منظمة عراقيون ضد الفساد
إن الإفراج السريع عن قيادي في أحد الفصائل المسلحة غير الخاضعة لسلطة الدولة، وعلى الرغم من امتلاك الأجهزة الاستخبارية لملف متكامل حول دوره في عمليات تخطيط وتنفيذ اغتيالات حساسة – من بينها التخطيط لمحاولة استهداف رأس المؤسسة القضائية – يكشف عن معضلة بنيوية تتجاوز حدود الحادثة نفسها. فطريقة الإفراج السريع بعد ساعات والتي جاءت وفق تسوية عاجلة لتجنب انفلات أمني في بغداد ومنع انزلاق المشهد نحو سيناريو مشابه لما شهدته السودان، تؤشر إلى أن الدولة، بكل مؤسساتها العسكرية والأمنية، ما تزال عاجزة عن فرض هيبتها على الفاعلين المسلحين . ومع اقتراب موعد الثلاثين من أيلول، يتعامل الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي مع هذا التاريخ بوصفه اختبارًا وجوديًا للدولة العراقية، لا مجرد محطة سياسية . فكل التصريحات التي تتحدث حاليا ومن خلال مختلف وسائل الإعلام ” المقروءة والمسموعة والمرئية ” عن إيجاد “حل نهائي” لهذا الملف تبدو بعيدة عن الواقع، وحسب التسريبات المسؤولين تفيد لنا وبصراحة ووضوح أكثر لا لبس فيه :” لا توجد حتى اللحظة صيغة حاسمة أو اتفاق شامل يمكن أن يضمن معالجة جذرية للسلاح المنفلت . وحتى لو سُئل في هذه اللحظة الحالية السيد رئيس الوزراء خلف الأبواب المغلقة عن وجود حل نهائي ، فإن الإجابة – وفق ما يتداوله المطلعون – ستكون بالنفي القاطع ، مع الإقرار بوجود عشرات المقترحات، لكن دون وجود خيار جذري وحل نهائي صارم وملزم يحفظ هيبة الدولة وكرامتها أمام مطالب الفصائل الولائية التي تضع شروطًا مسبقة وسقف طموحات تتجاوز قدرة الحكومة الفعلية على الاستجابة لها ناهيك عن استحالة تنفيذها ــ أخراج القوات التركية من معسكراتها في شمال العراق وحل البيشمركة الكردية وغيرها من الشروط التعجيزية ” وبهذا المعنى، فإن ما جرى خلال الساعات الماضية لا يمثل حادثًا معزولًا، بل يكشف عن هشاشة المعادلة الأمنية والسياسية، ويضع البلاد أمام لحظة مفصلية ستحدد شكل الدولة وقدرتها على الصمود أمام تحديات السلاح غير المنضبط.
في تطور غير معلن رسميًا حتى الآن، تكشف تسريبات من مصادر مسؤولة رفيعة المستوى داخل أروقة مجلس النواب عن : ” وجود حالة حاليا غير مسبوقة من الامتعاض والغضب داخل تشكيلات ووحدات “جهاز مكافحة الإرهاب ” وذلك عقب الإفراج السريع وغير المتوقع من قبل منتسبين ومقاتلين وضباط الجهاز عن القيادي المتهم والذي يشغل بدوره منصب مدير استخبارات عمليات حزام بغداد في الحشد الشعبي ومسؤول استخبارات حركة النجباء ، على الرغم من امتلاك الأجهزة الاستخبارية لملف متكامل حول دوره في التخطيط والتنفيذ لعمليات اغتيال حساسة، من بينها استهداف رأس المؤسسة القضائية في البلاد. ثم تضيف لنا التسريبات , بأن : ” الضباط والمقاتلين الذين نفذوا عملية الاعتقال لهذا القيادي ، كانوا يدركون بدورهم حجم المخاطر الشخصية التي تحملوها واحتمالات المصادمة المسلحة وتبادل لإطلاق النار أثناء تنفيذ مثل تلك الواجبات الخطرة ، ولكنهم وجدوا