اشكالية تعليم الفلسفة في الجامعات.

زكريا نمر

تدخل الفلسفة إلى الجامعة باعتبارها تخصصا يهتم بالتفكير والحجة والنقد ومراجعة الافكار. لكن طريقة تدريسها داخل كثير من الجامعات تضعها في إطار مختلف. تتحول المادة من تدريب على التفكير إلى مجموعة مقررات، ومن قراءة النصوص إلى حفظ المواقف، ومن النقاش إلى امتحان يبحث عن اجابة محددة. وهنا تبدأ المشكلة: كيف يمكن تعليم الفلسفة داخل مؤسسة تقوم في جزء كبير من عملها على التنظيم والتقييم والدرجات، بينما تقوم الفلسفة على السؤال والمراجعة والاعتراض؟.هذه الاشكالية لا تعني أن تدريس الفلسفة في الجامعات فاشل بصورة مطلقة، لكنها تكشف وجود فجوة بين طبيعة الفلسفة وطريقة تقديمها للطلاب. الفلسفة ليست معلومات عن مجموعة من المفكرين، وليست تاريخا للاسماء والمدارس فقط. هي طريقة في التعامل مع السؤال، وفحص المقدمات، وبناء الحجج، ومناقشة الافكار التي تتحكم في نظرتنا إلى الانسان والمجتمع والدولة والدين والاخلاق والمعرفة.

المشكلة تبدأ عندما يصبح تاريخ الفلسفة بديلا عن ممارسة الفلسفة.في بعض المقررات الجامعية يقضي الطالب وقتا طويلا في دراسة حياة الفيلسوف ومؤلفاته ومراحل تطور فكره، ثم ينتقل إلى فيلسوف آخر بالطريقة نفسها. يعرف الطالب افلاطون وارسطو وديكارت وكانط وهيغل وماركس ونيتشه، ويحفظ تعريفات المدارس الفلسفية، لكنه لا يحصل دائما على فرصة كافية لطرح سؤال خاص به أو بناء موقف مستقل. ومع نهاية الفصل الدراسي يصبح النجاح مرتبطا بقدرته على تذكر ما ورد في المحاضرات اكثر من قدرته على مناقشة الافكار التي درسها.هذا النوع من التعليم ينتج معرفة تاريخية بالفلسفة، لكنه لا يضمن تكوين عقل فلسفي.هناك فرق بين أن يعرف الطالب ماذا قال كانط عن المعرفة، وبين أن يستطيع فحص مفهوم المعرفة نفسه. وهناك فرق بين دراسة نيتشه كاسم داخل مقرر، وبين استخدام اسئلته حول الاخلاق والقيم والنقد لفهم المجتمع الذي يعيش فيه الطالب. كما أن معرفة موقف ماركس من الاقتصاد والمجتمع لا تعني بالضرورة أن الطالب تعلم كيف يقرأ علاقة السلطة بالاقتصاد في واقعه. و يجب التمييز بين تعليم الفلسفة وتعليم تاريخ الفلسفة. تاريخ الفلسفة ضروري، ولا يمكن تجاهله، لكنه وسيلة لفهم تطور الاسئلة والافكار وليس غاية تعليمية كاملة. الاستاذ ومشكلة السلطة داخل قاعة الدرس طريقة الاستاذ في تقديم الفلسفة تؤثر كثيرا في طبيعة التجربة التعليمية. عندما يقدم الاستاذ موقفا فلسفيا باعتباره اجابة نهائية، ثم يطلب من الطالب تكراره في الامتحان، يصبح الاستاذ مصدرا للحقيقة داخل القاعة، بينما يتحول الطالب إلى متلق.وهذا يضع تدريس الفلسفة أمام تناقض واضح. كيف نطلب من الطالب أن يكون ناقدا، ثم نضع أمامه نموذجا تعليميا لا يشجع الاعتراض؟ كيف نعلمه التفكير المستقل إذا كان الاختلاف مع الاستاذ قد يؤدي إلى اعتبار اجابته غير صحيحة؟.الاستاذ في تدريس الفلسفة لا ينبغي أن يكون مجرد ناقل للمعلومات، كما أن الطالب لا ينبغي أن يكون مجرد مستمع. المطلوب مساحة حقيقية للنقاش. يمكن للطالب أن يخطئ، ويمكن أن يرفض موقف فيلسوف، ويمكن أن يعترض على تفسير الاستاذ، بشرط أن يقدم حجة واضحة. قيمة الدرس هنا لا تكون في الوصول إلى اتفاق، بل في معرفة لماذا نختلف وكيف ندافع عن الاختلاف.

