من كان المستفيد الأكبر من الغزو العراقي للكويت؟

بقايا معدات الجيش العراقي في الكويت 1991

إيهاب مقبل

عندما تُذكر حرب الخليج الثانية والغزو العراقي للكويت في أغسطس آب عام 1990، يتركز الحديث غالبًا على الخسائر التي لحقت بالعراق والكويت، لكن سؤالًا آخر لا يقل أهمية يفرض نفسه: من كان المستفيد الأكبر من هذا الغزو؟

يصعب الحديث عن “منتصر” في حرب خلّفت آلاف الضحايا، وأدت إلى دمار واسع، وأعادت رسم خريطة التوازنات في المنطقة العربية. ومع ذلك، فإن دراسة النتائج الاستراتيجية للحرب تكشف أن بعض الدول خرجت بمكاسب سياسية أو أمنية أو جيوسياسية، بينما كان العراق والكويت أكبر من دفع ثمن هذا الصراع.

العراق.. الخاسر الأكبر
قبل اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، كان العراق يعيش واحدة من أفضل مراحله الاقتصادية في تاريخه الحديث، مستفيدًا من الطفرة النفطية التي شهدها خلال سبعينيات القرن العشرين، ولا سيما في عهد الرئيس أحمد حسن البكر. فقد قُدرت احتياطياته من النقد الأجنبي بما يتراوح بين 30 و35 مليار دولار، وكانت الموازنة العامة للدولة تقترب من 20 مليار دولار سنويًا، وهو رقم كبير بمقاييس ذلك الزمن. كما شهد العراق تنفيذ مشاريع واسعة في البنية التحتية والتعليم والصحة والصناعة، مستفيدًا من ارتفاع أسعار النفط وتزايد الإيرادات الحكومية.

لكن الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988) استنزفت هذه الموارد بالكامل. فبعد ثماني سنوات من القتال، خرج العراق وهو يملك واحدًا من أكبر الجيوش في المنطقة العربية، إذ بلغ قوامه نحو مليون جندي بين قوات عاملة واحتياط، لكنه في المقابل أصبح مثقلًا بديون خارجية قُدرت بما يتراوح بين 80 و100 مليار دولار، كان جزء كبير منها مستحقًا للكويت والسعودية ودول خليجية أخرى.

وجاء قرار غزو الكويت في أغسطس/آب 1990 ليغيّر هذا الواقع بالكامل. فقد واجه العراق تحالفًا دوليًا غير مسبوق ضم أكثر من ثلاثين دولة، وتعرض جيشه لخسائر جسيمة خلال حرب تحرير الكويت، ثم فرض مجلس الأمن عقوبات اقتصادية شاملة استمرت نحو 13 عامًا (1990–2003)، وأُنشئت مناطق حظر الطيران، ودخلت البلاد في عزلة سياسية واقتصادية طويلة، رافقها إنهاك اجتماعي وثقافي عميق. فقد تدهور مستوى المعيشة، وارتفعت معدلات الفقر، وتراجعت الخدمات العامة، وشهد العراق هجرة واسعة للكفاءات العلمية والمهنية، فضلًا عن الآثار العميقة التي خلّفتها سنوات الحصار في التعليم والصحة والثقافة والبنية الاجتماعية، وهي آثار يرى كثير من الباحثين أن جانبًا منها ما زال ينعكس على العراق حتى اليوم.

ويرى كثير من الباحثين أن هذه التطورات أضعفت الدولة العراقية تدريجيًا، ومهدت الطريق للأحداث التي انتهت بغزو العراق عام 2003 وسقوط نظام صدام حسين. وهكذا، انتقل العراق خلال أقل من ربع قرن من دولة تمتلك احتياطيات مالية كبيرة وتنفذ مشاريع تنموية واسعة إلى دولة أنهكتها الحروب والعقوبات والعزلة الدولية.

الكويت.. استعادت سيادتها ولكن بثمن باهظ
استعادت الكويت استقلالها وسيادتها بعد تحريرها في فبراير شباط 1991، إلا أن ذلك لم يكن بلا تكلفة.

فقد تعرضت البلاد لاحتلال استمر نحو سبعة أشهر، وأسفر عن خسائر بشرية ومادية كبيرة، كما أقدم الجيش العراقي المنسحب على إحراق ما يقارب 600 إلى 700 بئر نفطية، في واحدة من أكبر الكوارث البيئية في القرن العشرين. واستغرقت عمليات إخماد الحرائق نحو ثمانية أشهر، بمشاركة فرق متخصصة من دول عديدة، كما لحقت أضرار واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد والبيئة. وقد قُدّرت الخسائر والأضرار المباشرة التي تكبدتها الكويت جراء الغزو والاحتلال بأكثر من 50 مليار دولار، فضلًا عن التعويضات التي أقرتها الأمم المتحدة لاحقًا عن الأضرار الناجمة عن الغزو.