أنفسهم أمام مشهد صادم ومؤثر على نفسيتهم من خلال : استقبال رسمي واحتفالات علنية في مقر حركة النجباء في قلب العاصمة بغداد ، وكأن هذا الرجل عاد من معركة حامية الوطيس وحاسمة محققًا “نصرًا مؤزرًا”، لا كمتهم يخضع لإجراءات قانونية وقضائية “وبحسب ما تسرب كذلك من تفاصيل اخرى مهمة :” فقد نقل رئيس جهاز مكافحة الإرهاب، الفريق الركن زيد المكصوصي، هذه الحالة ــ وكما شاهدها بعدما نقلت له على وجه السرعة ــ من الغضب والاستهجان مباشرة إلى مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الأمير الشمري، في اتصال شخصي اتسم بدوره بحدة غير معهودة، حيث عبّر صراحة “المكصوصي” عن قلق بالغ من تأثير هذه الحادثة على معنويات ونفسية منتسبين الجهاز وثقته بالدولة , لان المقاتلون والمنتسبين والضباط الذين خاطروا بحياتهم لتنفيذ أمر قبض قضائي ورسمي، وجدوا أن نتائج عملهم يمكن أن تُلغى خلال ساعات عبر تسوية سياسية، ما ولّد شعورًا نفسيا متزايدًا بأن الدولة غير قادرة على حماية من ينفذون أوامرها أو الحفاظ على هيبتها أمام الفصائل المسلحة ” وتشير تسريبات بعض المصادر البرلمانية في لجنة الامن والدفاع :” إلى أن هذه الحالة النفسية المتدهورة داخل الجهاز قد تتطور إلى ما هو أخطر من ذلك , من حيث تردد في تنفيذ أي واجب مستقبلي يتعلق باعتقال قيادات من الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها، وربما يصل الأمر إلى حدّ الامتناع أو التمرد الصامت، في ظل شعور متنامٍ بأن أرواحهم ومستقبل عائلاتهم أصبحا على المحك، وأن الدولة لا توفر لهم الغطاء القانوني والسياسي الكافي لحمايتهم “.
ولم تتوقف تداعيات الإفراج السريع عن هذا ” القيادي ” عند حدود الامتعاض داخل “جهاز مكافحة الإرهاب فحسب “، بل امتدت لتكشف عن مشهد أكثر خطورة داخل المؤسسة العسكرية نفسها. فقد ظهر ضباط في الجيش العراقي ، يحملون رتبًا عالية، داخل مقر قيادة “حركة النجباء ” في بغداد وهم يحتفون بإطلاق سراحه، في مشهد صادم بالنسبة للقوة التي نفذت عملية الاعتقال. أحد ضباط الجهاز نقل تعليقًا لافتًا يلخص حجم الصدمة: ” لقد اختلط الأمر علينا … من الذي يستهزئ بمن بهذه الصورة المشمئزة؟” فهذه العبارة ليست مجرد تعبير عن غضب، بل مؤشر على انهيار نفسي ومعنوي داخل صفوف قوات النخبة التي تعتمد عليها الدولة في تنفيذ أخطر عملياتها . فحين يرى المقاتل والمنتسب والضابط أن جهده، وتضحيته، والمخاطر التي واجهها أثناء تنفيذ واجب رسمي، تُقابل باحتفال علني من ضباط في مؤسسة يفترض أنها جزء من الدولة نفسها، فإن ذلك يضرب في الصميم إحساسه بالانتماء والجدوى والكرامة المهنية.
الأخطر أن هذا النوع من المشاهد يخلق حالة من الارتباك الهوياتي داخل الأجهزة الأمنية: من هو صاحب القرار ؟ من يمثل الدولة ؟ من يملك الشرعية ؟ ومن يملك السلاح ؟ وحين تتداخل هذه الإجابات، يصبح المقاتل أمام معضلة حقيقية مفادها :” هل هو ينفذ أوامر الدولة ومؤسسته القضائية أم يخوض معركة عبثية ضد أطراف مسلحة تتمتع بحماية داخل الدولة نفسها؟ “.
