الأسوأ و الأحسن في تأريخ العراق الحديث .
كامل سلمان
كل ما نكتبه اليوم من مقالات وتعليقات وكل ما يتم نشره من فيديوات وبرامج وتقارير قد تصبح في يوم من الأيام مرجعاً يستشهد به الباحثون وطلاب العلم كأدلة تأريخية عن الظروف التي عاشها المجتمع في مرحلة مهمة مرت على العراق . لو قلنا ما هي الأشياء الحسنة التي استفاد منها العراقيون وما هي الأشياء السيئة التي عانى منها العراقيون بعد سقوط النظام السابق لكي نصنّفها بشكل منصف وحيادي ، ففي خانة الأشياء الحسنة ، سنرى أن الحرية الفكرية والحرية الشخصية والحرية الدينية وبناء الأسواق والمولات والمطاعم والفنادق ودخول السيارات الحديثة للبلد وأرتفاع دخل الفرد لطبقة واسعة من الناس وكثرة الشهادات العليا وزيادة عدد سكان العراق وتضاعف أعداد دور العبادة وتحسن أحوال المتقاعدين نسبياً وبناء المجسرات والمباني الشاهقة والإنفتاح نحو ثقافات الشعوب هي أفضل ما قامت به الحكومات المتعاقبة بعد سقوط النظام السابق كما هو واضح للعيان فهي أشياء حسنة ، أما الأشياء السيئة فهي الفساد المنتشر في هيكلية الدولة وصعود العشائرية وعودة الإقطاعية وضعف القانون وأرتفاع نسبة الفقر وقلة فرص العمل والبطالة وتخلف الرعاية الصحية والكهرباء والخدمات وتردي مستوى المدارس والجامعات وتخلف الزراعة وانعدام الصناعة وهيمنة دول الجوار على مفاصل الحياة إضافة إلى إنتشار الجهل والشعوذة وظهور تجارة المخدرات وبروز ظاهرة الطائفية وهروب الملايين من أبناء الشعب خارج البلد وهروب الكوادر العلمية والثقافية وتركهم للبلد وأمور أخرى هي سيئة بأمتياز . هذه المقارنة البسيطة لو نقلناها إلى المرحلة التي سبقت سقوط النظام السابق فقد كانت الأشياء السيئة في ذلك الزمان ( بأستثناء فترة الحصار الذي كان بداية دمار العراق ) سنجد أسوأ شيء هو الحكم الدكتاتوري الدموي وتكرار الحروب مع دول الجوار وانعدام الحريات والانغلاق الثقافي والإعلامي والخوف المفرط عند عامة الناس من الأجهزة الأمنية القمعية وتكرار ظاهرة الإضطهاد العرقي وخاصة ضد الكورد عامة والكورد الفيلية خاصة وجعل العراق مرتعاً للمواطنين العرب على حساب المواطن العراقي . أما الأشياء الحسنة فكان التعليم ( المدارس والجامعات والدراسات العليا ) هي الأفضل على مستوى المنطقة ، الرعاية الصحية والمستشفيات كانت الأفضل على مستوى المنطقة ، هيبة العراق كبلد قوي ومتطور أمام دول الجوار وهيبة المواطن العراقي الذي ينتمي لهذا البلد ، الزراعة والري كانت في أفضل حالاتها ، الصناعة كانت متقدمة قياساً لدول المنطقة ، الأمان والأستقرار هو الأفضل ، لا وجود للفساد الأداري ولا وجود للجريمة المنظمة ولا وجود لتجارة المخدرة ولا وجود للعشائرية ولا وجود للدجل وكان القانون قوياً يحكم قبضته على الكل . أما لو عرجنا إلى مرحلة الحكم الملكي قبل ظهور النظام الجمهوري فكان البلد في طور التنمية بالرغم من أن العراق خرج تواً من عباءة السلطنة العثمانية المظلمة التي أستمرت قرون طويلة إلا أن ظهور الدولة المدنية العلمانية كانت علامة مميزة لتلك الفترة لكن التحول نحو الأحسن كان بطيئاً وكانت مخلفات الدولة العثمانية مازالت قائمة من تخلف وفقر وجهل وعشائرية وإقطاعية . هذه المراحل الثلاثة هي الأبرز في تأريخ العراق الحديث منذ تحريره من سلطنة الدولة العثمانية على يد الأمبراطورية البريطانية في بداية القرن التاسع عشر وتأسيس الدولة العراقية الحديثة لحد يومنا هذا ، أما مراحل الأنظمة قصيرة العمر مثل نظام حكم عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف فكانت مراحل راكدة لم تغير كثيراً من حالة العراق على المستوى الاجتماعي والتنموي بأستثناء بعض الإنجازات المهمة التي وضع اساسها نظام حكم عبد الكريم قاسم . دائماً هنالك سيء وحسن لكل المراحل لكن المحصلة النهائية لكل ما حصل هي غلبت الظواهر السيئة على الظواهر الحسنة وتلاشي ما هو حسن وتوجه البلد إلى وضع لا يحسد عليه . إذا ما قارنا الحالة العراقية مع بعض دول المنطقة سنجد مفارقة عجيبة وهي أن دول المنطقة لها خط بياني تصاعدي نحو الأحسن تدريجياً ولا يوجد فيها مراحل سيئة ومراحل حسنة متفاوتة والسبب هو استقرار الوضع السياسي نسبياً لهذه البلدان بأستثناء سوريا ولبنان اللتين مرتا بنفس ظروف العراق وتعرضهما لنفس الابتلاءات الأيديولوجية القومية والدينية .
الأسوأ والأحسن في تأريخ العراق الحديث