رياض سعد
مقدمة : من الخوف إلى الصراخ… كيف يُصنع الإنسان العراقي المشدود؟
الإنسان المتوتر ليس بالضرورة إنساناً مريضاً، ولا يعني توتره أنه سيئ الأخلاق أو عاجز عن ضبط نفسه؛ فقد يكون إنساناً سليماً من الناحية النفسية، لكنه يعيش في بيئة أثقلت أعصابه بالضغوط، وأبقته زمناً طويلاً في حالة من الاستنفار والحذر… , إنه الإنسان الذي لا يعيش الموقف دائماً كما هو، بل قد يعيشه كما لو كان أمام تهديد ينبغي أن يدافع عن نفسه منه؛ فيرى في الكلمة استفزازاً، وفي الاختلاف إهانة، وفي الخطأ اعتداءً، وفي الصمت أحياناً ضعفاً.
والتوتر في هذه الحالة لا يبقى شعوراً داخلياً عابراً، بل يتحول تدريجياً إلى طريقة في النظر إلى العالم وإلى أسلوب في التعامل مع الآخرين… ؛ فيرتفع الصوت قبل أن يبدأ الحوار، ويأتي الغضب قبل الفهم، ويصبح الصراخ وسيلة للحصول على الحق، وتتحول المواقف اليومية الصغيرة إلى معارك لا تستحق كل هذا القدر من الانفعال… , وقد يحمل الإنسان ما جمعه نهاره من ضغوط إلى بيته، فيفرغ شحنته على أقرب الناس إليه، ثم ينتقل هذا التوتر من فرد إلى آخر، ومن أسرة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل.
وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد: لماذا هذا الإنسان عصبي؟
فالعصبية قد تكون في أحيان كثيرة نتيجة لا سبباً، ومظهراً لضغوط أعمق من أن تختصر في سوء التربية أو ضعف الأخلاق… , فما الذي يجعل الإنسان يعيش في حالة استعداد دائم للمواجهة؟
وما الذي يجعل الهدوء يبدو أحياناً كأنه ضعف، والاعتذار كأنه هزيمة، ورفع الصوت كأنه وسيلة لإثبات الكرامة والرجولة والقوة ؟
وفي الحالة العراقية تحديداً، لا يمكن فهم هذه الظاهرة بعيداً عن تاريخ طويل من الحروب والخوف والعنف والاضطراب الاقتصادي والاجتماعي، ولا عن بيئة يومية تستنزف الأعصاب بالازدحام والضجيج والحرارة والقلق على المستقبل وضعف الثقة بالمؤسسات… ؛ فقد تنتهي الحرب على الورق، لكن آثارها النفسية والاجتماعية قد تبقى حاضرة في سلوك الإنسان، وفي ذاكرته، وفي طريقة استجابته للمواقف اليومية… , وقد لا يكون الرجل الذي يصرخ في الشارع غاضباً من ذلك السائق وحده، بل ربما يحمل معه غضب سنوات كاملة لا يعرف حتى كيف يعبّر عنها.
ومن هنا يأتي الفرق بين الغضب بوصفه انفعالاً عابراً، والتوتر بوصفه حالة مستمرة، والإنسان المشدود بوصفه نتاجاً اجتماعياً ونفسياً لهذه الحالة.
فالإنسان المشدود هو الذي طال به الاستنفار حتى صار التوتر جزءاً من طريقته في رؤية العالم والتعامل معه، فأصبح مستعداً للمعركة قبل أن تبدأ.