هذه الحالة النفسية، إذا تُركت دون معالجة، لا تؤدي فقط إلى تراجع الروح المعنوية للمقاتلين ، بل قد تتطور إلى تردد في تنفيذ الواجبات، أو رفض غير معلن، أو حتى تمرد صامت داخل وحدات يفترض أنها الأكثر انضباطًا. فالمقاتل الذي يرى أن القانون لا يُطبق على الجميع، وأن المخاطر التي يواجهها لا تُقابل بحماية سياسية أو قضائية، سيعيد حساباته قبل المشاركة في أي عملية مستقبلية ضد فصيل مسلح يتمتع بنفوذ سياسي وعسكري مرئي من الجميع . لان ظهور ضباط جيش في مقر فصيل مسلح يحتفلون بإطلاق سراح متهم بملفات اغتيال حساسة، ليس مجرد حادثة عابرة، بل جرس إنذار يشير إلى أن خطوط الفصل بين الدولة واللا دولة بدأت تتآكل، وأن المؤسسة العسكرية نفسها لم تعد كتلة واحدة متماسكة، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها الولاءات والانحيازات , فهذا المشهد، بكل ما يحمله من رمزية، يعكس أن الأزمة لم تعد أمنية أو سياسية فقط، بل أصبحت أزمة نفسية عميقة داخل بنية الدولة، تهدد قدرتها على الصمود أمام تحديات السلاح المنفلت، وتضع مستقبل المؤسسة الأمنية على المحك.
ما يكشفه سيادة النائب , ليس مجرد شهادة عابرة، بل يعتبرها بالوقت نفسه , وثيقة إنذار ينبغي أن تُنقل إلى الرأي العام كما هي، بكل تفاصيلها وصدمتها، لأن ما شاهده وتعايش معه لم يعد يحتمل التجميل أو الإخفاء حقيقته عن الرأي العام , فالمشهد الذي وصفه — بما فيه من انهيار في هيبة الدولة، وتراجع في سلطة القانون، وتغوّل السلاح على القضاء — ليس حدثًا عابرًا، بل علامة فارقة على أن العراق يقترب من لحظة مفصلية قد تحدد مصيره لعقود مقبلة . سيادة النائب ، الذي وصل إلى إحدى أهم لجان مجلس النواب بفضل ثقة ناخبيه في قدرته على كشف الحقيقة، يرى أن نقل هذه الوقائع إلى الشعب اصبح ليس خيارًا ، بل يعتبرها أمانة يجب أن تُؤدى قبل فوات الأوان. فالمواطن العراقي، كما يقول سيادة النائب :” يستحق أن يعرف الحقيقة مجردة كما هي، لا كما تُصاغ في البيانات الرسمية أو تُخفى خلف ستائر الإعلام المسيس والموجه ؟ والاهم الاعلام المحلي المحايد الذي أصبح عاجزًا — بل ممنوعًا — من نقل مثل هذه الصور الواقعية بسبب القيود الصارمة التي تفرضها عليه “هيئة الإعلام والاتصالات” ، وما تمارسه من تكميم للأفواه، وغلق للقنوات، وملاحقة لكل من يجرؤ على كشف حقيقة ما يجري على الأرض ” ويوضح سيادة النائب مسألة مهمة أخرى :” إن هذا التعتيم الإعلامي لا يحجب الحقيقة فقط، بل يخلق أزمة ثقة عميقة داخل أهم المؤسسات الحكومية في البلاد، ويجعل المواطن يعيش في فراغ معرفي خطير، لا يعرف فيه ما الذي يحدث حقيقية وكيف تصاغ حالات الإفلات من العقاب ، ولا كيف يمكنه حماية نفسه أو فهم ما ينتظره” ولهذا، كما يوضح لنا سيادته : ” لذا أصبح اللجوء إلى ” منظمة عراقيون ضد الفساد “، ضرورة وطنية حتمية لا يمكن الاستغناء عنها . وفي ظل هذا الواقع، يصبح نقل الحقيقة إلى الشعب ليس مجرد عمل إعلامي، بل خط دفاع أخير عن الدولة نفسها , فالمعرفة هنا ليست ترفًا، بل وسيلة للنجاة من مصيبة قادمة، ولمنع الانزلاق نحو مرحلة اللادولة، ولإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته قبل أن ينهار كل شيء”.
