلاقات، منها إعادة فتح معبر القائم رسمياً.
2. التركيز على التهديدات العابرة للحدود: دمشق تتحدث عن منع التسلل من العراق إليها، لا العكس. حتى الاشتباك الذي أشير إليه مع الحشد الشعبي وُصف بأنه “تذكير بقرب إيران” وليس نية هجوم.
3. العراق أيضاً يعزز حدوده: بغداد دفعت بانتشار عسكري مكثف “تحسباً لأي طارئ”، لكنه يأتي ضمن “خطة أمنية شاملة” لحماية الحدود من الجماعات الخارجة عن القانون من سوريا تجاه العراق.
لكن لا يمكن تجاهل الحساسية. أي حشود عسكرية على حدود مشتركة طويلة تثير قلقاً طبيعياً، خصوصاً مع وجود فصائل مسلحة على الجانبين وتاريخ من التهريب. لذلك يبقى التنسيق الأمني هو الضامن الأساسي لعدم تحول الإجراء الدفاعي إلى سوء تفاهم.
4. ماذا بعد؟
– استمرار التنسيق: الطرفان بحاجة لتثبيت آليات اتصال مباشرة بين قيادات الحدود لتفادي الشائعات. الفيديوهات المتداولة تبين كيف يمكن تحريف مشاهد قديمة من حلب لتُعرض على أنها “تحشيد على الحدود العراقية”.
– الاستقرار الداخلي السوري أولوية: الحكومة الجديدة في دمشق تريد أولاً بسط سيطرتها وتأمين الداخل قبل التفكير بأي مغامرة خارجية.
– دور العراق كشريك لا كخصم: إعادة فتح المعابر التجارية تشير إلى رغبة اقتصادية مشتركة تتجاوز لغة المواجهة.
أخيرا
الحشود السورية على الحدود العراقية ليست موجهة ضد العراق كدولة. هي نتاج 3 عوامل متداخلة: تغير الحكم في دمشق ورغبته بفرض السيادة، تصاعد التوتر الإقليمي، ومحاولة خنق مصادر التهديد مثل التهريب . العراق شريك في تأمين الشريط الحدودي وليس هدفاً، والدليل هو التنسيق المعلن والخطوات الاقتصادية المتبادلة.
يبقى التحدي الأكبر هو منع استغلال الحدود من قبل أطراف ثالثة تريد جر البلدين إلى صدام لا يريده أي منهما.