وهذا لا يعني أن العراقيين جميعاً يعيشون هذه الحالة، ولا أن العصبية صفة ملازمة لشخصيتهم، ولا أن الظروف تصلح عذراً للعنف أو الإهانة… ؛ وإنما يعني أن هناك ظاهرة اجتماعية تستحق أن تُدرس بعيداً عن التعميم والتشهير: لماذا ارتفع منسوب التوتر والانفعال والعدوان اللفظي في الحياة اليومية؟
وكيف تحولت بعض أشكال العصبية من مجرد رد فعل نفسي إلى ثقافة في التعامل؟
فإذا أردنا أن نعالج الإنسان الغاضب، فعلينا ألا ننظر إلى غضبه وحده، بل أن ننظر أيضاً إلى البيئة التي صنعت توتره، والمؤسسات التي ربما علمته أن الصراخ أنفع من القانون، والأسرة التي قد تعيد إنتاج غضبه، والمدينة التي تستنزف أعصابه، والذاكرة التي لم تتخلص بعد من أثقالها.
فالسؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا أصبح الإنسان العراقي عصبياً؟
بل: أيّ عراق أنتج هذا القدر من الإنسان المشدود؟
ومن هذا السؤال تبدأ الحكاية.
# في الشد العصبي العراقي: من ذاكرة الحرب إلى ثقافة الصراخ
تلاحظ في الشارع العراقي مشهداً يكاد يتكرر حتى يصبح عادياً من فرط اعتياده: سائق يتجاوزك أو يضايقك في الطريق، فلا يعتذر، بل يرفع صوته ويزمجر، ووجهه متجهم محتقن، وعروق رقبته بارزة، كأنه يستعد لمعركة لا لمجرد تجاوز مروري عابر.
تذهب إلى البائع لتسأله عن السعر، فيجيبك بنبرة حادة، وكأن سؤالك اتهام، وكأن البيع معركة لا بد أن ينتصر فيها أحد الطرفين.. , تراجع دائرة حكومية، فتجد الموظف يتعامل معك أحياناً كما لو كنت متهماً حتى تثبت براءتك.. , تستقل سيارة أجرة، فتتحول أبواق السيارات والشتائم إلى ما يشبه حرباً صغيرة على الإسفلت.. , ثم يعود الإنسان إلى بيته، محملاً بكل ما جمعه نهاره من توتر، فيلقي بعضه على زوجته وأطفاله ؛ كما اسلفنا .
نعم , ليس هذا وصفاً لكل العراقيين، ولا يجوز علمياً اختزال شعب كامل في صفة نفسية واحدة؛ فالعراقيون، مثل غيرهم، يختلفون في شخصياتهم وطباعهم وطرائق استجابتهم للضغط.. , لكن ثمة ظاهرة اجتماعية تستحق التوقف عندها: ارتفاع منسوب التوتر والانفعال والعدوان اللفظي في الحياة اليومية، وتحول الشد العصبي لدى قطاعات من المجتمع إلى أسلوب تعامل شبه مألوف؛ كما اسلفنا .
فكيف وصلنا إلى هنا؟
# الإنسان الذي لم يخرج تماماً من حالة الطوارئ
علم النفس وعلم الأعصاب لا ينظران إلى التوتر بوصفه مجرد عصبية أو سوء أخلاق… , فالإنسان الذي يتعرض للضغط بصورة مستمرة لا يدفع ثمن ذلك في مزاجه فقط، وإنما قد يدفعه جسده أيضاً. ومع تكرار استجابات الخوف والضغط والتكيف معها، تتراكم كلفة فسيولوجية ونفسية تعرف في الأدبيات العلمية باسم «الحمل الخيفي» (Allostatic Load)، أي العبء الذي ينشأ عندما تضطر منظومات الجسم إلى العمل مراراً وتكراراً لمواجهة الضغوط… ؛ ومع مرور الوقت، قد يؤثر هذا العبء في النوم والمزاج والوظائف المعرفية والصحة الجسدية عموماً.
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين: ليس معنى ذلك أن كل شخص عراقي غاضب يعاني اضطراباً نفسياً، ولا أن كل انفعال هو «اضطراب ما بعد الصدمة»… ؛ المسألة أكثر تعقيداً.
