السير ساسون إسكيل أول وزير مالية للمملكة العراقية وعلى يساره الملك فيصل الأول مباشرة.
إيهاب مقبل
في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر دخلت بغداد مرحلة تحول اقتصادي واجتماعي عميق. فالمدينة لم تعد مجرد عاصمة إدارية عثمانية على دجلة، وإنما كانت مركزاً رئيسياً للتجارة العراقية، تتصل من خلال البصرة بالأسواق الأوروبية، ومن خلال طرق القوافل والنقل النهري بالمدن والقرى الداخلية.
وتكتسب شهادة جون غوردون لوريمر أهمية خاصة في دراسة هذه المرحلة. فقد كان موظفاً ودبلوماسياً بريطانياً يعمل في جهاز حكومة الهند البريطانية، وجمع مادة واسعة عن العراق والمنطقة في عمله الضخم «دليل الخليج الفارسي وعُمان ووسط الجزيرة العربية Gazetteer of the Persian Gulf, Oman and Central Arabia». صدر الجزء الجغرافي والإحصائي سنة 1908، والجزء التاريخي سنة 1915. ويضم الجزء الجغرافي مادة مفصلة عن العراق وبغداد والتجارة والسكان والجماعات الدينية والاقتصاد.
ومن بين أكثر الملاحظات إثارة للاهتمام في وصفه لبغداد قوله إن تجارة بغداد كانت تنتقل، سنة بعد أخرى، بدرجة أكبر إلى أيدي اليهود. ولا تأتي هذه العبارة في سياق حديث عابر، بل ضمن وصف اقتصادي مفصل لتجارة العراق واستيراداته ومنافسته التجارية.
وهنا تبدأ قصة صعود النفوذ التجاري اليهودي في بغداد، وهي قصة لا ينبغي اختزالها في الانتماء الديني وحده، لأنها ارتبطت أيضاً برأس المال والائتمان والوكالات الخارجية والتجارة الدولية وتحول الاقتصاد العراقي في تلك الفترة.
مجتمع يهودي كبير في مدينة متعددة الأعراق والطوائف
كان اليهود عنصراً مهماً جداً في التركيبة السكانية لبغداد وفق تقديرات لوريمر. فهو يذكر أن اليهود في مدينة بغداد كانوا، بحسب اعتقاده، يفوقون الأتراك بل وحتى العرب عدداً، ويصفهم بأنهم من أهم العناصر السكانية في العراق. كما يذكر أن نشاطهم الاقتصادي كان يتركز بدرجة كبيرة في التجارة والإقراض المالي.
أما الأرقام التي ينقلها لوريمر فتحتاج إلى قراءة نقدية. فهو يقدر سكان قضاء بغداد بنحو 150 ألف نسمة، ويذكر بينهم نحو 55 ألف يهودي، و50 ألف مسلم سني، و37 ألفاً من الشيعة، و8 آلاف مسيحي. والقضاء في التقسيم الإداري العثماني كان أوسع من مدينة بغداد نفسها، ولذلك لا ينبغي تحويل رقم الـ55 ألفاً آلياً إلى تعداد دقيق لسكان المدينة.
وهناك سبب إضافي يدعو إلى الحذر. فالسجلات اللاحقة للمجتمع اليهودي العراقي تشير إلى وجود نحو 50 ألف يهودي في بغداد سنة 1910، في مدينة تجاوز عدد سكانها آنذاك بقليل 200 ألف نسمة. وهذا الرقم اللاحق، وإن كان لا يحسم الخلاف حول تقدير لوريمر، يجعل من الواضح أن رقم 55 ألفاً في مطلع القرن العشرين يحتاج إلى عرضه باعتباره تقديراً بريطانياً لا تعداداً سكانياً نهائياً.
ومن ثم، فإن القوة الاقتصادية لليهود لا تتوقف على صحة رقم 55 ألفاً تحديداً؛ فشهادة لوريمر عن نشاطها التجاري والمالي مستقلة عن هذا الرقم.
