حين عاد شهوبي في تابوت

رياض سعد

كان شهاب، أو كما كنا نسميه نحن الصغار: **شهوبي**، كردياً من أهلنا، يسكن مع عائلته أول الأمر في منطقة باب الشيخ، في محلة رأس الساقية، ثم انتقلوا إلى بيت قريب من بيتنا، فصار شهوبي جزءاً من المشهد اليومي للحي، مثل البقالة القديمة، وبائع اللبن، وصوت المؤذن عند الفجر.

كان شهوبي يومها شاباً يملأ العين قبل المكان.

ضخم الجثة، عريض المنكبين، كثيف الشارب، أصفره كأنه مرسوم بمسطرة، لا يترك شيئاً للصدفة في مظهره.

كان من **القوات الخاصة**، ووحدته العسكرية في شمال العراق، قرب جبل ماوت… ؛  وإذا نزل إجازة، عاد إلى الحي كأنه خرج لتوه من صورة عسكرية: بدلة مرقطة مكوية بعناية، وبوت جلدي أحمر لامع، وبيرية حمراء يضعها على رأسه باستقامة غريبة.

وكان، على الرغم من ضخامة جسده وهيبته العسكرية، أنيقا  (نازكاً )ومرتباً إلى حد يثير إعجابنا نحن الصغار.

كنا نراه من بعيد فنهمس:

— شوفوا شهوبي… رجع من الجبهة!

وكان يبتسم لنا، ويمرر يده على رؤوسنا، ثم يذهب إلى بيتهم.

لكننا كنا نعرف أن إجازته لم تكن للراحة.

كان لشهوبي موعد آخر.

في منطقة الـستمئة في الصليخ الجديد، كانت تسكن فتاة أحبها منذ سنوات… ؛  فتاة هادئة، لم تكن تعرف من الحرب إلا ما يصل إلى الحي من صافرات الانذار، ومن أخبار القتلى، ومن أمهات يخرجن مسرعات إلى الشوارع حين تتوقف سيارة عسكرية أمام بيت.

وكان شهوبي، كلما نزل من الجبهة، يقضي جزءاً كبيراً من إجازته بالقرب من النادي في منطقتهم.

لم يكن يفعل شيئاً.

كان يجلس، أو يمشي بلا هدف، وينتظر.

وحين تخرج الفتاة عصراً لتكنس أمام باب بيتهم وترش الماء على الرصيف، كان قلب شهوبي يتصرف كقلب فتى في السادسة عشرة، لا كقلب جندي يقف على جبل في الشمال.

تخرج الفتاة، تكنس عتبة الدار، ترش الماء، ثم ترفع رأسها للحظة.

وكانت تلك اللحظة تكفيه لإجازة كاملة.

تقدم شهوبي لخطبتها.

وبعد أيام جاء الخبر إلى الحي:

— شهوبي تزوج!

كان ذلك في عام 1985.

لم تكن الأعراس في ذلك الزمن تشبه أعراس اليوم… ؛  الحرب كانت واقفة عند الباب، والجنود لا يعرفون كم يوماً تفصلهم عن الجبهة، والأمهات لا يعرفن هل سيعود أبناؤهن من الإجازة التالية أم ستأتي ملابسهم وحدها.

أقيمت الحنّة في الشارع.

وجاءت أم فيصل (المالچية) المالكية ، جارتنا، وكانت امرأة فقيرة طيبة القلب، فحنّت شهوبي بيديها؛ فقد كانت أمه، من شدة الفقر والحياء، لا تملك ما يكفي لإقامة طقوس العرس كما ينبغي.

قالت له وهي تضع الحنّة على يده:

— الله يجعلها حنّة العمر يا شهوبي.

ضحك شهوبي.

وقال:

— العمر كله يا أم فيصل.

لكن أم فيصل سكتت قليلاً، ونظرت إلى وجهه، ثم قالت:

— بس لا تتأخر علينا.

ضحك شهوبي مرة أخرى، وكأنها قالت شيئاً لا يستحق التفكير.

كان الشباب في زمن الحرب يضحكون كثيراً.

ربما لأنهم كانوا يعرفون أن البكاء قريب.

انتهت إجازته.

عاد إلى وحدته.

ومضت الأيام.

ثم جاء الخبر.

لم تكن سيارة الإسعاف هي التي وصلت.

كانت سيارة عسكرية.

وكان معها ذلك الصمت الذي تعرفه الأحياء العراقية جيداً.

**شهوبي استشهد.**

انتهى كل شيء بهذه الجملة القصيرة.

انتهى العرس.

انتهت الحنّة.

انتهت إجازة الزواج.

وانتهت أحلام المرأة التي لم يمض على زواجها سوى وقت قصير.

ثم اكتشفت زوجته أنها حامل.

كان الطفل يكبر في بطن امرأة أرملة، فيما أبوه مدفون في مكان بعيد لا تعرفه إلا الخرائط العسكرية.

ولم يكن الطفل يعرف أباه.

سيعرفه من صورة.

ومن حكايات أمه.

