رياض سعد
لم يكن سعيد يبحث عن أحد بعينه تلك الليلة.
كان يبحث عن نفسه.
جلس في عتمة غرفته، وأبقى ضوء الهاتف وحده مشتعلاً في وجهه.. , كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، والمدينة في الخارج تواصل ضجيجها البعيد، فيما كان هو يشعر بأن شيئاً ما في داخله قد انطفأ منذ زمن، ولم يجد له اسماً.
كان في الخمسين، وهي سنّ لا تعترف كثيراً بالارتباك.. , الناس يتوقعون من الرجل في هذا العمر أن يكون قد عرف الحياة، وأن يمتلك إجابات جاهزة عن الحب والفقد والوحدة والناس… ؛ لكن سعيد كان يعرف أن العمر لا يمنح الإنسان بالضرورة حكمة؛ أحياناً يمنحه فقط قدرة أكبر على إخفاء ارتباكه.
فتح موقع الفيسبوك.
راح يقلب الصفحات بلا هدف… , صور أصدقاء، مناسبات، سفر، نجاحات، ابتسامات مصطنعة، عبارات عن السعادة، وأشخاص يعلنون للجميع أنهم بخير، بينما كان يشعر أن معظمهم يهرب من شيء لا يريد الاعتراف به.
ثم توقفت أصبعه عند صورة شاب .
كان اسمه زيد.
لم تكن الصورة استثنائية.. , شاب في التاسعة عشرة، بوجه نحيل وابتسامة خفيفة، يقف أمام مكان لم يستطع سعيد تحديده.. , لكن شيئاً في عينيه استوقفه.
ظل سعيد ينظر إلى الصورة لثوانٍ طويلة.
قال لنفسه:
ـ غريب… لماذا هذا الشخص تحديداً؟
ثم ضغط زر «إضافة صديق».
لم يكن يعرف أن تلك الضغطة الصغيرة ستفتح في حياته باباً لم يكن مستعداً لما وراءه.
جاءت الموافقة بعد دقائق.
ظهر اسم زيد على قائمة الأصدقاء، ثم وصلت رسالة:
ـ أهلاً.
ابتسم سعيد.
كتب:
ـ أهلاً بك. سعدت بقبولك.
ـ وأنا أيضاً.
كانت البداية عادية جداً.
تحية، سؤال عن العمر، المدينة، الدراسة، العمل، الكتب، الأفلام، الموسيقى، وأشياء صغيرة لا يتذكرها الإنسان عادة إلا بعد أن تتحول إلى جزء من ذاكرته... الخ .
عرف سعيد أن زيد في التاسعة عشرة، وأنه يعيش حياة مختلفة تماماً عن حياته.
أما زيد، فعرف أن سعيد في الخمسين، وأنه يعمل ويقرأ كثيراً، وأنه يحب الحديث في الفلسفة وتطوير الذات.
في البداية، لم يجد سعيد في فارق العمر مشكلة.
كان يرى في زيد شباباً افتقده، وحيوية لم تعد تسكن أيامه كما كانت.
أما زيد، فكان يرى في سعيد شيئاً آخر: رجلاً أكبر منه، واسع التجربة، يستمع إليه من دون أن يسخر من أحلامه أو يقلل من مخاوفه.
قال له ذات مساء:
ـ أشعر أحياناً أنني لا أعرف ماذا أريد من حياتي.
أجابه سعيد:
ـ هذه ليست مشكلة خاصة بك.. , بعض الناس يقضون نصف أعمارهم وهم يظنون أنهم يعرفون ماذا يريدون، ثم يكتشفون أنهم كانوا يعيشون حياة اختارها لهم الآخرون.
ضحك زيد.
ـ أنت تتحدث وكأنك عشت كل شيء.
ـ لا. أنا أتحدث كمن اكتشف متأخراً أنه لم يعش أشياء كثيرة.
توقّف زيد قليلاً، ثم كتب:
ـ ربما لهذا أحب الحديث معك.
قرأ سعيد الجملة أكثر من مرة.
وفي تلك اللحظة، حدث شيء لم يستطع تفسيره.
لم تعد المحادثة بالنسبة إليه مجرد حديث عابر.
مرّت الأسابيع.
صار زيد يرسل لسعيد صباح الخير.
وصار سعيد ينتظر ظهوره مساءً.
في البداية كانا يتحدثان ساعة، ثم ساعتين، ثم أصبح الحوار يمتد إلى ما بعد منتصف الليل.