من السكان إلى القوة الاقتصادية
يصف لوريمر اليهود بأنهم كانوا «عنصراً بالغ الأهمية» في سكان العراق، ويقول إنهم كانوا تقريباً منخرطين في التجارة والإقراض المالي، وإن بعضهم كان مكرساً لهذه الأنشطة بصورة شبه كاملة. لكنه في الوقت نفسه يذكر أن بعض اليهود كانوا يبدأون حياتهم كباعة متجولين، وأن المجتمع لم يكن كتلة اقتصادية متساوية.
وهذه الملاحظة مهمة؛ إذ إن الحديث عن «النفوذ التجاري اليهودي» لا يعني أن جميع اليهود في بغداد كانوا أثرياء أو تجاراً كباراً. الذي صعد إلى مواقع النفوذ كان بصورة خاصة جزء من النخبة التجارية والمالية، التي امتلكت رأس المال والعلاقات التجارية والشبكات الخارجية.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات بغداد في تلك المرحلة: وجود مجتمع يهودي كبير من جهة، ووجود نخبة تجارية يهودية ذات قدرة متزايدة على الوصول إلى رأس المال والأسواق الخارجية من جهة أخرى.
التجارة البغدادية تنتقل إلى أيدي اليهود
العبارة الأكثر أهمية في وثائق لوريمر هي أن تجارة بغداد كانت تمر كل عام بدرجة أكبر تحت السيطرة اليهودية. ثم يضيف أن كثيراً من اليهود أصبحوا يزورون إنجلترا، وأن بعضهم أقام هناك وكلاء تجاريين لشركائه أو أقاربه في بغداد.
هذه الملاحظة تكشف أن صعود التجار اليهود لم يكن مجرد ازدياد عدد الدكاكين التي يديرونها داخل بغداد. فقد كان جزء من قوتهم نابعاً من قدرتهم على إنشاء روابط خارجية.
التاجر الذي لديه قريب أو شريك أو وكيل في لندن أو مانشستر يستطيع الحصول على معلومات عن الأسعار والمصانع والسلع والشحن، ويستطيع بناء علاقة مباشرة مع المستوردين والمصنعين، وهو ما يمنحه ميزة على تاجر يعتمد على الوسيط المحلي وحده. وهكذا بدأ السوق البغدادي يرتبط بشبكة تجارية تمتد خارج حدود العراق.
تجارة القطن والأقمشة مركز القوة
تبرز قوة النفوذ اليهودي بصورة أوضح في تجارة المنسوجات. إذ يقدر لوريمر قيمة الواردات البحرية السنوية إلى العراق بنحو 1.3 مليون جنيه إسترليني، ويذكر أن ما يقارب نصف هذه القيمة كان من المنسوجات القطنية القادمة من بريطانيا وحدها. ويضيف أن تجارة القطن كانت في معظمها بأيدي اليهود، وأن بعض التجار اليهود كانت لهم وكالات في لندن أو مانشستر، وغالباً ما كان الوكيل قريباً للتاجر البغدادي.
والأهم أن لوريمر يقول إن تجارة الأقمشة البيضاء والرمادية من نوع أقمشة القمصان كانت عملياً احتكاراً يهودياً، بينما كانت الشركات البريطانية تستورد نحو ربع الأقمشة المطبوعة.
وهذه من أقوى الشهادات في الوثيقة، لأنها لا تتحدث عن مجرد «نشاط» أو «وجود» يهودي في السوق، وإنما تصف قطاعاً تجارياً محدداً بأنه يكاد يكون محتَكراً.
أي أن «الاحتكار» هنا يتعلق أساساً بالأقمشة البيضاء والرمادية وتجارة القطن، وليس دليلاً على احتكار اليهود اقتصاد بغداد كله.
لندن ومانشستر في شبكة التاجر البغدادي
إن وجود وكلاء يهود في لندن ومانشستر يكشف مدى تغير طبيعة التجارة. فالسلعة البريطانية لم تعد تصل إلى بغداد بالضرورة عبر سلسلة طويلة من الوسطاء الأوروبيين والعراقيين؛ إذ استطاع بعض التجار اليهود إنشاء علاقات مباشرة مع المراكز التجارية البريطانية.
وبذلك نشأت شبكة يمكن تبسيط مسارها على النحو الآتي: مصانع ومراكز تجارية أوروبية، ثم الموانئ، ثم البصرة، ثم بغداد، ثم أسواق العراق والمناطق المجاورة.
