لم يكن سؤال الهوية في العراق يومًا مجرد نقاش ثقافي، بل كان ولا يزال أحد أكثر الأسئلة تأثيرًا في حاضر البلاد ومستقبلها. فعلى امتداد عقود من الحروب، والعقوبات، والاحتلال، والصراعات السياسية والطائفية والقومية، وجد الإنسان العراقي نفسه منتميًا إلى هويات متعددة، بينما تراجعت الهوية الوطنية الجامعة التي يفترض أن تكون المظلة التي تجمع الجميع.
إن بناء الدولة لا يبدأ بالإسمنت والطرق والجسور، بل يبدأ ببناء الإنسان المؤمن بأن انتماءه الأول هو للوطن، وأن اختلافاته الدينية أو القومية أو المذهبية تمثل مصدر غنى لا سببًا للصراع. وحين تغيب هذه القناعة، تتحول مؤسسات الدولة إلى ساحات للتنافس بين الهويات الفرعية بدل أن تكون مؤسسات لخدمة المواطن.
واليوم يقف العراق أمام جدلية معقدة: هل يمكن بناء دولة قوية في ظل مجتمع لم يحسم بعد مفهوم هويته الوطنية؟ أم أن الهوية الوطنية نفسها لا يمكن أن تتشكل إلا في ظل دولة عادلة تحترم القانون وتحقق المساواة بين مواطنيها؟ إنها علاقة متبادلة؛ فالدولة تبني الهوية، والهوية تحمي الدولة.
إن استعادة الهوية الوطنية لا تعني إلغاء التنوع، بل تعني الاتفاق على مساحة مشتركة يكون فيها العراق هو الانتماء الأعلى، والمواطنة هي معيار الحقوق والواجبات، لا الطائفة أو القومية أو العشيرة. فالدول لا تستقر عندما يتشابه الناس، بل عندما يتفقون على قواعد العيش المشترك.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع العراقي أن يتجاوز إرث الانقسامات ليصنع هوية وطنية جديدة، أم أن جدلية الماضي ستظل تعيق مشروع بناء الدولة الحديثة؟