المناهج التي تعيش في الماضي ومن المشكلات التي تواجه تدريس الفلسفة في بعض الجامعات ضعف ارتباط المناهج بالاسئلة المعاصرة. لا يمكن أن يبقى الطالب محصورا في الاسئلة التقليدية حول الوجود والمعرفة والاخلاق، بينما تتغير طبيعة المجتمع من حوله بصورة سريعة.هناك اسئلة فلسفية جديدة تتعلق بالذكاء الاصطناعي، والخصوصية، والبيانات، والروبوتات، والهندسة الوراثية، وتغير المناخ، والعدالة الاقتصادية، والهجرة، والهوية، والحروب الحديثة، والاعلام الرقمي، وتأثير الخوارزميات في تشكيل الرأي العام.هذه القضايا ليست بعيدة عن الفلسفة. بل هي امتداد مباشر لاسئلة قديمة حول الانسان والحرية والمسؤولية والمعرفة والسلطة والعدالة. لكن المشكلة أن بعض المناهج لا تمنحها المساحة التي تستحقها، فيجد الطالب نفسه يدرس نصوصا فلسفية قديمة دون أن يتعلم كيف يربطها بالاسئلة التي يعيشها يوميا.الفلسفة والعزلة عن التخصصات الاخرى من الصعب ايضا تطوير تعليم الفلسفة إذا بقيت الفلسفة منفصلة تماما عن العلوم الاخرى. قضايا الدولة لا يمكن فهمها دون السياسة والقانون، وقضايا العدالة لا يمكن فصلها عن الاقتصاد، وقضايا الانسان لا يمكن مناقشتها بعيدا عن علم النفس والاجتماع والعلوم الطبيعية.الطالب الذي يدرس فلسفة السياسة، مثلا، يحتاج إلى معرفة اساسية بتاريخ الدولة والمؤسسات والاقتصاد السياسي. والطالب الذي يدرس فلسفة العلم يحتاج إلى فهم طبيعة المنهج العلمي. أما فلسفة التكنولوجيا فلا يمكن تدريسها بصورة جيدة دون معرفة حقيقية بالتكنولوجيا نفسها.التخصص لا يعني العزلة. الجامعة الحديثة تحتاج إلى حوار بين الاقسام، لأن المشكلات التي تواجه الانسان لا تأتي في صورة تخصصات منفصلة.

مشكلة القراءة لا يمكن الحديث عن تعليم فلسفي جاد دون الحديث عن القراءة. الطالب الذي يعتمد على ملزمة مختصرة أو شرح جاهز لن يحصل على التجربة نفسها التي يحصل عليها عندما يواجه النص الاصلي.النص الفلسفي صعب في كثير من الاحيان، وهذا جزء من طبيعته. يحتاج إلى قراءة بطيئة، وملاحظات، ومقارنة بين الفقرات، والعودة إلى المفاهيم الاساسية. لكن بعض الطلاب يتعاملون مع النص الفلسفي باعتباره عقبة يجب تجاوزها قبل الامتحان، وليس مادة يجب التفكير فيها.المشكلة ليست في الطالب وحده. الجامعات مطالبة ايضا بتوفير مكتبات جيدة، وترجمات موثوقة، ومصادر حديثة، وحصص مخصصة لقراءة النصوص وتحليلها. لا يمكن مطالبة الطالب بالقراءة إذا كانت البيئة الجامعية نفسها لا تجعل الكتاب جزءا اساسيا من الحياة التعليمية.الامتحان ومشكلة الاجابة النموذجية تدريس الفلسفة يواجه مشكلة واضحة عندما يصبح الامتحان قائما على استعادة المعلومات. السؤال الذي يطلب من الطالب تعريف مذهب فلسفي أو تعداد خصائصه يمكن أن يقيس الحفظ، لكنه لا يقيس بالضرورة القدرة على التفكير.يمكن أن يحصل الطالب على درجة ممتازة في مادة الفلسفة لأنه حفظ المحاضرات، ثم يعجز عن كتابة فقرة واحدة يدافع فيها عن موقفه بحجة واضحة.التقييم الفلسفي يحتاج إلى اسئلة مختلفة: تحليل نص، مقارنة حجتين، نقد موقف، بناء حجة مضادة، مناقشة قضية اخلاقية، أو كتابة مقال يدافع فيه الطالب عن رأي مع تقديم مبرراته. بهذه الطريقة يصبح الامتحان امتدادا لطبيعة الفلسفة، لا عكسها.اللغة ومشكلة الوصول إلى النص الفلسفي هناك ايضا مشكلة اللغة. كثير من النصوص الفلسفية تصل إلى الطالب من خلال ترجمات مختلفة، وبعض المفاهيم تفقد جزءا من معناها أثناء الترجمة. كما أن بعض المصطلحات تحتاج إلى شرح دقيق حتى لا تتحول دراسة الفلسفة إلى حفظ لتعريفات غامضة.الطالب يحتاج إلى تعلم المصطلح، لكنه يحتاج ايضا إلى فهمه داخل سياقه. الفرق كبير بين حفظ تعريف الحرية مثلا وبين القدرة على مناقشة العلاقة بين الحرية والمسؤولية والقانون والسلطة.ولهذا يجب أن تهتم اقسام الفلسفة بتعليم الطالب كيفية التعامل مع المصطلح، ومقارنة الترجمات، والعودة إلى النص، ومعرفة الاختلاف بين الاستخدام العام للمفهوم واستخدامه الفلسفي.