فالإنسان قد يكون سليماً من الناحية التشخيصية، لكنه يعيش في بيئة تجعل جهازه النفسي مستنفراً بصورة متكررة.
وهذه نقطة مهمة لفهم الشخصية الاجتماعية المتوترة.
فالإنسان الذي عاش طفولته أو شبابه في ظل الحرب، والخوف، والعنف، والانفجارات، وعدم الاستقرار، أو عاش في أسرة مضطربة اقتصادياً واجتماعياً، قد يتعلم ــ بصورة واعية أو غير واعية ــ أن العالم مكان ينبغي الحذر منه دائماً.
وفي العراق تحديداً، لا يمكن تجاهل التراكم التاريخي الهائل للصدمات والنكبات والانتكاسات : حروب متعاقبة، حصار، عنف سياسي، إرهاب، جرائم , نزوح، تفجيرات، صراع طائفي، وفقدان أفراد من العائلة أو الأصدقاء… الخ .
وقد وثقت دراسات حديثة عبئاً مرتفعاً من مشكلات الصحة النفسية لدى بعض الفئات العراقية التي تعرضت مباشرة للحرب والنزوح والعنف، وإن كانت هذه النتائج لا يمكن تعميمها على جميع السكان.
بعبارة أخرى: قد تنتهي الحرب سياسياً، لكنها لا تنتهي بالضرورة في الجهاز العصبي للذين عاشوها.
# من الخوف إلى العصبية
الخوف الطويل لا يظهر دائماً على هيئة شخص يرتجف أو يهرب.
أحياناً يتحول الخوف إلى غضب.
والقلق قد يتحول إلى سيطرة.
والشعور بالعجز قد يتحول إلى صراخ.
والإحساس بأن الآخرين قد يستغلونك قد يجعلك تبدأ التعامل معهم قبل أن يفعلوا شيئاً، وكأنك في معركة وقائية.
وهنا يصبح الإنسان مستعداً للدفاع عن نفسه حتى في المواقف التي لا تحتاج إلى دفاع.
السائق لا يرى مجرد سيارة أمامه؛ يرى عائقاً.
والمراجع لا يرى موظفاً؛ يراه احتمالاً لتعطيل معاملته.
والموظف لا يرى مراجعاً؛ قد يراه شخصاً سيحمّله مسؤولية أو يضغط عليه.
والبائع لا يسمع سؤالاً؛ قد يسمع محاولة للمساومة أو الانتقاص من سعره.
وهكذا تتحول الحياة اليومية إلى سلسلة من **التفسيرات العدائية للمواقف العادية**.
وهذا أحد أخطر وجوه التوتر الاجتماعي: أن يصبح الإنسان مستعداً للمعركة قبل أن تبدأ.
# حين يصبح الصراخ لغة للحصول على الحق
هناك عامل آخر لا يقل أهمية عن العامل النفسي: البيئة المؤسسية والاجتماعية.
حين يعتقد الإنسان أن الهدوء لن يساعده، وأن صاحب الصوت الأعلى هو الذي يُسمع، وأن من لا يصرخ يُتجاوز عليه، يبدأ الصراخ بالتحول من انفعال إلى استراتيجية.
وهنا نحن أمام ظاهرة اجتماعية لا نفسية فقط.
إذا تعلم الإنسان من تجاربه أن المطالبة الهادئة لا تكفي، بينما الصراخ والتهديد والواسطة والعلاقات الشخصية قد تحقق النتيجة، فسوف يتعلم بالتدريج أن الشدة أداة للبقاء الاجتماعي.
في هذه الحالة لا يعود السؤال: لماذا هذا الإنسان عصبي؟
بل يصبح السؤال: ما نوع المجتمع الذي يجعل العصبية مفيدة؟
وهذا سؤال أكثر عمقاً.
فالمجتمع الذي يكافئ السلوك العدواني بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يعيد إنتاجه.
والسلوك الذي ينجح يتكرر.
