مبيت أمير المؤمنين على فراس الرسول الأكرم في ربيع الأول

د. فاضل حسن شريف

جاء في صفحة العتبة الحيسنية المقدسة: هكذا كان الفداء… مبيت أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام في فراش النبي محمد صلى الله عليه وآله في الأوّل من شهر ربيع الأوّل، وفي ليلة الهجرة المباركة، اجتمع مشركو قريش على اغتيال رسول الله صلى الله عليه وآله، فأوحى الله تعالى إليه بمكرهم وأذن له بالهجرة إلى المدينة. وفي تلك الليلة العظيمة، طلب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله من أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام أن يبيت على فراشه، ليُوهم المتربّصين بأنّ رسول الله ما زال في داره، فأجاب الإمام علي عليه السلام مطمئنّاً إلى سلامة رسول الله صلوات الله عليه، وبذل نفسه في سبيل الله، فنام على فراشه غير مبالٍ بما قد يلقاه من سيوف قريش. وانطلق النبي صلى الله عليه وآله مهاجراً إلى المدينة، بينما بقي أمير المؤمنين عليه السلام في مكّة لأداء ما أُوكل إليه من ردّ الأمانات إلى أهلها، ثم لحق بالنبي صلى الله عليه وآله مهاجراً، في موقفٍ جسّد أسمى معاني الإيمان والتضحية والوفاء. وقد ارتبطت هذه الحادثة بقوله تعالى: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ” (البقرة 207)، وهي من أشهر فضائل أمير المؤمنين عليه السلام في ليلة الهجرة.

جاء في صفحة العتبة العلوية المقدسة: مبيت أمير المؤمنين عليه السلام في فراش النبي صلى الله عليه وآله: دعوة الإمام علي للمبيت على فراش النبي صلى الله عليه وآله: لمّا علم رسول الله صلى الله عليه وآله عن طريق الوحي الأمين بما تعاهدوا عليه من قتله غيلة، دعا أوثقَ الناس عنده، وأمثَلَهم في نفسه، وأبذلهم في ذات الله لمهجته، وأسرعهم إجابةً إلى طاعته، وهو عليّ بن أبي طالب عليه السلام وهو في عمر الشباب وفتوّة الحياة، فقال له: (يا علي، إنّ الروح هبط عليّ بهذه الآية آنفا، يخبرني أنّ قريشا اجتمعوا على المكر بي وقتلي، وأنّه أوحى إليّ ربّي عزّ وجل أن أهجر دار قومي، وأن أنطلق إلى غار ثور تحت ليلتي، وأنّه أمرني أن آمرك بالمبيت على مضجعي، ليُخفى بمبيتك عليه أثري، فما أنت قائل وصانع)؟ فقال علي عليه السلام: (أو تَسلمَنَّ بمبيتي هناك يا نبي الله)؟ قال: (نعم)، فتبسم علي عليه السلام ضاحكاً، وأهوى إلى الأرض ساجداً، شكراً بما أنبأه رسول الله صلى الله عليه وآله من سلامته). بعد ذلك نزل قوله عز وجل في حق علي عليه السلام: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ” (البقرة 207). وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي: (نَم على فراشي واتشح ببردي الحضرمي الأخضر فنم فيه فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه منهم). نعم، دعاه إلى أن يعرّض نفسه المقدّسة لأشفار السيوف التي تَحْمِلُها أيدي الغيظ على الرسول والرسالة، فأجاب عليه السلام إلى ذلك سامعاً مطيعاً، طيّبةً بها نفسُه، ونام على فراشه صابراً محتسباً، واقياً له بمهجته، موطّناً نفسه على القتل. ولا نعلم فوق بذل النفس درجةً يلتمسها صابر، أو يبلغها طالب، والجودُ بالنفس أقصى غاية الجود، ولولا أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله عَلِم أنّ عليّاً سلام الله عليه أهل لذلك لَما دعاه إليه. وقد قال العلماء: إنّ فضيلة أمير المؤمنين صلى الله عليه وآله تلك الليلة، لا نعلم أحداً من البشر نال مِثلَها، فإنّه ما تلكّأ ولا تَتعْتَع، ولا تغيّر لونه ولا اضطربت أعضاؤه. ولا يصبر على ثقل هذه المحنة أو يتقدّم نحو هذا الموقف إلاّ مَن خصّه الله تعالى بالصبر على مشقّة ذلك والفوز بفضليته، وله من جنس ذلك أفعالٌ كثيرة.

