رياض سعد
ثمة أخبار لا تمرّ على الإنسان مروراً عابراً، لأنها لا تحمل في تفاصيلها مجرد حادثة جنائية، بل تفتح أمامه سؤالاً أكبر عن الدولة والقانون وكرامة العراقي وحقوق الإنسان.
وأنا أتصفح صفحات التواصل الاجتماعي، استوقفتني صورة قاسية وخبر صادم يتحدث عن وفاة أحد منتسبي وزارة الدفاع العراقية، **محمد خضير عباس شبيب الركابي**، في ظروف قيل إنها ارتبطت بتعرضه لتعذيب شديد داخل وحدته العسكرية… ؛ ولأن المعلومات المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي لا تكفي وحدها لإثبات المسؤولية الجنائية، فإن القضية، في هذه المرحلة، يجب أن تُعامل بوصفها **شبهة خطيرة تستوجب تحقيقاً مستقلاً وشفافاً، لا حكماً مسبقاً بالإدانة أو البراءة**.
وقد أصدرت وزارة الدفاع العراقية في 17 آب/أغسطس 2026 تنويهاً قالت فيه إنها باشرت تحقيقاً رسمياً بشأن وفاة المنتسب، وإن الجهات المختصة ستتحقق من أسباب الوفاة وملابساتها والمسؤوليات المترتبة عليها، مؤكدة أن نتائج التحقيق ستُعلن بعد اكتماله، وداعية وسائل الإعلام ومستخدمي مواقع التواصل إلى توخي الدقة… ؛ وبحسب النص الذي أوردته الوزارة، فإن البيان وقّعه اللواء يحيى رسول عبدالله.
وهذا الموقف الرسمي هو الخطوة الأولى، لكنه ليس نهاية القضية.
فالتحقيق الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد إجراء إداري يُغلق ملفاً، بل يجب أن يكون طريقاً للوصول إلى الحقيقة كاملة: كيف توفي الرجل؟ أين توفي؟ من كان معه؟ هل تعرض للتعذيب؟ هل توجد آثار إصابات؟ من قام بالتحقيق معه؟ وهل جرى انتهاك الإجراءات القانونية؟ وهل حاول أحد إخفاء الأدلة أو التأثير في التحقيق؟
هذه ليست أسئلة سياسية.
إنها أسئلة دولة.
# من الاتهام إلى التحقيق
تتداول صفحات ومصادر غير رسمية رواية مفادها أن الفقيد كان يعمل في معسكر التاجي ضمن آمرية المستودعات والعينة المركزية، وأن وفاته جاءت بعد اتهامه بسرقة ثلاث بنادق، وأنه تعرض، بحسب هذه الرواية، لتعذيب شديد داخل الوحدة، مع وجود آثار إصابات على جسده.
كما تتداول رواية أخرى تتحدث عن تورط مسؤولين في الوحدة في عملية التعذيب أو التحقيق، وعن محاولة للتستر على الحادث.
لكن كل هذه التفاصيل، مهما كانت خطورتها، **تبقى ادعاءات تحتاج إلى الإثبات القضائي**
وهنا ينبغي أن نكون أكثر دقة من مواقع التواصل الاجتماعي نفسها؛ فلا يجوز لنا أن نحول الاتهام إلى إدانة قبل انتهاء التحقيق، كما لا يجوز في المقابل أن تتحول عبارة «التحقيق جارٍ» إلى وسيلة لدفن القضية.
فالعدالة لا تعني أن نصدق كل ما يُقال.
والعدالة أيضاً لا تعني أن نشكك في كل ما يُقال.
العدالة تعني أن نصل إلى الحقيقة.
# إذا كان هناك سارق… فلا يصبح التعذيب مباحاً
حتى لو ثبت أن محمد خضير كان متورطاً في سرقة أسلحة، فإن ذلك لا يمنح أي مسؤول في الدولة الحق في تعذيبه.
هذه قاعدة ينبغي ألا تكون موضع نقاش.
المتهم متهم، وليس مجرماً حتى تثبت إدانته بحكم قضائي. والتحقيق وسيلة للوصول إلى الحقيقة، وليس عقوبة تسبق المحاكمة.
الدولة التي تسمح لموظف أو ضابط أو مسؤول بأن ينتزع الاعتراف بالقوة لا تحمي القانون، بل تهدمه.
وإذا كانت هناك ثلاث بنادق مفقودة، فهناك تحقيق ومحاضر وضبط قضائي وأدلة وشهود وقضاء… , أما الضرب والإهانة والإكراه والتعذيب، فلا يمكن أن تكون بديلاً عن القانون.
