كاظم السماوي.. شاعر عراقي و«شيخ المنفيين» لم يتحقق حلم عودته إلى الوطن إلا بعد وفاته

مقبرة سيوان في السليمانية حيث وُوري جثمان الشاعر العراقي كاظم السماوي الثرى عام 2010.

إيهاب مقبل

لم تكن حياة الشاعر والصحفي العراقي كاظم السماوي، واسمه كاظم جاسر فرج، رحلة أدبية عادية؛ فقد تحولت حياته منذ شبابه إلى مسار طويل من المنفى والتنقل بين البلدان، حتى أصبح واحدًا من أكثر الشعراء العراقيين ارتباطًا بتجربة الاغتراب السياسي والإنساني.

وُلد السماوي في مدينة السماوة، ومنها جاء لقبه الأدبي «السماوي». وتختلف المصادر في تحديد سنة ميلاده؛ إذ ذكر هو نفسه أنه ولد عام 1925، بينما تورد مصادر أخرى سنة 1919. ومهما يكن تاريخ ميلاده الدقيق، فإن طفولته وشبابه انتميا إلى مرحلة عراقية شديدة التحول، كانت فيها البلاد تعيش اضطرابات سياسية واجتماعية عميقة.

غادر السماوي السماوة في وقت مبكر متجهًا إلى بغداد لاستكمال تعليمه، وتخرج من دار المعلمين الريفية عام 1940. وهناك بدأ يقترب أكثر من عالم الصحافة والأدب والفكر السياسي، قبل أن يتحول الشعر والصحافة بالنسبة إليه إلى أكثر من مجرد مهنة؛ فقد أصبحا وسيلته للتعبير عن رؤيته للعدالة والحرية والإنسان.

بدأ تجربته الشعرية في أواخر أربعينيات القرن العشرين، وظهر لاحقًا بوصفه شاعرًا واقعيًا ذا توجه يساري، وصحفيًا ملتزمًا بقضايا المجتمع والإنسان. وفي عام 1950 نشر مجموعته الشعرية الأولى «أغاني القافلة»، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته الأدبية، لكنها كانت في الوقت نفسه بداية الطريق الذي قاده إلى المنفى.

قصيدة تقوده إلى المنفى
في خمسينيات القرن العشرين، لم يكن الانتماء السياسي والفكري مسألة منفصلة عن مصير الكاتب العراقي. وقد دفع نشاط السماوي الأدبي والصحفي والسياسي ثمنًا باهظًا.

كان في لبنان عندما اتخذت حكومة نوري السعيد في العهد الملكي عام 1954 قرارًا بسحب الجنسية العراقية منه، فأصبح بلا جنسية عراقية، واضطر إلى مغادرة لبنان متوجهًا إلى المجر بمساعدة حكومتها.

وهكذا لم يبدأ منفى السماوي بقرار شخصي بحثًا عن حياة أفضل، وإنما بدأ بفقدان إحدى أكثر العلامات ارتباطًا بالإنسان بوطنه: الجنسية. ومنذ تلك اللحظة دخل الشاعر في رحلة طويلة لم يكن يعرف أين ستنتهي.

كانت المجر إحدى أهم محطات حياته الأولى في المنفى. أقام في بودابست لعدة سنوات، وتعلم اللغة المجرية، وانضم إلى اتحاد الكتاب المجريين، واستمرت تجربته الشعرية هناك. ولم يكتفِ السماوي بمواصلة الكتابة بالعربية، بل انتقلت تجربته إلى القارئ المجري أيضًا؛ فقد تُرجمت بعض قصائده إلى اللغة المجرية، وصدرت له، وهو في سن الحادية والثلاثين، مجموعة شعرية بعنوان «المتجول الليلي» (Éji vándor) عن دار النشر المجرية الجديدة للكتب (Új Magyar Könyvkiadó)، عام 1956. وتكشف هذه المجموعة عن جانب مهم من تجربته في المنفى: فالشاعر الذي حُرم من جنسيته ووطنه لم يتوقف عن بناء حضوره الأدبي، بل بدأ يترك أثرًا في ثقافة البلد الذي لجأ إليه.