ومن جملة ستظل تتكرر أمامه:

— أبوك كان رجالاً طيباً… وكان يحبك قبل أن تولد.

كبرت مأساة العائلة.

كان لشهوبي أخ أصغر اسمه **وهاب**.

وكان وهاب شاباً وسيماً، ضخماً هو الآخر، كثيف الشعر، أصفر الشارب، يشبه أخاه في الهيئة حتى إن بعض الناس كانوا يقولون:

— لو تشوف وهاب من بعيد، تحسب شهوبي رجع من الجبهة.

لكن الحرب لم تكن قد اكتفت بشهوبي.

كان لوهاب مصيره الخاص معها.

نُقل من ديالى إلى البصرة، وأصبح من القوات الخاصة أيضاً.

وحين بدأ الحديث داخل العائلة عن زواج زوجة شقيقه، كان الكلام ثقيلاً.

قال أحدهم:

— الطفل يحتاج أباً.

وسكتت الأم.

كان الجميع يعرف ما تعنيه الجملة.

قال وهاب:

— وأنا؟

قال أبوه:

— أنت أخوه.

— أعرف.

— والطفل ابن أخوك.

ظل وهاب صامتاً.

قالت أمه:

— لا أحد يجبرك يا ابني.

لكنه كان يعرف أن العائلة، والفقر، والطفل، وذكرى شقيقه، كلها تقف أمامه.

تزوج وهاب أرملة أخيه.

لم يكن الزواج قصة حب.

كان زواجاً من نوع آخر؛ زواجاً صنعته الحرب، وصاغته الحاجة، وألقى الطفل الصغير في وسطه كأنه آخر قطعة باقية من رجل مات بعيداً عن بيته.

وبعد نحو تسعة أشهر، التحق وهاب بوحدته.

هذه المرة كانت الجبهة في **شرق البصرة، في معارك الشلامجة**.

ثم جاء الخبر الثاني.

**وهاب استشهد أيضاً.**

كنت يومها صغيراً.

صغيراً إلى درجة أن الحرب كانت بالنسبة إليّ شيئاً نسمعه أكثر مما نفهمه.

كنا نلعب كرة القدم في الشارع.

كانت الكرة تقفز بين أرجلنا، ونركض خلفها، ونتشاجر على هدف لم يدخل المرمى أصلاً.

وكان الشتاء بارداً.

وفي عصر أحد الأيام، دخلت إلى الشارع سيارة **كراون**.

لم تكن سرعتها هي التي لفتت انتباهنا.

بل ما كان فوقها.

تابوت.

تابوت ملفوف بالعلم العراقي.

توقفت الكرة.

توقفنا جميعاً.

لم نعد أطفالاً في تلك اللحظة.

ركضنا خلف السيارة.

لم نكن نعرف لماذا نركض.

ربما لأن الفضول أقوى من الخوف.

وربما لأننا كنا نريد أن نعرف: لمن هذا التابوت؟

توقفت السيارة أمام بيت أبي شهاب.

نزل منها شاب عسكري يحمل أوراقاً صفراء.

لم يتكلم كثيراً.

لم يكن بحاجة إلى الكلام.

أحياناً يكفي أن تحمل سيارةٌ تابوتاً إلى بيت حتى يفهم الحي كله.

خرجت أم شهاب.

كانت ( مخروعة ) قلقة خائفة مرتبكة .

كأنها لم تصدق ما رأته.

تبعها حمو أخيه الأصغر.

ثم خرجت عايدة، أخت شهاب الكبرى، تركض في منتصف الشارع.

كانت تدق صدرها وتلطم وجهها، ثم شقت فستانها وهي تصرخ.

لم أعد أذكر الكلمات التي قالتها.

لكنني أذكر الصوت.

ذلك الصوت الذي لا يشبه أصوات الناس.

صوت امرأة خرج قلبها من مكانه.

أذكر أنها أمسكت **بطابوقة بناء كاملة**.

أقسم بالله.

رفعتها بيديها، وضربت بها صدرها وهي تصرخ:

— وهاب… وهاب!

لم يكن أحد يعرف كيف يمنعها.

اندفع الجيران نحوها.

أمسكها رجل من الخلف.

وقال:

— عايدة! عايدة! بابا … اهدئي!

لكن كيف يمكن للإنسان أن يهدأ حين يرى أخاه يعود إليه داخل تابوت؟

سقطت على الأرض.

ثم فقدت وعيها.

حملها الجيران إلى المستشفى.

وبقي التابوت في البيت.

وبقيت الكرة في الشارع.

وبقي الأطفال واقفين لا يعرفون ماذا يفعلون.

في تلك اللحظة فقط، بدأت أفهم أن الحرب ليست خريطةً معلقة في غرفة عمليات.

الحرب ليست سهماً يتحرك على شاشة.

وليست بياناً عسكرياً يقرأه مذيع بوجه جامد.

الحرب بيت.

وأم.

وزوجة.

وطفل يولد بلا أب.

وأخ يتزوج أرملة أخيه ثم يعود هو الآخر داخل تابوت.