بل إن الاعتراف المنتزع تحت التعذيب لا يصنع عدالة؛ إنه يصنع ضحية أخرى، وقد يقود إلى اعتراف كاذب، وإلى اتهام بريء، وإلى إفلات الجاني الحقيقي من العقاب.
# المشكلة أكبر من حادثة واحدة
المشكلة الأخطر ليست في حادثة بعينها، وإنما في احتمال أن يتحول التعذيب من **جريمة فردية** إلى **ثقافة مؤسسية**.
وهنا ينبغي أن نتوقف.
العراق عانى طويلاً من إرث التعذيب السياسي والأمني في عهد النظام البعثي الاجرامي البائد والانظمة الهجينة التي سبقته ، حين تحولت مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية إلى أدوات للقمع، وأصبح الخوف جزءاً من الحياة اليومية للعراقيين.
ولذلك فإن عراق ما بعد 2003 لا يستطيع أن يتعامل مع التعذيب بوصفه مجرد تجاوز فردي بسيط.
فالدولة الجديدة يفترض أن تكون على قطيعة تامة مع دولة الرعب وجمهورية الخوف ، لا نسخة مخففة منها.
ومن الخطأ أيضاً إطلاق تعميمات تقول إن التعذيب أصبح «منهجاً حكومياً في جميع الوزارات والدوائر»، ما لم تستند هذه التهمة إلى أدلة موثقة ودراسات مستقلة… ؛ لكن تكرار التقارير والشكاوى عن سوء المعاملة أو التعذيب أو الوفيات أثناء الاحتجاز، متى ثبتت وقائعها، يكفي لفرض سؤال جدي على الدولة: هل توجد آليات رقابة تمنع هذه الانتهاكات وتحاسب مرتكبيها؟
إن وجود حادثة واحدة موثقة للتعذيب داخل مؤسسة رسمية أمر خطير.
وتكرار الحوادث أخطر.
أما السكوت عنها، فهو الأخطر على الإطلاق.
# لا دولة بلا كرامة الإنسان
الدولة ليست بنايات وزارات، ولا سيارات حكومية، ولا رتباً عسكرية، ولا أختاماً رسمية.
الدولة هي القانون.
والقانون يبدأ من الإنسان.
حين يدخل المواطن مؤسسات الدولة يجب أن يدخل وهو يعرف أن هناك قانوناً يحميه… , وإذا أصبح الموظف أو المنتسب أو المعتقل يخشى أن تتحول غرفة التحقيق إلى غرفة تعذيب، فقد انهارت أهم وظيفة للدولة: **حماية الإنسان من تعسف القوة**.
ولهذا فإن قضية محمد خضير، إن أثبت التحقيق تعرضه للتعذيب، لا ينبغي أن تُعامل بوصفها قضية عائلة أو عشيرة فقط.
إنها قضية مجتمع.
فقد تكون للعشيرة القدرة على المطالبة بحق ابنها، وقد تستطيع العائلة الوصول إلى مسؤولين ومحامين ووسائل إعلام، لكن السؤال الأكثر إلحاحاً هو:
**ماذا عن المواطن الذي لا عشيرة له؟**
ماذا عن الفقير الذي لا يعرف مسؤولاً؟
ماذا عن الشاب الذي يدخل دائرة حكومية ولا يملك سوى هويته الشخصية؟
ماذا عن الإنسان الذي يتعرض للإهانة خلف باب مغلق، ولا يوجد في الخارج من يسمع صوته؟
هؤلاء هم الاختبار الحقيقي للدولة.
فالدولة العادلة لا تحمي القوي لأنه قوي، ولا تحمي ابن العشيرة لأنه ابن عشيرة، وإنما تحمي الضعيف لأنه **إنسان**.
# لا نريد ثأراً… نريد عدالة
ومن المهم هنا ألا تتحول المطالبة بكشف الحقيقة إلى دعوة للثأر العشائري.
نحن لا نحتاج إلى عشيرة تنتقم من عشيرة، ولا إلى عائلة تواجه مؤسسة مسلحة، ولا إلى شارع يحاكم المتهمين.
نحتاج إلى **قضاء مستقل وتحقيق مهني ومحاسبة قانونية**.
إذا ثبت أن أحداً عذب الفقيد، فليُحاسب وفق القانون، أياً كانت رتبته وموقعه وانتماؤه.
وإذا ثبت أن مسؤولاً تستر على الجريمة، فيجب أن يتحمل مسؤوليته.