ورغم أن المنفى حرمه من العراق، فإنه منحه، كما قال السماوي نفسه، رؤية جديدة للعالم، وفتح أمامه أبوابًا إلى ثقافات وتجارب وعلاقات لم يكن من الممكن أن يعرفها لو بقي في وطنه. لقد رأى في المنفى أشياء قال إنه لم يرها في بلده، ولم يجدها حتى في الكتب. غير أن هذه المعرفة الجديدة لم تكن مجانية؛ فقد كان ثمنها قسوة الغربة وطول الفراق ووحشة الابتعاد عن الوطن. وكلما اتسعت أمامه خريطة العالم، بدا العراق أبعد جغرافيًا، لكنه ظل أكثر حضورًا في ذاكرته وشعره ووجدانه.

العودة إلى العراق.. ثم منفى جديد
بعد ثورة 14 يوليو تموز 1958 عاد السماوي إلى العراق، واستعيدت له جنسيته العراقية. وبدا وكأن سنوات المنفى قد انتهت، وأن الشاعر الذي حُرم من وطنه عاد إليه أخيرًا مُبتسمًا.

وفي عام 1959 عُيّن مديرًا عامًا لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الجمهورية العراقية الأولى. كما أسس في العام نفسه صحيفة «الإنسانية»، وهي صحيفة ذات توجه يساري، اهتمت بالقضايا السياسية والاجتماعية.

لكن العلاقة بين السماوي والسلطة لم تكن مستقرة. فقد انتقد بعض الممارسات التي رأى أنها لا تنسجم مع أهداف الثورة، واستقال من منصبه بعد ثلاث سنوات، ثم تعرض للسجن لعدة أشهر.

ومع ذلك ظل متمسكًا، في تلك المرحلة، بمبادئ الثورة وبعبد الكريم قاسم، حتى إن قاسم عرض عليه أن يصبح سفيرًا للعراق في المجر، لكنه رفض، مفضلًا البقاء في العراق والعمل في الصحافة المستقلة.

وكان موقفه من القضية الكردية كاشفًا أيضًا عن طبيعة رؤيته السياسية والإنسانية؛ فعندما ألقى عبد الكريم قاسم خطابًا تناول فيه الأكراد بوصفهم عربًا، نشرت «الإنسانية» افتتاحية ردًا على ذلك بعنوان «القومية الكردية ليست رصاصة قابلة للذوبان».

لكن العودة إلى العراق لم تكن نهاية المنفى. كانت مجرد استراحة قصيرة بين منفيين.

انقلاب 1963 يعيد الشاعر إلى الطريق
بعد انقلاب 8 فبراير شباط 1963 ووصول عبد السلام عارف إلى السلطة، تعرض السماوي للاعتقال من جديد.

وبعد خروجه من السجن، غادر العراق عام 1964 متوجهًا إلى ألمانيا الشرقية، حيث عاش سنوات أخرى بعيدًا عن وطنه. ولم يعد إلى العراق إلا عام 1973، وكان يومها في سن الثامنة والأربعين.

لكن عودته لم تستمر طويلًا؛ إذ بدأت السلطات الحاكمة حملة تضييق على القوى اليسارية والديمقراطية، فعاد السماوي إلى طريق المنفى مرة أخرى.

هذه المرة أصبح المنفى أكثر اتساعًا، ولم يعد بلدًا واحدًا ينتقل إليه الشاعر، بل سلسلة طويلة من البلدان والمدن.

سبعة بلدان.. وحياة بلا عنوان ثابت
يمكن النظر إلى حياة كاظم السماوي بوصفها خريطة طويلة للمنفى العراقي. فبعد مغادرته العراق مرة أخرى، توجه إلى الصين عام 1977، وبقي فيها حتى عام 1980، قبل أن يعود إلى بيروت، حيث عاش عامين.

