حين يصبح المدنيون «ضررًا جانبيًا»: عائلة أنصار في مواجهة قانون الحرب
عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
فجر السبت الماضي، لم يكن المشهد في جنوب لبنان مجرد غارة جديدة في سجل طويل من الغارات؛ فقد أعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن إستشهاد 11 شخصًا، بينهم ثلاثة أطفال، وإصابة 19 آخرين نتيجة عدوان جوي بغارتين على بلدتي أنصار ودير الزهراني، فيما أعلنت إسرائيل أنها استهدفت قياديًا في حزب الله، وقالت إن ثلاثة من جنودها أصيبوا بجروح خطيرة في هجوم سابق.
لكن بين الروايتين سؤالًا لا يمكن دفنه تحت مصطلح «الأضرار الجانبية»:
فماذا يقول القانون عندما يؤدي عدوان يستهدف شخصًا واحدًا إلى قتل عائلة بأكملها؟
فالقانون الدولي الإنساني لا يمنح أي جيش شيكًا على بياض لمجرد أنه أعلن أن هدفه «قيادي عسكري».
فالقاعدة الأساسية هي التمييز بين المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، إلى جانب التناسب واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين.
وقد أكدت الأمم المتحدة أن الهجوم الذي يُتوقع أن يسبب خسائر مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة المتوقعة محظور.
وهنا تكمن خطورة إستخدام عبارة «أضرار جانبية» وكأنها ترفع المسؤولية القانونية.
فالمدني ليس ضررًا جانبيًا في القانون؛ المدني وحتى المجاهد إنسان محمي خارج جبهات القتال ووجود إتفاق لوقف إطلاق النار مع المقاومة لم تحترمه قوات الإحتلال منذ 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
فالمدنيون كانوا الهدف كونهم “عماليق وغوييم” يجوز قتلهم، فهذه جيمة حرب موصوفة أثناء العدوان على منزل مدني. مشروع.
فأية غارة على لبنان لا تتم بدون موافقة نتنياهو وكاتس بعد تقييم للهدف وبالرغم من معرفتهم التامة بوجود عائلة الشهيد في المنزل نتيجة الرصد وجمع المعلومات والمتابعة الدقيقة للمكان المستهدف.
ويستطيع قادة العدو اتخاذ الإحتياطات لتجنب قتل العائلة كإستهداف الشهيد قبل دخوله المنزل، فقد تم تنفيذ العدوان رغم توقع خسائر مدنية مفرطة وبنسبة 100%.
فإن السؤال القانوني ينتقل من «هل قُتل المدنيون؟» إلى «هل كان الهجوم مشروعًا أصلًا؟».
فنظام روما الأساسي يجرّم، ضمن جرائم الحرب، تعمد توجيه الهجمات ضد السكان المدنيين أو الأفراد المدنيين، كما يجرّم شن هجوم مع العلم بأنه سيسبب خسائر عرضية في أرواح المدنيين أو أضرارًا بالأعيان المدنية تكون مفرطة بوضوح قياسًا إلى الميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة.
ولهذا فإن قتل عائلة كاملة لا يمكن إسقاطه من الحساب بمجرد إعلان الجيش أنه كان يريد اغتيال «قائد في المقاومة».
فالقوانين الدولية تشرعن عمليات اَقوات الإحتلال، وتحاسب على طريقة تنفيذ العملية، وليس فقط على اسم الهدف.
وأما الأخطر فهو أن تتكرر هذه الوقائع بصورة واسعة ومنهجية ضد السكان المدنيين.
فعندها لا يعود البحث مقتصرًا على جريمة حرب منفردة؛
إذ يعرّف نظام روما الجرائم ضد الإنسانية بأنها أفعال، بينها القتل والإبادة وغيرها، عندما ترتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد سكان مدنيين، مع العلم بذلك الهجوم.
فإن جريمة حرب أنصار هي جريمة ضد الإنسانية تضاف إلى الجرائم ضد الإنسانية التي لم يتدخل مجلس الأمن لوقفا هي أكثر من أن تحصى.