والذي يتكرر يتحول إلى عادة.
والعادة المتكررة تتحول في النهاية إلى ثقافة تعامل.
# الفقر ليس رقماً فقط… إنه ضغط يومي
هناك أيضاً الضغط الاقتصادي.
فالإنسان الذي يعيش مع قلق الإيجار، وفواتير الكهرباء، ومصاريف الأطفال، والتعليم، والعلاج، والنقل، والبطالة أو العمل غير المستقر، لا يعيش الحياة النفسية نفسها التي يعيشها شخص يملك هامشاً اقتصادياً آمناً.
الفقر والضغط المعيشي لا يعنيان بالضرورة العصبية، كما أن الغنى لا يعني الهدوء، لكن **عدم الأمان الاقتصادي المزمن يمثل مصدراً مستمراً للضغط**، وقد تتراكم آثاره مع ضغوط أخرى.
إنه الفرق بين إنسان يعيش وفي ذهنه مساحة للتفكير، وإنسان يقضي يومه كله في الحساب:
كم بقي من المال؟
ماذا سأفعل غداً؟
ماذا لو مرض أحد أطفالي؟
ماذا لو خسرت عملي؟
كيف أدفع هذا الدين؟
كيف أصل إلى نهاية الشهر؟
عندما يصبح العقل مشغولاً دائماً بالبقاء، تضيق مساحة الصبر.
ولذلك فإن معالجة العصبية الاجتماعية من دون معالجة أسباب الضغط المعيشي تشبه محاولة تجفيف الأرض من دون إغلاق مصدر الماء.
# المدينة نفسها يمكن أن تكون مصدراً للتوتر
ثم تأتي البيئة الحضرية.
الازدحام، الضجيج، الحرارة الشديدة، رداءة الأرصفة، نقص المساحات الخضراء، التلوث، صعوبة التنقل، انقطاع الخدمات أو عدم استقرارها، كلها ليست تفاصيل هامشية في الحياة النفسية.
المدينة ليست مجرد أبنية وشوارع؛ إنها بيئة عصبية أيضاً.
حين يقضي الإنسان ساعات في الازدحام، ويتعرض للحرارة والضوضاء، ويبحث عن موقف لسيارته، ويواجه طرقاً مكتظة، ثم يصل إلى عمله متعباً، فإنه لا يدخل يومه من نقطة الصفر.
لقد استهلك جزءاً من قدرته على الاحتمال قبل أن يبدأ العمل.
وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن الحرارة الشديدة يمكن أن ترتبط باضطراب النوم والإرهاق والانزعاج وصعوبة تنظيم الانفعال، مع احتمال زيادة مشاعر التهيج والإحباط لدى بعض الناس.
ولهذا فإن الحديث عن «الهدوء الاجتماعي» ينبغي ألا يقتصر على الوعظ الأخلاقي؛ فالبيئة التي نعيش فيها جزء من المعادلة.
# التربية التي علمت الرجل أن الغضب رجولة
ثمة جانب ثقافي أيضاً.
لقد تربت أجيال كثيرة على تصورات خشنة عن الرجولة: لا تبكِ، لا تظهر خوفك، لا تقل إنك متعب، لا تعترف بأنك مكسور، لا تتراجع، لا تعتذر كثيراً، ولا تسمح لأحد بأن يرفع صوته عليك.
لكن الإنسان الذي يُمنع من التعبير عن الحزن والخوف والعجز قد يجد منفذاً وحيداً لمشاعره المكبوتة: الغضب.
الغضب أسهل اجتماعياً على الرجل من البكاء.
والصراخ أسهل من الاعتراف بالخوف.
والعدوان أسهل من قول: «أنا متعب».
وهنا يصبح الغضب أحياناً لغة للمشاعر التي لم نتعلم كيف نعبر عنها.