ولم تكن هذه الشبكة اقتصادية فقط؛ فقد كانت تعتمد أيضاً على القرابة والثقة والشراكة العائلية، وهو ما يفسر ملاحظة لوريمر أن الوكلاء في لندن ومانشستر كانوا غالباً من أقارب التجار اليهود في بغداد.
البصرة الحلقة البحرية في الشبكة
لم يكن النفوذ التجاري اليهودي محصوراً في بغداد. فملاحظة لوريمر بأن الشركات التجارية المحلية الكبرى في البصرة كانت يهودية أيضاً ذات أهمية كبيرة.
فإذا كانت بغداد مركز توزيع التجارة الداخلية، وكانت البصرة بوابة العراق البحرية، فإن وجود تجار يهود أقوياء في المدينتين يمنحهم موقعاً مهماً على امتداد سلسلة الاستيراد والتوزيع.
ولهذا فإن صعود التجارة اليهودية ينبغي النظر إليه ضمن المنطقة العراقية والإقليمية، وليس كمنطقة بغدادية معزولة.
تراجع التجار المسيحيين
كان لصعود هذه القوة التجارية أثر مباشر في المنافسين. إذ يسجل لوريمر أن التجار المسيحيين المحليين في بغداد كانوا قد اختفوا في معظمهم من ميدان التجارة خلال السنوات الخمس عشرة السابقة نتيجة المنافسة اليهودية. كما يذكر أن الأرمن فقدوا جزءاً من أهميتهم التجارية بسبب المنافسة نفسها، وإن ظل بعضهم تجاراً ميسورين وموظفين وكتبة.
ولا ينبغي فهم كلمة «اختفوا» حرفياً. فالمقصود، في سياق حديثه، هو انحسار حضور التجار المسيحيين في التجارة العامة، وليس اختفاء المسيحيين من بغداد أو خروجهم من النشاط الاقتصادي.
بل إن الجماعات المسيحية احتفظت بقوة في مجالات أخرى من الاقتصاد والمهن الحديثة.
وبذلك يمكن القول إن ما يصفه لوريمر هو انتقال في مركز الثقل داخل النخبة التجارية غير المسلمة.
المسلمون بين المنافسة والشراكة
الأكثر دلالة في وصف لوريمر هو موقف التجار المسلمين. فهو يقول إن التجار المسلمين بدأوا يدخلون اليهود في شراكات معهم باعتبار ذلك وسيلة للدفاع عن أنفسهم أمام المنافسة، مع بقائهم قادرين إلى حد ما على الاحتفاظ بموقعهم في التجارة الداخلية التي كانت تدار من بغداد.
وهذه المعلومة تكشف أن الاقتصاد البغدادي لم يكن مقسماً إلى جماعات دينية منفصلة.
كان هناك تنافس بين التجار اليهود والمسيحيين والمسلمين، ولكن كان هناك أيضاً تعاون وشراكة.
فالتاجر المسلم الذي لا يستطيع منافسة شريك يهودي يمتلك رأس المال أو العلاقات الخارجية يمكنه أن يدخل معه في شراكة بدلاً من أن يخرج من السوق خاسرًا. وهذا يجعل الصورة الاقتصادية أكثر تعقيداً من مجرد صراع طائفي.
التجارة والائتمان
يربط لوريمر بين النشاط التجاري اليهودي والإقراض المالي. فهو يقول إن اليهود كانوا منخرطين بدرجة كبيرة في التجارة وإقراض المال، وإن بعضهم كان مكرساً لهذه الأنشطة.
وكان الائتمان مهماً في اقتصاد لم تكن المؤسسات المصرفية الحديثة فيه قد أصبحت المصدر الوحيد للتمويل.
وتشير دراسات عن الائتمان في الدولة العثمانية إلى وجود قروض ربوية بفوائد سنوية مرتفعة، بلغت في بعض الحالات 20–40%، إلا أن ذلك لا يشكل دليلاً على أن هذه النسبة كانت تمثل سعر الفائدة المعتاد لدى المقرضين اليهود في بغداد. ومن المحتمل أن تكون فوائد بعض القروض الربوية اليهودية في بغداد قد وقعت ضمن هذا النطاق، أو كانت أقل منه أو أعلى، تبعاً لطبيعة القرض ومدته والضمانات والظروف الاقتصادية المحيطة به.