وفي عام 1982 انتقل إلى سوريا، وبقي هناك حتى عام 1984. ثم غادر سوريا إلى قبرص، حيث عاش من 1984 حتى 1993.

بعد ذلك عاد إلى سوريا، وأقام فيها من 1993 حتى 1996. ثم جاءت المحطة الأخيرة.

في صيف عام 1996 وصل كاظم السماوي إلى السويد لاجئًا، بعد أن أمضى عقودًا في التنقل بين المنافي.

كان قد عاش في المجر وألمانيا الشرقية والصين ولبنان وسوريا وقبرص، ثم وجد نفسه في نهاية الرحلة في السويد.

لم تعد المسألة مجرد شاعر يعيش خارج العراق. لقد أصبح المنفى نفسه جزءًا من هويته.

ولهذا ارتبط اسمه بلقب «شيخ المنفيين» أو «شيخ المنفيين العراقيين»، وهو لقب يلخص، بطريقة مؤلمة، طول هذه الرحلة وتعدد محطاتها.

المنفى لم يأخذ منه الوطن وحده.. بل أخذ عائلته أيضًا
ربما كان الجانب الأكثر مأساوية في حياة السماوي أن المنفى لم يكن بالنسبة إليه مجرد فقدان المكان. لقد شهد وفاة معظم أفراد أسرته، من والديه إلى زوجته وأبنائه وابنته.

كان ابنه ناصر قد اغتيل في بكين في 20 نوفمبر تشرين الثاني 1991، حيث كان يدرس، ثم توفيت زوجته بعده بوقت قصير.

أما ابنه الآخر رياض، فقد اختُطف في بغداد بعد عودته من ألمانيا. وكان قد خدم جنديًا خلال الحرب العراقية الإيرانية، ثم توفي بعد سنوات إثر إصابته بالسرطان. وفي منتصف عام 2008 توفيت ابنته تحرير في لندن.

وهكذا أصبحت خريطة عائلة السماوي هي الأخرى موزعة بين البلدان، كما كانت حياته موزعة بينها.

لم يعد الشاعر يحمل فقط ذاكرة وطن غادره، بل حمل أيضًا ذاكرة أفراد من عائلته الذين رحلوا في مدن مختلفة، بعيدًا عن المكان الذي بدأ منه.

وهنا تصبح عبارة «شيخ المنفيين» أكثر قسوة؛ لأن المنفى لم يعد مجرد مسافة جغرافية بين الشاعر والعراق، وإنما صار سلسلة من الفقدان المتراكم.

شاعر جعل السلام قضية شخصية
لم يكن السماوي شاعرًا منشغلًا بالسياسة العراقية وحدها. فقد شارك منذ خمسينيات القرن العشرين في حركة السلام العالمية، وأسهم في تأسيس حركة السلام في العراق عام 1952، ومثلها في مؤتمرات دولية.

وفي العام نفسه شارك في مؤتمر السلام الآسيوي ومنطقة المحيط الهادئ في بكين ممثلًا للعالم العربي.

وكان هذا الجانب من شخصيته متصلًا بنظرته الإنسانية الأوسع؛ فالشاعر الذي عانى من القمع والمنفى كان يرى قضايا الحرب والسلام والعدالة باعتبارها قضايا تتجاوز الحدود الوطنية.

ولهذا بقي شعره متصلًا بالإنسان عمومًا، ولم يكن مجرد شعر سياسي مباشر.

الشعر الذي رافقه من بلد إلى آخر
ترك السماوي عددًا من المجموعات الشعرية التي رافقته في رحلة المنافي. ومن أعماله «أغاني القافلة» عام 1950، و«ملحمة الحرب والسلم» عام 1953، و«الفجر الأحمر فوق هنغاريا» عام 1954، و«إلى الأمام أبدًا» عام 1954، ثم «رياح هانوي» عام 1973، و«إلى اللقاء في منفي آخر» عام 1980، و«قصائد للرصاص، قصائد للمطر» عام 1984، و«حوار حول ماوتسي تونغ» عام 1990، و«فصول الريح ورحيل الغريب» عام 1993.