ورغم نجاح الكويت في إعادة الإعمار واستعادة مكانتها الاقتصادية خلال سنوات قليلة، فإن آثار الغزو بقيت حاضرة في الذاكرة الوطنية، وانعكست على سياساتها الأمنية والدفاعية، وعلى نظرتها إلى أمن الخليج والعلاقات الإقليمية.

طهران.. المستفيد الإقليمي الأكبر
عند انتهاء الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، كان العراق يمثل القوة العسكرية العربية الأكبر على حدود إيران، وكان يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز المنافسين الإقليميين لطهران. وعلى الرغم من أن الحرب أنهكت البلدين، فإن العراق خرج منها بجيش كبير ونفوذ إقليمي واسع.

لكن غزو الكويت عام 1990 أدخل العراق في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، وأدى إلى تدمير جزء كبير من قدراته العسكرية خلال حرب تحرير الكويت، ثم جاءت العقوبات الاقتصادية الطويلة لتضعف اقتصاده وقدرته على التأثير الإقليمي. ومع مرور الوقت، بدأت إيران تستفيد من تراجع الدور العراقي في المنطقة، وبدأ نفوذها الإقليمي يتوسع تدريجيًا خلال عقد التسعينيات، ثم تصاعد بشكل أكبر بعد عام 2003.

ويرى كثير من المحللين أن هذه التطورات خدمت إيران استراتيجيًا، إذ أُضعف أبرز خصومها الإقليميين، ثم أدى سقوط النظام العراقي عام 2003 إلى فتح مرحلة جديدة توسع فيها النفوذ الإيراني داخل العراق سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، وهو ما ساهم في تغيير ميزان القوى في المنطقة العربية، وما تزال آثاره واضحة حتى اليوم.

واشنطن.. ترسيخ وجودها العسكري في الخليج
كانت أمريكا الشمالية تقيم علاقات دفاعية مع عدد من دول الخليج قبل عام 1990، لكن أزمة الكويت أدت إلى تحول نوعي في حجم وجودها العسكري.

فقد قادت واشنطن تحالفًا دوليًا ضم أكثر من 30 دولة، وشارك في عملية تحرير الكويت ما يقارب 950 ألف جندي، كان أكثر من نصفهم من القوات الأمريكية، وهو أحد أكبر التحالفات العسكرية منذ الحرب العالمية الثانية.

وبعد الحرب، عززت واشنطن وجودها العسكري في الخليج عبر قواعد واتفاقيات دفاعية طويلة الأمد مع عدد من دول المنطقة، وأصبح هذا الوجود عنصرًا رئيسيًا في معادلات الأمن الخليجي لعقود لاحقة، كما منح واشنطن نفوذًا سياسيًا وعسكريًا أكبر في المنطقة.

تل أبيب.. خروج أحد أكبر الجيوش العربية من المعادلة
خلال حرب الخليج، أطلق العراق نحو 43 صاروخ أرض أرض على ما يسمى “إسرائيل”، وهو أمر أثار تعاطفًا واسعًا في الشارع العربي والإسلامي، لأن الدولة اليهودية كانت ولا تزال تُعد دولة احتلال في نظر معظم العرب والمسلمين.

لكن من الناحية الاستراتيجية، يرى عدد من الباحثين أن النتيجة النهائية للحرب صبت في مصلحة الدولة الصهيونية من عدة جوانب.

فقد خرج الجيش العراقي، الذي كان يُعد أحد أكبر الجيوش العربية، من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي لسنوات طويلة، كما انشغل العالم العربي بأزمة الخليج وتداعياتها، وتراجعت القضية الفلسطينية مؤقتًا عن صدارة الاهتمام السياسي العربي.

كما أن إطلاق العراق صواريخ أرض أرض على ما يسمى “إسرائيل”، رغم ما حظي به من تأييد شعبي عربي، لم يحقق هدفه السياسي المتمثل في دفع تل أبيب إلى الرد العسكري، بما يؤدي إلى تفكيك التحالف الدولي الذي ضم دولًا عربية مثل مصر وسوريا والسعودية. فقد مارست واشنطن ضغوطًا مكثفة على تل أبيب لعدم الرد، حفاظًا على تماسك التحالف، وهو ما أفشل هذه المحاولة.