وقد تفاخر وزير دفاع قوات الإحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتدمير جيش الإحتلال أكثر 73% من قرى القطاع الشرقي في لبنان، وتهجير نحو مليون و300 ألف شخص”.
جاء ذلك خلال تصريحات أدلى بها كاتس، مساء الاثنين الماضي، لمراسلين عسكريين وفق إذاعة الجيش الإسرائيلي وصحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية” .
وقد تفاخر كاتس ونتنياهو بأنهما لن ينسحبا من الجنوب اللبناني المحتل؛ وتقدر مساحة المناطق المحتلة بحوالي 1300 كلم².
إن تكرار استهداف المدنيين والعائلات وتدمير المناطق السكنية منذ فترة ال 60 يومًا للإنسحاب وحتى اليوم يثبت بشكل يقينين تحضير الأرضية لبناء المستوطناتربعن أن تحقق عنصري التدمير الكلي والتهجير الذين يسبقا مرحلة بناء المستوطنات.
فأين تقف اتفاقيات جنيف؟
إنَّ إتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني العرفي لا يسمحان بتحويل المدنيين إلى ثمن مقبول لتحقيق هدف عسكري.
فالمبادئ الأساسية هي: التمييز، والتناسب، والاحتياط، والضرورة العسكرية، والإنسانية. وهذه القواعد لا تسقط لأن الدولة تقول إنها تدافع عن نفسها علمًا بأن قوات الإحتلال لا تتمتع بحق الدفاع عن النفس، ولا لأن الهدف ينتمي إلى تنظيم مسلح.
والأمر ينطبق على جميع أطراف النزاع دون استثناء: إسرائيل وحزب الله وسائر القوى المنخرطة في الأعمال العسكرية.
والمفارقة اللبنانية أكبر من الغارة نفسها؛
فقد أدان رئيس الجمهورية جوزاف عون الإعتداءات الإسرائيلية، ولا سيما قتل عائلة كاملة في أنصار بدم بارد، واعتبرها إنتهاكًا للقوانين الدولية وحماية المدنيين.
لكن الإدانة السياسية لا تنهي المسؤولية السياسية.
فالرئاسة اللبنانية كانت جزءًا من المسار الذي أفضى إلى اتفاق الإطار الثلاثي الموقع في واشنطن في 26 حزيران 2026، والذي أثار البند 13 منه عاصفة قانونية وحقوقية؛ إذ يتعهد الطرفان بوقف «الأعمال العدائية أو الضارة» في المحافل السياسية أو القانونية الدولية.
وقد حذرت هيومن رايتس ووتش، وست منظمات حقوقية وإعلامية من أن تفسير هذا النص على أنه يمنع اللجوء إلى المحاكم والهيئات الدولية يمكن أن يحرم ضحايا جرائم الحرب من العدالة.
كما اعتبرت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان أن ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب ليست عملًا عدائيًا أو موقفًا سياسيًا.
وهنا يجب أن يكون السؤال واضحًا:
هل تستطيع دولة أن توقّع اتفاقًا سياسيًا يقيّد حق ضحايا الجرائم الدولية في طلب العدالة؟
والجواب القانوني ليس بهذه البساطة. فحتى الاتفاقات السياسية لا تستطيع أن تمنح حصانة مطلقة من المسؤولية عن الجرائم الدولية الخطيرة.
ولذلك فإن تفسير البند 13 يجب ألا يتحول إلى وسيلة لإغلاق أبواب العدالة أمام الضحايا.
والسؤال الأهم، كيف يمكن ملاحقة مرتكبي الجرائم؟
وهذه النقطة هي الأكثر أهمية.
فلبنان ليس دولة طرفًا في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ولذلك لا يمكن القول إن المحكمة تملك تلقائيًا اختصاصًا على كل جريمة تقع في الأراضي اللبنانية. لكن نظام روما يتيح للدولة غير الطرف أن تقبل اختصاص المحكمة بموجب المادة 12(3). وقد استخدمت دول غير أطراف هذه الآلية.