الحرب شارع يتوقف فيه الأطفال عن اللعب لأن سيارة كراون دخلت إليه.

الحرب امرأة ترفع طابوقة وتضرب بها صدرها لأنها لم تجد شيئاً آخر تضرب به هذا العالم الذي أخذ منها أبناءها واخوتها .

كان شهوبي واحداً من آلاف القصص التي ابتلعتها الحرب العراقية الإيرانية.

لا أعرف إن كانت الأرقام قادرة على شرح الفاجعة.

فالأرقام باردة.

أما الموت فكان ساخناً.

كان له وجه أم شهاب.

وصوت عايدة.

ويد الطفل الذي لم يعرف أباه.

وكان له أيضاً وجه وهاب، الذي دخل الحرب بعد أخيه، ثم خرج منها بالطريقة نفسها التي خرج بها أخوه: **تابوتاً ملفوفاً بالعلم.**

وقد قُدّمت تقديرات مختلفة لحجم الخسائر البشرية في الحرب العراقية الإيرانية، كما تراكمت خلالها أعداد كبيرة من الأسرى والمفقودين، فضلاً عن كلفة اقتصادية هائلة ودمار واسع أصاب البنية التحتية والاقتصاد العراقي… ,  ولا ينبغي اختزال هذه المأساة كلها في رقم واحد، لأن تقديرات الضحايا تختلف باختلاف المصادر ومنهجيات الإحصاء.

لكن حتى لو اختلف المؤرخون في عدد القتلى، فلن يختلفوا في شيء واحد:

**كان الموت كثيراً إلى درجة أن العراق تعلّم كيف يستقبل التوابيت كما يستقبل الفصول الاربعة .**

استمرت الحرب ثماني سنوات.

ثماني سنوات طويلة من الجبهات والبيانات والرايات والحدود.

وفي النهاية، انتهت الحرب بقبول العراق قرار وقف إطلاق النار رقم 598.

وبعد كل ذلك الدم، لم تنتهِ القصة بانتصار حاسم يبرر حجم الخسائر، ولم يعد شط العرب إلى ما كان يتصوره الخطاب الرسمي العراقي في سنوات الحرب.

بل إن النظام العراقي عاد لاحقاً، في عام 1990، إلى تأكيد قبوله باتفاقية الجزائر لعام 1975، التي كان قد ألغى العمل بها قبيل اندلاع الحرب.

وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات الحرب قسوة:

**أن الرجل الذي ذهب إلى الجبهة وهو يعتقد أنه يدافع عن حدودٍ ستبقى له، قد لا يعرف أن الحدود نفسها يمكن أن تعود إلى طاولة المفاوضات بعد سنوات من موته.**

أما شهوبي، فلم يعد.

ووهاب لم يعد.

وأمثالهما لم يعودوا.

عادوا فقط في صناديق خشبية، وعلى أكتاف رجال آخرين، وفي صور معلقة على جدران البيوت.

أما الأطفال الذين كنا يومها نركض خلف كرة القدم، فقد كبروا.

وكبرت معهم ذاكرة ذلك الزمن الاغبر .

وكلما رأيت اليوم علماً عراقياً يرفرف فوق تابوت، أتذكر سيارة الكراون التي دخلت شارعنا في ذلك الشتاء.

أتذكر كيف توقفت الكرة.

كيف توقفنا نحن.

وكيف، في لحظة واحدة، فهمنا شيئاً لم نكن نملك اسماً له يومها:

**أن الحرب لا تأخذ الذين يذهبون إليها وحدهم؛ إنها تأخذ الذين ينتظرونهم أيضاً.**

وربما لهذا السبب، لا أستطيع أن أتذكر شهوبي بوصفه رقماً في سجل الشهداء.

أتذكره رجلاً.

بشاربه الأصفر.

وبدلتِه المرقطة المكوية.

وببيريته الحمراء.

وببوتِه الجلدي اللامع.

أتذكره شاباً كان يحب فتاة في حي الصليخ، وكان ينزل من الجبهة كي يراها تكنس عتبة بيتها وترش الماء أمام الباب.

ثم أتذكر تلك المرأة التي حملت طفله في بطنها، وانتظرته حتى صار انتظارها يتيماً.

وأتذكر وهاب، الذي دخل الحكاية أخاً، وخرج منها شهيداً.

وحين أسأل نفسي: ماذا بقي من كل ذلك؟

لا أجد جواباً طويلاً.

بقي طفل.

وصورة.

وأم فقدت ولدين.

وأخت كسرت صدرها بطابوقة من شدة الفجيعة.

وبقي شارع صغير في بغداد، ربما نسيه الجميع، لكنه ما زال يحتفظ في ذاكرته بصوت سيارة كراون توقفت ذات عصر شتائي، وبداخلها تابوت ملفوف بالعلم العراقي.

**تلك هي الحرب حين تنزل من كتب التاريخ إلى البيوت:

تصير اسماً نعرفه، ووجهاً نحبه، وكرسياً فارغاً لا يجلس عليه أحد أبداً.**