ما يكشفه سيادة النائب وحسب قراءته لهذا الحدث المهم والخطير عن اتصالات سياسية، بل كان إنذار وجودي يتعلق بمستقبل الدولة العراقية نفسها. فبحسب ما نقله :” فإن تسارع الاتصالات التي أجراها السفير الإيراني مع هادي العامري والشيخ قيس الخزعلي وقيادات بارزة في الإطار التنسيقي، بعد ساعات قليلة فقط من عملية اعتقال اليعقوبي، لم يكن مجرد تحركًا بروتوكوليًا، بل كان محاولة عاجلة لاحتواء تصعيد خطير في حقيقته وحسب نظرة السفير الايراني ــ لم يحن اوانه بعد ـــ وإن كان قاب قوسين او أدنى باحتمالية ان ينفجر خلال ساعات . فالتهديدات العلنية التي صدرت عن الشيخ اكرم الكعبي، والمسؤول الأمني لكتائب حزب الله أبو مجاهد العساف، لم تكن مجرد رسائل سياسية، بل كانت إشارات مباشرة إلى استعدادات ميدانية اتخذت في ساعتها وتاريخه تمثلت : إعلان نفاد الصبر مع رفع حالة الإنذار وتهيئة السلاح واستعداد فصائل مسلحة للمواجهة واقتراب البلاد من صدام مسلح داخلي ” فهذه ليست لغة سياسية … بل لغة صارمة ما قبل الاشتباك. ورغم أن التصعيد لم ينفجر في تلك اللحظة، فإن سيادة النائب يؤكد بدوره :” أن ما حدث لم يكن “إنهاءً للأزمة”، بل تأجيلًا مؤقتًا لها إلى إشعار آخر. وهذا التأجيل ــ كما يقول سيادته ــ هو أخطر ما في المشهد، لأنه يعني أن الأزمة لم تُحل، بل تم دفعها إلى الأمام، حيث ستعود في لحظة أكثر حساسية، وربما أكثر عنفًا ؟ وهنا تكمن الخطورة الحقيقية على مستقبل الدولة العراقية , عندما تصبح قرارات القضاء، وإجراءات الأجهزة الأمنية، وملفات الاغتيالات، خاضعة لضغط السلاح والتهديدات، وعندما تستطيع فصائل مسلحة أن تفرض إيقاعها على الدولة وإن قدرة فصيل مسلح على تهديد الحكومة، والقضاء، والأجهزة الأمنية، ثم إجبار الدولة على التراجع أو التأجيل، ليست مجرد مؤشر سياسي، بل هي علامة تحذيرية على أن العراق يقف على حافة مفترق طرق خطير، حيث يصبح السلاح أقوى من القانون، والتهديد أقوى من الدولة، والتصعيد أقرب من أي وقت مضى” هذه ليست مبالغة، بل قراءة واقعية لمشهد تتداخل فيه الدولة واللادولة، وتصبح فيه القرارات السيادية رهينة اتصالات عاجلة، وتهديدات علنية، وحسابات تتجاوز حدود القانون. وإذا لم تُعالج هذه الظواهر جذريًا، فإن ما جرى بعد اعتقال القيادي في حركة النجباء لن يكون سوى المقدمة لما هو قادم وأخطر بكثير مما قد يتوقعه البعض .
هذه ليست رواية … بل هي أشبه بصرخات ما تزال مكتومة قبل أن ينصدم الشعب العراقي وتتضح له من بشاعة الصورة كاملة، بلا رتوش، وبلا أوهام ؟ فحين يقول رئيس جهاز مكافحة الإرهاب، بصراحة غير مسبوقة، إن الحكومة والقضاء لم يعودا قادرين على فرض شخصيتهما المعنوية والتنفيذية، فإن ذلك لا يمثل مجرد تقييم داخلي، بل تحذيرًا وجوديًا من انهيار منظومة الردع الرسمية في مواجهة السلاح المنفلت.
ومع اقتراب موعد الثلاثين من أيلول، يصبح هذا الواقع أكثر خطورة. فكل التصريحات التي تتحدث عن “حل نهائي” لهذا الملف تبدو بعيدة عن الحقيقة، بل أقرب إلى محاولات لطمأنة الرأي العام. أما خلف الأبواب المغلقة، فالإجابة التي يسمعها المسؤولون السياسيون والأمنيين وحتى قادة الأحزاب الحاكمة وحين يسألون عن وجود اتفاق حاسم فلديهم عبارة واحدة : ” لا … لا … ما تزال بعدم وجود حلول نهائية ؟ ولكن هناك عشرات المقترحات، لكن لا يوجد حل جذري يحفظ كرامة الدولة ويواجه المطالب التعجيزية للفصائل المسلحة”.
بهذا المعنى، فإن ما جرى بعد الإفراج عن القيادي في حركة النجباء ليس حادثًا عابرًا، بل مؤشرًا خطيرًا على تآكل قدرة الدولة على فرض سيادة القانون، وعلى دخول العراق مرحلة اختبار وجودي قد يحدد شكل الدولة ومستقبلها لعقود مقبلة.