وفي عام 1994 صدرت في بيروت مجموعة شعرية جمعت شعره بين عامي 1950 و1993.

وتبدو عناوين بعض أعماله، وحدها، كأنها تلخص سيرته: الحرب، السلام، الريح، الرحيل، والمنفى. فلم يكن المنفى موضوعًا عابرًا في شعره؛ لقد كان تجربة عاشها بجسده، ثم أعاد صياغتها بالكلمات.

السويد.. المحطة الأخيرة بعد نصف قرن من الرحيل
عندما وصل السماوي إلى السويد صيف عام 1996 كان في سن متقدمة، وقد بلغ وفق روايته نحو 71 عامًا.

وهكذا لم يصل إلى السويد شابًا يبدأ حياة جديدة، وإنما وصل إليها رجل يحمل وراءه عقودًا من الصراع السياسي، ومنافي متعددة، وتجارب ثقافية متراكمة، وذاكرة عائلية مثقلة بالموت والفقد.

استقر في ستوكهولم، وفي السنوات الأخيرة عاش في شقة صغيرة من غرفة واحدة ضمن سكن لرعاية المسنين في منطقة شارهولمن.

وتكشف الروايات المنشورة عن سنواته الأخيرة صورة مختلفة عن الشاعر الذي عرفته الصحافة والحياة السياسية في العراق.

لم تكن المشكلة، بحسب ما نُقل عنه، في الرعاية أو في الخدمات التي كان يحصل عليها، وإنما في الوحدة.

كان يشعر بالعزلة عن أصدقائه وعن الوسط الأدبي الذي عاش جزءًا كبيرًا من حياته في داخله.

وهنا يبدو المنفى في السويد أكثر هدوءًا من المنافي السابقة، لكنه ربما كان أكثر قسوة من الناحية النفسية.

ففي البلدان التي عاش فيها سابقًا كان لا يزال قادرًا على الحركة والعمل والكتابة والمشاركة الثقافية. أما في سنواته الأخيرة فقد تقلص عالمه إلى غرفة، ومدينة، وذاكرة واسعة تمتد إلى عشرات السنين والبلدان.

ومع ذلك، لم يكن السماوي مقطوعًا تمامًا عن الوسط الأدبي العراقي في سنواته الأخيرة. فقد ظلت الشاعرة العراقية الآشورية فيفيان صليوا على صلة وثيقة به، ووصفته بأنه كان «صديقها وصديق والدها». وكانت تلتقيه كثيرًا في ستوكهولم، ويتحدث معها عن الشعر وحياته وتجربته الطويلة في المنفى، كما كان يستعيد أمامها ذكر ابنه ناصر الذي اغتيل في بكين، وهو جرح ظل حاضرًا في ذاكرته حتى سنواته الأخيرة. وتكشف شهادتها عن جانب إنساني مؤثر من حياة السماوي؛ فبعد عقود من الترحال والفقد، وجد في هذه الصداقة الأدبية نوعًا من الصحبة التي خففت شيئًا من وطأة الوحدة والعزلة التي عاشها في آخر منافيه.

شتاء السويد ووحدة الشاعر
كان المناخ السويدي جزءًا آخر من تجربة السماوي في سنواته الأخيرة.

فهو، كما نُقل عنه، تحدث عن معاناته من شتاء السويد وحرمانه من الأجواء الجميلة التي اعتاد عليها، إلى جانب ما شعر به من عزلة ثقافية وأدبية وصعوبة في الكتابة بسبب مرضه وتقدم العمر. ولم تكن هذه الشكوى مجرد مسألة طقس.

بالنسبة إلى شاعر عاش في مدن مثل بغداد وبيروت ودمشق وبكين، ثم أمضى سنوات في مناطق مختلفة من العالم، كان الانتقال إلى المناخ الاسكندنافي القاسي في أواخر العمر تجربة ثقيلة جدًا.