وهذا لا يعني أن الرجال وحدهم غاضبون، ولا أن الثقافة العراقية وحدها تعاني هذه المشكلة؛ بل هي ملاحظة اجتماعية عن الطريقة التي يمكن أن تربط بها بعض الثقافات بين إظهار الصلابة وكبت الضعف.
# الأسرة: المكان الذي تصل إليه الشحنة أخيراً
المشكلة أن الإنسان لا يستطيع أن يبقى في الشارع إلى الأبد.
فيعود إلى المنزل.
وهناك تبدأ أحياناً عملية خطيرة اسمها **انتقال التوتر**.
الرجل الذي تحمل إهانة في العمل، وشجاراً في الطريق، وازدحاماً، وضغطاً مالياً، قد لا يستطيع مواجهة مصدر المشكلة الحقيقي؛ فينفجر أمام الشخص الأكثر أماناً بالنسبة إليه: زوجته أو أطفاله.
والطفل لا يفهم أن والده متوتر بسبب العمل.
هو يفهم شيئاً واحداً: أبي غاضب مني.
وهكذا ينتقل التوتر من جيل إلى جيل.
الأب يصرخ.
الطفل يخاف.
الطفل يكبر وهو يتعلم أن الصراخ وسيلة للتعبير عن القوة.
ثم يمارس الصراخ مع أطفاله.
وهكذا تصبح الأسرة مصنعاً صغيراً لإعادة إنتاج ما صنعه المجتمع الكبير.
# الإنسان المشدود لا يستطيع أن يرى العالم كما هو
وهنا نصل إلى البعد الفلسفي للمشكلة.
الإنسان المتوتر لا يعيش الواقع فقط؛ بل يعيش **تفسيره للواقع**.
قد تكون الكلمة عادية، لكنه يسمعها استفزازاً.
وقد يكون السؤال بريئاً، لكنه يراه تشكيكاً.
وقد يكون الاختلاف في الرأي إهانة.
وقد يكون التجاوز المروري مجرد خطأ، لكنه يتحول في رأسه إلى اعتداء على كرامته.
كل شيء يصبح شخصياً.
وهذا هو أحد أخطر آثار التوتر: انخفاض المسافة بين الحدث ورد الفعل.
إنسان هادئ يستطيع أن يقول: «ربما أخطأ.»
أما الإنسان المشدود فيقول: «يقصدني.»
الهادئ يقول: «ربما لم ينتبه.»
والمشدود يقول: «يتعمد إهانتي.»
الهادئ يستطيع أن يختلف.
أما المشدود فيشعر أن الاختلاف تهديد لوجوده.
ومن هنا تبدأ العداوات الصغيرة التي لا تستحق أن تبدأ أصلاً.
# لماذا يجنح الإنسان المتوتر إلى العنف؟
لأن العنف في بعض الحالات يمثل أقصر طريق لإيقاف الشعور بالعجز.
الصراخ يعطي صاحبه إحساساً مؤقتاً بالقوة.
والتهديد يعطيه إحساساً بالسيطرة.
والعدوان قد يمنحه، ولو للحظات، شعوراً بأنه ليس ضعيفاً.
لكنها قوة وهمية؛ لأنها لا تحل المشكلة، وإنما تنقلها إلى مشكلة أخرى.
فمن يصرخ على الموظف قد يحصل على معاملته، لكنه يخلق عداءً.
ومن يضرب ابنه قد يفرض الصمت، لكنه يزرع الخوف.
ومن يشتم سائقاً قد يفرغ غضبه، لكنه يعود إلى منزله محملاً بالمزيد منه.
وهكذا يعمل العنف كالمخدر: يمنح راحة قصيرة، لكنه يزيد المرض على المدى الطويل.
# لكن علينا ألا نخلط بين التفسير والتبرير
هذه نقطة أخلاقية لا بد من تثبيتها.
فهم أسباب العصبية لا يعني تبريرها.
الحرب ليست رخصة لإهانة الناس.