من بغداد إلى العالم: عائلة ساسون
يكشف تاريخ عائلة ساسون عن جانب مهم من الشبكات التجارية اليهودية ذات الأصل البغدادي. فقد نشأت العائلة في بغداد، ثم تحول نشاطها التجاري خلال القرن التاسع عشر إلى شبكة دولية واسعة، ولا سيما في الهند والصين وبريطانيا. وأصبحت عائلة ساسون واحدة من أبرز البيوت التجارية ذات الجذور العراقية في آسيا والعالم.
وتكتسب هذه الشبكة أهمية إضافية بسبب المصاهرة التي نشأت بين عائلة ساسون وفرع روتشيلد الفرنسي. ففي سنة 1887 تزوج إدوارد ساسون من ألين كارولين دي روتشيلد، ابنة البارون غوستاف دي روتشيلد. وكان غوستاف شقيقاً للبارون إدموند جيمس دي روتشيلد، الذي أصبح لاحقاً من أبرز الداعمين للاستيطان اليهودي في فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر.
وهذه الصلة العائلية تستحق الذكر، لكنها تحتاج إلى قدر كبير من الدقة. فوجود مصاهرة بين ساسون وروتشيلد يثبت علاقة عائلية بين بيتين يهوديين بارزين، لكنه لا يثبت أن عائلة روتشيلد كانت تدير التجارة اليهودية في بغداد، ولا أن صعود التجار اليهود في بغداد كان نتيجة مشروع اقتصادي أو سياسي لروتشيلد.
كما ينبغي التمييز زمنياً بين هذه المصاهرة وبين النشاط السياسي اللاحق لبعض أفراد عائلة روتشيلد. فإدموند جيمس دي روتشيلد أصبح لاحقاً شخصية رئيسية في دعم الاستيطان اليهودي في فلسطين، في حين أن ليونيل والتر روتشيلد، وهو من فرع آخر من العائلة، ارتبط بالحركة الصهيونية البريطانية، وأصبح في عام 1917 صاحب الرسالة التي وُجه إليها نص وعد بلفور.
وعليه، فإن ما يمكن قوله بثقة عن الفترة 1880–1905 هو أن هناك شبكات تجارية وعائلية ومالية يهودية عابرة للحدود، وأن بعض العائلات ذات الأصل البغدادي، وفي مقدمتها ساسون، دخلت في علاقات مع بيوت مالية وتجارية أوروبية كبرى. أما تحويل هذه الحقيقة إلى القول بوجود «مشروع روتشيلدي» للسيطرة على تجارة بغداد أو ربط صعود التجارة اليهودية البغدادية مباشرة بالمشروع الصهيوني، فيحتاج إلى أدلة وثائقية مستقلة لا توفرها شهادة لوريمر وحدها.
الجغرافية التجارية لبغداد
كان قلب الاقتصاد البغدادي هو السوق الكبير الممتد بمحاذاة دجلة، حيث تركزت المتاجر والخانات والمخازن ومؤسسات التجارة.
وقد أحصى لوريمر في بغداد نحو 4000 متجر، وأكثر من مئتي خان، ومئات المقاهي والمخازن والمنشآت الحرفية، إلى جانب المطاحن ومصانع الصابون والحلويات والدبس والمطابع وغيرها.
ومن المهم عدم القول إن هذه الأسواق كانت «يهودية» بمعنى الملكية الكاملة. فالمصدر لا يقدم دليلاً على ملكية اليهود لكل منطقة تجارية.
الأدق القول إن التجار اليهود أصبحوا قوة بارزة داخل المركز التجاري للمدينة، وسيطروا على قطاعات مهمة من الاستيراد، ولا سيما تجارة القطن وبعض الأقمشة.
الشورجة ومراكز النشاط التجاري اليهودي
استمرت مناطق بغداد التجارية في أداء دور مهم خلال العقود التالية أيضاً، وكانت الشورجة من أبرز المراكز المرتبطة بالتجارة اليهودية البغدادية.