كانت السويد توفر له الأمان والرعاية، لكنها لم تستطع أن تمنحه شيئًا آخر كان يحتاج إليه بشدة: دفء الذاكرة، ورفقة الأصدقاء، والوسط الثقافي الذي يشعر فيه بأنه ما زال جزءًا من حياة أدبية نابضة.

لقد وصل إلى نهاية حياته بعد أن خسر معظم أفراد أسرته، وبعد أن تفرقت صداقاته بين القارات، وبعد أن أصبح العراق الذي حمله في قصائده بعيدًا آلاف الكيلومترات.

ستوكهولم.. آخر منفى
في 15 مارس 2010 انتهت رحلة كاظم السماوي في شيرهولمن جنوب غرب ستوكهولم.

كان قد عاش 85 عامًا بحسب تاريخ الميلاد الذي اعتمده المصدر، أمضى منها نحو 45 عامًا في المنافي وخارج العراق، أي أكثر من نصف حياته بعيدًا عن وطنه.

مات في البلد الذي كان آخر محطة في رحلة بدأت من السماوة، مرورًا ببغداد وبيروت وبودابست وبرلين وبكين ودمشق وقبرص، قبل أن تنتهي في ستوكهولم.

لكن قصته لم تنتهِ في السويد. فبعد وفاته، صدر قرار من الرئيس العراقي آنذاك جلال طالباني بنقل جثمانه سريعًا إلى العراق بطائرة خاصة، ليدفن في السليمانية.

وقد تكون السرعة التي نُقل بها الجثمان مرتبطة، إلى جانب الرغبة السياسية والوطنية في إعادة أحد أبرز شعراء المنفى العراقي إلى وطنه، بضرورة الإسراع في استكمال الإجراءات المتعلقة بالجثمان في السويد. فالقواعد السويدية تنظم بصورة دقيقة مسألة حفظ الجثامين ودفنها أو حرقها، ولا يمكن إبقاء الجثمان إلى أجل غير محدد من دون ترتيبات أو تصاريح مناسبة.

وهكذا حدثت المفارقة التي تختصر حياته كلها: الرجل الذي حُرم من وطنه في حياته عاد إليه بعد موته.

الجثمان الذي عبر الحدود التي عجز الشاعر عن عبورها
في 25 مارس أذار 2010 أقيمت جنازة السماوي في مدينة السليمانية، ونُقل جثمانه من ستوكهولم إلى العراق، ثم دُفن في مقبرة سيوان في السليمانية، تنفيذًا لرغبته في أن يكون مثواه الأخير هناك.

كان المشهد أشبه بفصل أخير من رواية طويلة عن المنفى.

عندما كان حيًا، اضطر السماوي إلى عبور الحدود مرارًا بحثًا عن مكان يستطيع فيه أن يعيش ويكتب ويحافظ على أفكاره.

وعندما مات، احتاج جسده إلى رحلة أخرى، لكن هذه المرة في الاتجاه المعاكس: من المنفى إلى الوطن.

وبذلك لم تتحقق عودته إلى العراق وهو حي، وإنما تحققت بعد وفاته.

لم يعد الشاعر بنفسه إلى السماوة، ولم يعش لحظة الوصول، ولم يرَ العراق من جديد. عاد جسده وحده، من دون الروح التي حملت الوطن في قصائدها طوال عقود المنفى. عاد إلى الأرض التي حُرم منها حيًّا، لكن عودته جاءت متأخرة؛ لم تكن عودة الشاعر إلى وطنه، بل عودة جسده إلى وطن لم يكفّ عن الحنين إليه.

لكن بالنسبة إلى رجل أمضى عقودًا وهو يكتب عن الوطن والمنفى، كانت تلك العودة الرمزية تحمل معنى أكبر من مجرد نقل جثمان.

لقد انتهت رحلة «شيخ المنفيين» حيث أراد أن تنتهي: في العراق.