وبالتالي تستطيع الدولة اللبنانية، من حيث المبدأ، دراسة تقديم إعلان إلى مسجل المحكمة بقبول اختصاصها بالنسبة إلى الجرائم الواقعة على الأراضي اللبنانية خلال فترة محددة، وفق الشروط القانونية.
وهناك مسار آخر يتمثل في إحالة مجلس الأمن الدولي إلى المحكمة، وهو مسار سياسي وقانوني مختلف.
وأما الأفراد والمنظمات والضحايا، فيمكنهم تقديم المعلومات والأدلة إلى مكتب المدعي العام بموجب المادة 15 من نظام روما عندما تتعلق المعلومات بجرائم تقع ضمن اختصاص المحكمة.
وتوضح المحكمة أن أي فرد أو مجموعة أو منظمة يمكنه تقديم هذه المعلومات، وأنها تخضع للتقييم والتحقق.
وتوفر المحكمة حاليًا منصة OTPLink الرسمية لهذا الغرض. أما البريد otplinksupport@icc-cpi.int فهو للدعم التقني فقط ولا يستقبل بلاغات الجرائم أو المرفقات.
منصة OTPLink الرسمية لتقديم المعلومات إلى مكتب المدعي العام.
فمن أنصار يبدأ السؤال
قد تكون إسرائيل قد استهدفت قائدًا عسكريًا في المقاومة، كما تقول روايتها.
وقد أعطت إسرائيل لنفسها الحق بإغتيال قائدًا عسكريًا، وأعتبرته هدفًا مشروعًا من حيث المبدأ؛ وتناست إسرائيل بأنها قوات إحتلال لا يوجد لها مشروعية حتى في الدفاع عن نفسها. وأعمال المقاومة كفلتها وَضمنتها القوانين الدولية وأهمها المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني، ومعاهدات جنيف، وحتى الموافقة على الإعلان عن وقف إطلاق النار بموجب القرار 1701 بتاريخ 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
ومن هنا تبدأ المحاسبة:
من كان في المنزل؟
هل كانت هناك عائلة مدنية؟
هل كانت إسرائيل تعلم بوجودها؟
ما طبيعة السلاح المستخدم؟
هل كان يمكن استخدام وسيلة أقل خطرًا على المدنيين؟
ما حجم الميزة العسكرية المتوقعة؟
هل كانت الخسائر المدنية المتوقعة مفرطة؟
وهل اتُخذت جميع الاحتياطات الممكنة؟
هذه ليست أسئلة سياسية.
هذه أسئلة قانون الحرب التي نسفته إسرائيل.
وعندما ترتقي عائلة كاملة شهداء تحت الأنقاض، لا يكفي أن يخرج المتحدث العسكري ليقول: «كنا نستهدف قائدًا» في المقاومة.
فالقانون الدولي لا يسأل فقط: مَن كان الهدف؟
بل يسأل أيضًا:
مَن قُتل؟ ولماذا؟ وكيف؟ وهل كان يمكن تجنب قتله؟
فعدوان قوات الإحتلال على بلدة أنصار بدم بارد نسفت قواعد التمييز أو التناسب أو الاحتياط، وإعتبار عائلة مدنية ك «ضرر جانبي» لن تكون درعًا قانونيًا.
بل قد تصبح، على العكس، جزءًا من الدليل على معرفة منفذي جريمة الحرب بحجم الخطر الذي عرّضوا له المدنيين.
فأنصار ليست رقمًا في بيان عسكري،
إنها عائلة.
والأطفال الذين إستشهدوا تحت الأنقاض لا يعرفون شيئًا عن «الأهداف العسكرية» ولا عن خرائط العمليات،
لكن القانون الدولي يعرفه.
والمطلوب اليوم ليس بيان إدانة جديدًا، بل إنشاء ملف متكامل، مع الأدلة، وفتح الطريق أمام العدالة الدولية والوطنية، بحيث لا تتحول حماية المدنيين إلى مجرد جملة في البيانات الرسمية.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
16 آب/أغسطس 2026