الفلسفة في مجتمعات تعاني ازمات سياسية واجتماعيةتزداد أهمية الفلسفة في المجتمعات التي تواجه مشكلات سياسية واجتماعية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تصبح اكثر عرضة للتهميش. في مجتمعات تعاني من الحرب والاستقطاب السياسي والفساد وضعف المؤسسات والانقسامات الاجتماعية، يحتاج الناس إلى التفكير في مفاهيم العدالة والسلطة والحق والمواطنة والمسؤولية.لكن كثيرا من الجامعات تتعامل مع الفلسفة كأنها تخصص بعيد عن المشكلات اليومية. وهذا يجعل الطالب يدرس مفاهيم سياسية واخلاقية داخل قاعة الدرس، ثم يخرج إلى واقع لا يجد فيه مساحة لمناقشتها.لا يعني ذلك أن الفلسفة يجب أن تتحول إلى نشاط سياسي مباشر، بل أن تكون قادرة على قراءة الواقع ومساءلة الافكار التي تبرر ممارسات السلطة والمجتمع. مشكلة فرص خريجي الفلسفة هناك جانب آخر لا يحظى بالنقاش الكافي، وهو مستقبل خريج الفلسفة. بعض الطلاب يدخلون التخصص دون معرفة واضحة بالمسارات المهنية الممكنة بعد التخرج. وهذا يضع القسم أمام مسؤولية تقديم تصور اوسع عن مهارات خريج الفلسفة.خريج الفلسفة لا يملك فقط معرفة بتاريخ الفكر، بل يمكن أن يمتلك مهارات في تحليل النصوص، والبحث، والكتابة، وبناء الحجج، والنقد، والتفكير المنطقي. هذه المهارات يمكن أن تكون مفيدة في التعليم والاعلام والبحث والسياسات العامة والعمل الثقافي والكتابة والتحليل، إذا جرى تطويرها بصورة عملية داخل الجامعة.لكن ذلك يتطلب تجاوز الصورة التقليدية للقسم باعتباره مكانا لدراسة الفلاسفة فقط.ما الذي يجب تغييره؟ إصلاح تعليم الفلسفة يبدأ من تغيير السؤال الذي نطرحه على الطالب. بدلا من أن نسأله فقط: ماذا قال الفيلسوف؟ ينبغي أن نسأله ايضا لماذا قال ذلك؟ ما حجته؟ ما الافتراض الذي يقوم عليه؟ هل حجته مقنعة؟ ما الاعتراض الممكن عليه؟ وهل يمكن تطبيق هذه الفكرة على مشكلة معاصرة؟ ينبغي كذلك تقليل الاعتماد على التلقين، وزيادة حلقات النقاش وقراءة النصوص والكتابة النقدية. كما يجب تحديث المقررات، وربط الفلسفة بالعلوم الاجتماعية والطبيعية والتكنولوجيا، وإعادة النظر في طرق التقييم.الفلسفة لا تحتاج إلى أن تصبح اسهل حتى يقبل عليها الطلاب. تحتاج إلى أن تصبح اكثر اتصالا بحياتهم الفكرية والاجتماعية. الطالب يجب أن يشعر أن ما يقرأه ليس مجرد مادة سيمتحن فيها، بل مجموعة من الاسئلة التي يمكن أن تغير طريقته في النظر إلى العالم.

اشكالية تعليم الفلسفة في الجامعات ليست مشكلة مادة دراسية صعبة، بل مشكلة نموذج تعليمي كامل. عندما تختزل الفلسفة في تاريخ الفلاسفة، تخسر جزءا كبيرا من وظيفتها. وعندما تختزل في ملخصات وامتحانات، تتحول إلى معرفة للحفظ. وعندما تمنع الطالب من الاعتراض، تفقد اهم عنصر فيها.الجامعة التي تدرس الفلسفة مطالبة بأن توفر للطالب مساحة للتفكير لا مجرد قاعة للمحاضرات. ومهمة الاستاذ ليست أن يجعل الطالب نسخة منه، بل أن يساعده على امتلاك ادواته الخاصة في التفكير. أما الطالب، فلا ينبغي أن يخرج من القسم وهو يعرف فقط ماذا قال الفلاسفة، بل وهو قادر على أن يسألهم، ويناقشهم، ويرفض بعض افكارهم، ويقبل بعضها، ثم يبدأ في بناء موقفه الخاص.إذا لم ينتج تعليم الفلسفة انسانا قادرا على السؤال والنقد وتحليل الحجة ومراجعة افكاره، فالمشكلة ليست في الفلسفة، بل في الطريقة التي قدمناها بها.الفلسفة لا تفقد قيمتها عندما يختلف الطالب مع الاستاذ، بل تبدأ قيمتها الحقيقية من تلك اللحظة.

#زكريا_نمر