من السماوة إلى السليمانية.. رحلة عمر كامل
تبدو المسافة بين السماوة والسليمانية قصيرة إذا قورنت بالمسافات التي قطعها السماوي في حياته، لكنها في الحقيقة تختصر رحلة إنسانية هائلة.

خرج من العراق شابًا، وعاش سنوات في المجر، ثم عاد إلى وطنه، ثم خرج منه مرة أخرى إلى ألمانيا الشرقية والصين ولبنان وسوريا وقبرص، ثم انتهى به المطاف لاجئًا في السويد.

خلال تلك الرحلة تغيرت الأنظمة، وسقطت حكومات، واندلعت حروب، وتبدلت خرائط سياسية، ومات أفراد أسرته واحدًا بعد الآخر.

أما هو فبقي يحمل القصيدة. وفي النهاية، حين أصبح جسده عاجزًا عن السفر، جاءت الرحلة الأخيرة.

لم يكن عليه هذه المرة أن يبحث عن بلد يمنحه اللجوء. كان الوطن نفسه هو الذي استعاد جثمانه.

شاعر لم يستطع المنفى أن ينتزع منه العراق
ربما تكمن المفارقة الكبرى في حياة كاظم السماوي في أن السنوات الطويلة التي قضاها خارج العراق لم تجعل العراق أقل حضورًا في حياته، بل ربما جعلته أكثر حضورًا.

فالمنفى، في تجربته، لم يكن نسيانًا للوطن، وإنما استمرارًا للارتباط به من مسافة بعيدة.

لقد عاش بين ثقافات ولغات وأنظمة سياسية مختلفة، لكنه ظل شاعرًا عراقيًا.

حتى عندما أصبح لاجئًا في السويد، وبعد أن ضاق عالمه بسبب العمر والمرض والوحدة، ظل يحمل ذاكرة المدن والأصدقاء والعائلة والوطن الذي بدأ منه كل شيء.

ولهذا فإن لقب «شيخ المنفيين» لا يصف فقط عدد البلدان التي عاش فيها، بل يصف جيلًا كاملًا من المثقفين العراقيين الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى تحويل المنفى من ظرف مؤقت إلى أسلوب حياة.

العودة التي تأخرت حتى الموت
عند النظر إلى نهاية حياة السماوي من هذه الزاوية، تصبح عملية نقل جثمانه من ستوكهولم إلى السليمانية أكثر من خبر عن جنازة شاعر.

إنها النهاية الرمزية لرجل لم يسمح له التاريخ بأن يعيش مستقرًا في وطنه.

عاش منفياً، ومات منفياً، لكنه لم يُدفن منفياً. وبين لحظة مغادرته العراق واللحظة التي عاد فيها جثمانه إليه، امتدت عقود من الشعر والسياسة والحروب والهجرة والموت والفقدان.

لقد احتاج السماوي إلى المرور بسبعة بلدان تقريبًا حتى يصل إلى محطته الأخيرة، لكنه لم يحتج بعد موته إلا إلى رحلة واحدة كي يعود.

وهكذا تبدو قصته واحدة من أكثر صور المنفى العراقي مأساوية: شاعر خرج من وطنه في حياته، وظل يبحث عنه في القصيدة والذاكرة، حتى عاد إليه أخيرًا بعد أن لم يعد قادرًا على رؤيته.

لقد عاد كاظم السماوي إلى العراق، لكن بعد فوات الأوان؛ عاد بعد أن أُغلقت صفحة حياته، وبعد أن أصبح الوطن الذي طالما حمله في شعره هو المكان الذي يحتضن جسده.

ومن هنا يكتسب عنوان «شيخ المنفيين» معناه الكامل: لم يكن السماوي مجرد شاعر عاش في الخارج، بل كان رجلًا أمضى عقودًا يعبر من منفى إلى آخر، حتى أصبح الموت نفسه الطريق الأخير الذي أعاده إلى الوطن.

انتهى