وتكشف الوثائق العراقية اليهودية اللاحقة أن المجتمع اليهودي ظل يمتلك شبكة واسعة من المؤسسات التجارية والاجتماعية، وأن اليهود كانوا نشطين في الأعمال والحكومة والمهن والتجارة حتى القرن العشرين. وتشير السجلات إلى أن نحو 50 ألف يهودي كانوا يعيشون في بغداد سنة 1910. وهذه الشهادة اللاحقة مهمة لأنها تؤكد أن سنة 1905 لا يمكن اعتبارها نهاية للنفوذ اليهودي.
اليهود خارج بغداد
يذكر لوريمر وجود اليهود في عدد من المدن العراقية الأخرى، منها العمارة والكوت والناصرية وسوق الشيوخ والحي وعلي الغربي وقلعة صالح، ويشير إلى وجود معابد وحاخامات في بعض هذه المناطق. كما يشير إلى ارتباط اليهود بمراقد مزعومة للأنبياء في العراق، ولا سيما الكفل والعزير، حيث كان لليهود وجود ديني واجتماعي مهم.
وهذه الشبكة الداخلية كانت تعني أن النشاط التجاري والاجتماعي اليهودي لم يكن محصوراً في بغداد، وإنما امتد إلى مدن ومراكز اقتصادية عراقية أخرى.
الفرس والتجار الآخرون
كان اقتصاد بغداد متعدد الجماعات. ويشير لوريمر إلى وجود الفرس في التجارة، حتى في مدن عراقية صغيرة، كما يربط وجودهم بنشاطهم التجاري وبالشبكة الشيعية التي تمتد إلى كربلاء والنجف والكاظمية.
أما الأتراك فكان حضورهم أقوى في الجهاز الحكومي والمدينة، ويذكر لوريمر أن الأتراك كانوا يمثلون نحو خمس سكان بغداد، وأن كثيراً منهم كانوا موظفين.
وبذلك لم تكن بغداد مدينة ذات اقتصاد يهودي منفرد، وإنما مدينة تتداخل فيها شبكات اقتصادية عربية ويهودية وفارسية وأرمنية ومسيحية وتركية.
لوريمر بين الوثيقة والتحيز
من الضروري في قراءة هذا التقرير ألا يؤخذ كل أحكام لوريمر باعتبارها حقائق محايدة. وذلك لان لوريمر كان موظفاً بريطانياً يعمل ضمن منظومة الإمبراطورية البريطانية، وتصنيفاته للسكان والجماعات تعكس لغة عصره الاستعمارية.
ومن اللافت، في المقابل، أن حديثه عن الصعود التجاري اليهودي لم يصدر عن مؤرخ يهودي أو أحد أبناء المجتمع اليهودي البغدادي، وإنما عن موظف ودبلوماسي بريطاني مسيحي بروتستانتي.
وهذا يمنح شهادته قيمة خاصة من ناحية كونها مصدراً خارجياً معاصراً، لكنه لا يعفي الباحث من مقارنتها بمصادر أخرى.
وعليه ينبغي التفريق بين الأرقام والتوصيفات الاقتصادية المحددة التي يمكن اختبارها، وبين الأحكام العامة التي أطلقها لوريمر على الجماعات الدينية والعرقية.
طبيعة النفوذ والاحتكار التجاري
لا تثبت وثائق لوريمر وجود سيطرة يهودية شاملة على اقتصاد بغداد بأكمله، لكنها تقدم مؤشرات واضحة على تركز قوي ومتزايد للنفوذ التجاري اليهودي في قطاعات اقتصادية محددة، ولا سيما تجارة القطن والأقمشة والاستيراد والائتمان.
فهو يتحدث عن انتقال تجارة بغداد بدرجة متزايدة إلى أيدي التجار اليهود، وعن نفوذهم الواسع في تجارة القطن، بل ويصف تجارة الأقمشة البيضاء والرمادية بأنها كانت تكاد تكون احتكاراً يهودياً. كما يشير إلى وجود شركات تجارية يهودية كبيرة في البصرة، وإلى انخراط اليهود بصورة واسعة في الإقراض المالي.