والفقر ليس مبرراً للعنف.
وارتفاع درجة الحرارة ليست مبرراً للشتائم.
والضغط النفسي لا يمنح الإنسان حق الاعتداء على زوجته أو طفله أو موظف أو سائق.
نحن نفسر السلوك لكي نغيره، لا لكي نعفي صاحبه من المسؤولية.
وهنا تكمن قيمة الدراسة العلمية: أن تنقلنا من سؤال «من المذنب؟» إلى سؤال أكثر فائدة: ما الذي يصنع هذا السلوك؟ وكيف نوقف عملية إنتاجه؟
# هل نحن أمام «مرض اجتماعي»؟
الأدق ألا نسمي المجتمع العراقي «مريضاً».
فهذا توصيف قاسٍ وغير علمي.
الأفضل أن نتحدث عن **ضغط اجتماعي متراكم، وثقافة تفاعل عالية الانفعال، وبيئات متعددة تنتج التوتر وتعيد توزيعه بين الأفراد.**
كما ينبغي الحذر من تحويل ظاهرة اجتماعية إلى تشخيص طبي جماعي.
ليس كل عراقي متوتراً.
وليس كل متوتر عراقياً.
وليس كل صراخ دليلاً على اضطراب نفسي.
لكن حين تتكرر السلوكيات نفسها في الشارع والعمل والأسرة والمدرسة والدوائر الحكومية، يصبح من المشروع علمياً واجتماعياً أن نسأل عن الظروف التي تسمح لها بالانتشار.
# العلاج يبدأ من الإنسان… لكنه لا ينتهي عنده
يمكن للفرد أن يفعل الكثير.
النوم المنتظم، النشاط البدني، تقليل المنبهات والتدخين، تقنيات التنفس والاسترخاء، تنظيم الوقت، تخفيف التعرض المستمر للأخبار ومصادر الاستثارة، تعلم التعبير عن الغضب قبل انفجاره، وبناء علاقات اجتماعية داعمة، كلها تدخلات يمكن أن تساعد في خفض العبء المزمن للتوتر… ؛ وتشير الأدلة إلى أهمية النشاط البدني والدعم الاجتماعي في تخفيف عبء الضغط المزمن وتعزيز القدرة على التكيف.
وعندما يصبح التوتر شديداً أو مستمراً، أو يترافق مع نوبات غضب متكررة، أو اضطراب نوم، أو أعراض قلق أو اكتئاب أو ذكريات صادمة، فإن اللجوء إلى مختص في الصحة النفسية ليس عيباً ولا دليلاً على الجنون.
بل هو شكل من أشكال المسؤولية عن النفس والأسرة.
لكننا سنرتكب خطأ كبيراً إذا قلنا للفرد فقط: «اهدأ.»
كيف يهدأ إنسان يعيش في بيئة لا تمنحه فرصة للهدوء؟
لذلك فإن العلاج يجب أن يكون **فردياً ومؤسسياً وثقافياً في الوقت نفسه.**
نحتاج إلى مؤسسات تحترم المواطن حتى لا يضطر إلى الصراخ للحصول على حقه.
نحتاج إلى قانون يجعل الحقوق إجراءات واضحة لا معارك شخصية.
نحتاج إلى مدن أكثر قابلية للحياة: أرصفة، حدائق خضراء ، نقل أفضل، ظل، نظافة، أماكن عامة، ومساحات يستطيع الإنسان أن يتنفس فيها.
نحتاج إلى مدارس تعلم الطفل أن الاختلاف ليس حرباً، وأن الاعتذار ليس إهانة، وأن ضبط الغضب قوة.
نحتاج إلى إعلام لا يحول كل خلاف إلى معركة.
ونحتاج، قبل كل شيء، إلى إعادة تعريف القوة.