عن اذاعة طهران: 1 ربيع الأول هجرة الرسول إلى المدينة ومبيت علي على فراشه: خروج النبي صلى الله عليه وآله من داره: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله في أوّل الليل، والرصد من قريش قد أحاطوا بداره ينتظرون انتصاف الليل ونوم الأعين، فخرج صلى الله عليه وآله وهو يقرأ قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُون” (يس 9). وأخذ النبي صلى الله عليه وآله بيده قبضة من تراب، فرمى بها على رؤوسهم، فما شعر القوم به حتّى تجاوزهم، ومضى إلى غار ثور، وفي الطريق التحق به أبو بكر. فشل الخطّة: اقتحمت قريش دار النبي صلى الله عليه وآله، وهم شاهرون سيوفهم، وتهيج منهم رائحة الحقد والخبث والدناءة، فنهض الإمام عليعليه السلام من مضجعه في شجاعته المعهودة بوجوههم الإجرامية، فارتعد القوم وتراجعوا. فلمّا عرفت قريش فشل خطّتها خرجت في طلب النبيصلى الله عليه وآله، فعمى الله أثره وهو نصب أعينهم، وصدّهم عنه، وأخذ بأبصارهم دونه وهُم دهاة العرب، ثمّ بعث الله العنكبوت فنسجت في وجه الغار فسترته، وبعث الله حمامتين فوقفتا بفم الغار، فأيّسهم ذلك من الطلب.

عن كتاب أعلام الهداية للمجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام: تحدث الإمام الهادي عليه السّلام في زيارته يوم الغدير عن جهاد الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام وبسالته وشجاعته وصموده في الحروب قائلا: (فقتلت عمرهم وهزمت جمعهم، وردّ اللّه الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى اللّه المؤمنين القتال، وكان اللّه قويا عزيزا، ويوم أحد إذ يصعدون ولا يلوون على أحد والرسول يدعوهم في أخراهم وأنت تذود بهم المشركين عن النبي صلّى اللّه عليه واله ذات اليمين وذات الشمال حتى ردّهم اللّه تعالى عنها خائفين ونصر بك الخاذلين. ويوم حنين على ما نطق به التنزيل “إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ” (التوبة 25-26). والمؤمنون أنت ومن يليك، وعمك العباس ينادي المنهزمين يا أصحاب سورة البقرة، يا أهل بيعة الشجرة، فاستجاب له قوم قد كفيتهم المؤونة وتكلفت دونهم المعونة، فعادوا آيسين من المثوبة، راجين وعد اللّه تعالى بالتوبة، وذلك قول اللّه جل ذكره: “ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ” (التوبة 27). وأنت حائز درجة الصبر، فائز بعظيم الأجر. ويوم خيبر إذ اظهر اللّه خور المنافقين، وقطع دابر الكافرين والحمد للّه رب العالمين ولقد كانوا عاهدوا اللّه من قبل لا يولون الادبار، وكان عهد اللّه مسؤولا. وأضاف الإمام قائلا: وشهدت مع النبي صلّى اللّه عليه واله جميع حروبه ومغازيه، تحمل الراية امامه، وتضرب بالسيف قدامه، ثم لحزمك المشهور وبصيرتك في الأمور أمّرك في المواطن، ولم يكن عليك أمير). وعرض الإمام في زيارته إلى مبيت الإمام على فراش النبي صلّى اللّه عليه واله، ووقايته له بنفسه حينما أجمعت قريش على قتله، فكان الإمام الفدائي الأول في الاسلام، يقول عليه السلام: (وأشبهت في البيات على الفراش الذبيح عليه السلام إذ أجبت كما أجاب، وأطعت كما أطاع إسماعيل محتسبا صابرا إذ قال: “يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ” (الصافات 102). وكذلك أنت لما أباتك النبي صلّى اللّه عليه واله وأمرك ان تضطجع في مرقده واقيا له بنفسك أسرعت إلى اجابته مطيعا، ولنفسك على القتل موطنا فشكر اللّه تعالى طاعتك وأبان من جميل فعلك بقوله جلّ ذكره: “وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ” (البقرة 207)).