وإذا ثبت أن الرواية المتداولة غير صحيحة، فيجب إعلان الحقيقة للرأي العام بوضوح، وإنصاف كل من اتُّهم ظلماً.
هذه هي العدالة.
لا أن نبحث عن إدانة سريعة، ولا أن نبحث عن تبرئة سريعة.
# المطلوب من وزارة الدفاع
إن وزارة الدفاع مطالبة، قبل غيرها، بأن تثبت أن شعارها ليس مجرد شعار.
فالمؤسسة العسكرية التي تطلب من منتسبيها التضحية والانضباط والطاعة، مطالبة في المقابل بأن تحميهم من التعسف والإهانة والتعذيب.
وفي قضية محمد خضير تحديداً، ينبغي أن يكون التحقيق شاملاً ومستقلاً قدر الإمكان، وأن يتضمن فحص التقارير الطبية والطب العدلي، وسجلات الوحدة، وأوامر التحقيق، وأسماء المسؤولين عن احتجازه واستجوابه، وشهادات زملائه، وأي تسجيلات كاميرات مراقبة متاحة، وسائر الأدلة التي يمكن أن تكشف حقيقة ما جرى.
كما ينبغي إعلان نتائج التحقيق للرأي العام في حدود ما يسمح به القانون، لأن الغموض في مثل هذه القضايا يولد الشائعات، والشائعات تولد فقدان الثقة، وفقدان الثقة أخطر من الاعتراف بوجود خلل ومعالجته.
# حقوق الإنسان ليست ترفاً
يجب ألا نتعامل مع حقوق الإنسان باعتبارها خطاباً غربياً أو شعاراً سياسياً أو مادة تستخدمها المنظمات الدولية ضد العراق.
حقوق الإنسان هي في جوهرها حماية الإنسان من ظلم الإنسان.
وهي قبل ذلك كله قيمة عراقية أيضاً؛ فالإنصاف والعدل وحرمة النفس ورفض الظلم ليست قيماً مستوردة.
وحين تمنع الدولة التعذيب، فهي لا تتنازل عن هيبتها.
بل تستعيد هيبتها.
أما الدولة التي تخاف من التحقيق مع موظف أو ضابط لأنها تخشى المساس بهيبة المؤسسة، فهي تخلط بين **هيبة الدولة وهيبة الجلاد**.
لا هيبة لمن يعذب.
ولا هيبة لمؤسسة تستر على التعذيب.
ولا هيبة لدولة تُهان فيها كرامة الإنسان خلف الأبواب المغلقة.
الهيبة الحقيقية أن يعرف الجميع أن القانون فوق الجميع.
# كلمة أخيرة
قد تكون قضية محمد خضير حادثة فردية، وقد يكشف التحقيق عن جريمة تعذيب، وقد يكشف عن أسباب أخرى للوفاة… , ونحن لا نملك، في هذه اللحظة، حق إصدار الحكم قبل اكتمال الأدلة.
لكننا نملك حقاً آخر لا ينبغي أن يتخلى عنه أحد:
**حق السؤال.**
نسأل وزارة الدفاع:
ماذا حدث لمحمد خضير؟
ونسأل الجهات القضائية:
هل سيجري التحقيق باستقلالية وشفافية؟
ونسأل المؤسسات الرقابية:
هل ستتابع القضية حتى نهايتها؟
ونسأل منظمات حقوق الإنسان:
أين أنتم من ضحايا الانتهاكات داخل مؤسسات الدولة؟
ونسأل الحكومة العراقية:
هل تريدون دولة قانون حقاً، أم دولة يخشى فيها المواطن من الموظف أكثر مما يخشى الموظف من القانون؟
إن دم الإنسان ليس ورقة في ملف إداري، وكرامته ليست تفصيلاً يمكن تأجيله، والتعذيب ليس وسيلة تحقيق، بل انتهاك جسيم لحقوق الإنسان وجريمة ينبغي أن يحاسب عليها مرتكبها إذا ثبتت.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس الانتقام من أحد، ولا إطلاق الاتهامات جزافاً، وإنما **الحقيقة أولاً، ثم العدالة، ثم المحاسبة**.
وإذا أثبت التحقيق أن محمد خضير مات نتيجة التعذيب، فلتكن قضيته نقطة تحول حقيقية، لا خبراً عابراً يختفي بعد أيام.
لأن العراق الذي خرج من عقود الاستبداد والحروب يستحق دولة لا تعيد إنتاج جلّادي الماضي بوجوه جديدة.
**نريد دولة يخاف فيها الجلاد من القانون، لا المواطن من الجلاد.**