دول الخليج.. تغيير مفهوم الأمن
أدركت دول الخليج بعد الغزو أن التهديد قد يأتي من داخل الإقليم، وليس فقط من خارجه.

ولذلك أعادت بناء عقيدتها الأمنية، وعززت تعاونها العسكري فيما بينها، كما توسعت في إبرام اتفاقيات دفاعية مع أمريكا الشمالية ودول غربية أخرى، وارتفعت مستويات الإنفاق العسكري بصورة ملحوظة خلال العقود التالية.

وأصبحت حماية أمن الخليج تقوم بدرجة أكبر على الشراكات الدفاعية الدولية، وهو تحول استراتيجي ما زالت آثاره مستمرة حتى اليوم.

المستفيد الأكبر من الغزو العراقي للكويت
عند البحث عن المستفيد الاستراتيجي من قرار غزو الكويت، يرى كثير من الباحثين أن طهران وواشنطن خرجتا بمكاسب جيوسياسية كبيرة، كلٌ بطريقته؛ فقد استفادت طهران من إضعاف أحد أبرز خصومها الإقليميين، ثم توسع نفوذها لاحقًا داخل العراق والمنطقة، بينما عززت واشنطن وجودها العسكري والسياسي في الخليج، وأصبحت طرفًا رئيسيًا في منظومة الأمن الإقليمي لعقود لاحقة.

أما تل أبيب، فرغم تعرضها لهجمات صاروخية عراقية خلال الحرب، فقد استفادت على المدى البعيد من خروج الجيش العراقي، الذي كان يُعد أحد أكبر الجيوش العربية، من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، ومن انشغال العالم العربي بأزمة الخليج وتداعياتها.

وفي المقابل، كان العراق الخاسر الأكبر من حيث النتائج الاستراتيجية؛ إذ انتقل خلال سنوات قليلة من دولة تمتلك احتياطيات مالية كبيرة، وموازنة قوية، وأحد أكبر الجيوش في المنطقة، إلى دولة مثقلة بالديون، ثم خاضعة لعقوبات اقتصادية استمرت ثلاثة عشر عامًا، قبل أن ينتهي الأمر بسقوط نظامها السياسي عام 2003، ودخول البلاد في حربين أهليتين خلال العقد التالي؛ الأولى بين عامي 2006–2009، والثانية خلال الفترة 2013–2017. وقد رافق ذلك انقسام مجتمعي حاد، وتراجع أمني، وخسائر بشرية ومادية كبيرة، فضلًا عن تفكك واضح في النسيج الاجتماعي للعائلة العراقية والمجتمع العراقي عمومًا، وهي آثار تركت بصماتها العميقة على الدولة والمجتمع وما زال بعضها حاضرًا حتى اليوم.

أما الكويت، فقد استعادت سيادتها واستقلالها، لكنها دفعت ثمنًا باهظًا من أمنها واقتصادها وبيئتها، واضطرت إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب، كما أعادت صياغة سياستها الأمنية على ضوء تجربة الغزو.

لقد أثبتت أحداث عام 1990 أن قرارًا سياسيًا واحدًا يمكن أن يعيد تشكيل موازين القوى في منطقة كاملة لعقود، وأن نتائج الحروب لا تُقاس فقط بمن ينتصر في ساحة المعركة، بل أيضًا بمن يحقق المكاسب الاستراتيجية بعد انتهاء القتال.

وربما كان الدرس الأهم أن الخاسرين المباشرين كانوا الشعبين العراقي والكويتي، بينما استفادت قوى إقليمية ودولية من التحولات السياسية والاستراتيجية التي أعقبت الغزو، وهي تحولات لم تكن لتظهر بهذا الحجم لولا ذلك القرار.

شهادة الفريق أول نزار الخزرجي حول غزو الكويت
يتناول نزار الخزرجي، رئيس أركان الجيش العراقي السابق، في هذه الشهادة، كواليس اتخاذ قرار غزو الكويت عام 1990، وطبيعة العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية العراقية، إضافة إلى رؤيته لتداعيات القرار على العراق.

مشاهد من الدمار في غزة خلال الحرب الأخيرة
يعرض الفيديو حجم الخسائر والدمار الذي تعرضت له مناطق واسعة في قطاع غزة خلال الحرب الأخيرة، ضمن سياق التحولات الإقليمية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، ومنها تغير موازين القوى بعد خروج الجيش العراقي من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي.

انتهى