وفي المقابل، ظل التجار المسلمون يحتفظون بمكانة مهمة في التجارة الداخلية، كما استمر وجود التجار المسيحيين والأرمن والفرس، واحتفظت الشركات البريطانية بجزء من تجارة المنسوجات، ولا سيما الأقمشة المطبوعة.
وعليه، فإن الوصف الأكثر دقة، استناداً إلى وثائق لوريمر، هو أن بغداد شهدت هيمنة تجارية يهودية متنامية في قطاعات محددة، اقتربت في بعضها من مستوى الاحتكار، ولا سيما في الاستيراد وتجارة القطن والأقمشة والائتمان، دون أن ترقى إلى احتكار شامل للاقتصاد البغدادي بأكمله.
من 1905 إلى 1915: استمرار النفوذ
ولا تنتهي قصة النفوذ التجاري اليهودي سنة 1905. فالجزء التاريخي من Gazetteer المنشور سنة 1915 يقدر عدد اليهود في بغداد بنحو 55 ألفاً، ويقدر مجموع اليهود في العراق ومنطقة الخليج بنحو 61 ألفاً، مع وجود مجتمعات يهودية في البصرة والعمارة والحلة وكربلاء وغيرها.
وهذا مهم جداً؛ لأن لوريمر نفسه، في مادة تاريخية منشورة بعد سبع سنوات من الجزء الجغرافي، لا يقدم 1905 باعتبارها نهاية الوجود أو النفوذ اليهودي.
بل إن الجدول التاريخي يؤكد استمرار ضخامة الجالية اليهودية في بغداد حتى عشية الحرب العالمية الأولى.
اليهود في العراق في القرن العشرين
بحسب الأرشيف اليهودي العراقي، كان في بغداد نحو 50 ألف يهودي سنة 1910، عندما كان سكان المدينة يزيدون قليلاً على 200 ألف نسمة. وبحلول 1949 كان عدد اليهود في العراق كله يقدر بنحو 130 ألفاً، معظمهم في بغداد والبصرة والموصل.
وهذه الأرقام مهمة لأنها تظهر أن الوجود اليهودي لم يتراجع بعد 1905 مباشرة، بل ظل كبيرًا ومؤثرًا خلال العقود التالية.
كما أن الوثائق الأرشيفية من الأربعينيات تكشف وجود مؤسسات تجارية واجتماعية قوية، ومراسلات مع أفراد في أوروبا وأمريكا والشرق الأوسط، إلى جانب تراخيص استيراد وسجلات مالية وتجارية. ومن بين الوثائق مثلاً أوراق تعود إلى 1945–1949 تتضمن وثائق لرئيس الطائفة اليهودية في بغداد وبطاقات رجال أعمال ووثائق استيراد.
الخمسينيات ونهاية مرحلة تاريخية
جاء الانحسار الحاسم في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات. فبعد قيام الدولة الصهيونية عام 1948 تصاعدت الضغوط السياسية والأمنية على اليهود في العراق، ثم بدأت عملية الهجرة الجماعية التي أدت إلى خروج الغالبية العظمى من المجتمع اليهودي العراقي.
وهنا ينبغي عدم تصور الأمر باعتباره «نهاية تجارة» في سنة واحدة؛ فقد كان تفككاً تدريجياً لشبكة اجتماعية واقتصادية عمرها عقود.
ومع خروج التجار وأصحاب الأعمال وأسرهم، ومصادرة أو تجميد بعض الممتلكات، وفقدان المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تربطهم بالسوق، انتهى عملياً ذلك الوزن الكبير الذي كان لليهود في اقتصاد بغداد.
المراجع
جون غوردون لوريمر، دليل الخليج وعُمان ووسط الجزيرة العربية (Gazetteer of the Persian Gulf, Oman and Central Arabia).
https://dn710606.ca.archive.org/0/items/in.ernet.dli.2015.206963/2015.206963.Gazetteer-Of.pdf
https://dn790009.ca.archive.org/0/items/in.ernet.dli.2015.206964/2015.206964.Gazetteer-Of.pdf
الأرشيف اليهودي العراقي، National Archives
https://www.archives.gov/exhibits/ija/node/56
انتهى