# الهدوء ليس ضعفاً
ربما نحتاج إلى إعادة بناء مفهوم كامل في الثقافة الاجتماعية:
أن الرجل القوي ليس الذي يصرخ أكثر.
وأن الموظف القوي ليس الذي يهين المراجع.
وأن الأب القوي ليس الذي يخيف أطفاله.
وأن السائق القوي ليس الذي يفرض طريقه بالقوة.
وأن المواطن القوي ليس الذي يستطيع تحويل كل اختلاف إلى شجار.
فالقوة الحقيقية هي القدرة على السيطرة على الذات عندما يكون الغضب متاحاً.
أن تستطيع أن تقول: «أنت مخطئ» من دون أن تهين.
وأن تقول: «أنا غاضب» من دون أن تعتدي.
وأن تقول: «لا» من دون أن تصرخ.
وأن تعتذر من دون أن تشعر بأن كرامتك سقطت.
وأن تختلف من دون أن تتحول إلى عدو.
# من «دولة الإنسان المشدود» إلى مجتمع الإنسان المطمئن
العراقي لا يحتاج إلى المزيد من المواعظ عن الأخلاق بقدر ما يحتاج إلى بيئة تجعل السلوك الأخلاقي ممكناً ومكافأً.
فالإنسان الذي يشعر بالأمان يكون أقدر على الصبر.
والذي يثق بالقانون أقل حاجة إلى الصراخ.
والذي يملك دخلاً مستقراً أقل انشغالاً بالرعب من الغد.
والذي يعيش في مدينة مريحة أقل تعرضاً للاستثارة اليومية.
والطفل الذي يتعلم أن التعبير عن مشاعره ليس عيباً، يكبر وهو أقل حاجة إلى تحويل حزنه إلى غضب.
إن بناء الإنسان الهادئ ليس مشروعاً نفسياً فقط؛ إنه مشروع **سياسي واقتصادي وعمراني وتربوي وثقافي**.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا أصبح العراقي عصبياً؟
بل: أيّ عراق أنتج هذا النوع من الإنسان المشدود والمتوتر ؟
وعندما نجيب عن هذا السؤال بصدق، سنكتشف أن الإنسان الذي يصرخ في الشارع ليس دائماً المشكلة؛ ففي أحيان كثيرة هو أيضاً نتيجة لسلسلة طويلة من الضغوط التي بدأت قبله، وتراكمت حوله، ثم خرجت من فمه في صورة شتيمة، أو من يده في صورة عنف، أو من وجهه في صورة ذلك العبوس الذي صار جزءاً من المشهد اليومي.
لكن هذه السلسلة ليست قدراً.
يمكن كسرها.
فالطفل الذي لا نصرخ عليه اليوم قد يكون أباً أكثر هدوءاً غداً.
والموظف الذي نعلمه احترام المواطن قد يغيّر لغة دائرة كاملة.
والسائق الذي يتعلم أن الخطأ لا يستحق الحرب قد يعلّم أبناءه المعنى نفسه.
والمجتمع الذي يجعل القانون أقوى من الصراخ سيكتشف، مع الوقت، أن الناس لا يحتاجون إلى رفع أصواتهم كي يسمعهم أحد.
والمجتمع المطمئن لا يولد من إنسان مثالي؛ بل من بيئة تقلل أسباب الخوف، وتمنح الإنسان كرامة، وتعلمه أن الهدوء ليس استسلاماً، وأن ضبط النفس ليس ضعفاً، وأن الاعتذار ليس هزيمة.
أما إذا بقي بطل المشهد هو ذلك الرجل المشدود، المحتقن، المستنفر، المتوتر , العبوس , عصبي المزاج الذي يدخل كل موقف صغير وكأنه داخل معركة، فسنبقى نعيد إنتاج الخراب نفسه كل يوم، بوجوه مختلفة.
وسنظل نعيش في ** دولة الإنسان المشدود**؛ دولة لا ينقصها الغضب، وإنما ينقصها الأمان.