كان زيد يخبره عن مشكلاته الصغيرة، عن خلافاته مع أصدقائه، عن أحلامه، عن خوفه من المستقبل، وعن شعوره بأن الجميع يريدون منه أن يصبح شخصاً لا يشبهه.
وكان سعيد يستمع.
ليس دائماً لأنه يملك الحلول، بل لأنه كان يشعر للمرة الأولى منذ سنوات أن شخصاً ما ينتظر كلماته.
ذات ليلة، قال زيد:
ـ سعيد، هل تعتقد أن الإنسان يستطيع أن يحب شخصاً لم يلتقِ به؟
توقف سعيد أمام السؤال.
كتب:
ـ أعتقد أن الإنسان يستطيع أن يتعلق بصورة صنعها عن شخص آخر.
ـ هذا ليس جواباً.
ـ لأن السؤال نفسه خطير.
ـ لماذا؟
ـ لأننا عبر الشاشة نرى ما يسمح لنا الآخر برؤيته فقط.
كتب زيد:
ـ وأنا ماذا أسمح لك أن ترى؟
ابتسم سعيد.
ـ أقل مما اتصور.
بعدها لم يكتب أي منهما شيئاً لدقائق.
كانت تلك أول مرة يشعر فيها سعيد أن العلاقة تجاوزت حدود الصداقة.
لم يكن يعرف متى حدث ذلك.
ربما حدث تدريجياً، في الرسائل الصباحية، أو في انتظار الظهور، أو في التفاصيل الصغيرة التي بدأ يحفظها عن زيد.
أصبح يعرف متى يكون حزيناً من طريقة كتابته.
ويعرف متى يكون سعيداً من سرعة ردوده.
ويعرف متى يقول «أنا بخير» وهو ليس بخير.
وكان زيد أيضاً قد أصبح يعرف أشياء كثيرة عن سعيد.
كان يعرف أن صمته الطويل يعني أنه متعب، وأنه حين يقول «لا بأس» يكون هناك شيء يؤلمه.
وفي عالم الشاشة، بدأت علاقة حقيقية تنمو بين شخصين لم تجمعهما غرفة واحدة.
في أحد الأيام، كتب زيد:
ـ أريد أن أطلب منك شيئاً.
ـ اطلب.
ـ أحتاج مساعدتك.
ـ ماذا حدث؟
ـ لا شيء خطير.. هناك أمر أريد أن أفعله، لكنني لا أستطيع وحدي.
شعر سعيد بشيء من القلق.
ـ وما الذي تحتاجه؟
شرح زيد الأمر.
لم يكن المبلغ كبيراً بالنسبة إلى سعيد، لكنه كان مهماً بالنسبة إلى شاب في التاسعة عشرة.
تردد سعيد.
ثم ساعده... , أرسله إليه عبر الفيزا كارد.
بعدها كتب زيد:
ـ لن أنسى هذا لك.
أجابه سعيد:
ـ لا أريد منك شيئاً.
لكن في داخله كان يريد شيئاً واحداً.
أن يبقى زيد.
بعد ذلك تغيرت العلاقة قليلاً.
لم يلحظ سعيد التغير في البداية.
صار زيد أقل حضوراً.
رسائله أقصر.
اختفت الأسئلة الطويلة.
لم يعد يسأل سعيد عن يومه كما كان يفعل.
وحين كان سعيد يكتب له، يتأخر الرد أحياناً ساعات.
ثم أياماً.
كان سعيد يجد لنفسه الأعذار.
«ربما مشغول.»
«ربما لديه دراسة.»
«ربما يمر بظرف.»
لكن الحقيقة كانت أكثر بساطة وأشد قسوة.
كان زيد يبتعد.
وفي إحدى الليالي، كتب سعيد:
ـ أين اختفيت؟
جاء الرد بعد وقت طويل:
ـ مشغول هذه الأيام.
ـ أفتقد حديثنا.
ـ وأنا أيضاً.
كانت جملة قصيرة.
لكن سعيد قرأ فيها ما أراد أن يقرأه.
لم يشأ أن يصدق أن شيئاً انتهى.
بعد أسابيع، عاد زيد فجأة.
كان أكثر دفئاً من المعتاد.
قال:
ـ سعيد، أحتاج مساعدتك في أمر آخر.
تردد سعيد هذه المرة.
لكنه لم يستطع أن يقول لا.
ساعده مرة أخرى.
بعدها اختفى زيد مجدداً.
هنا بدأ سعيد يفهم.
لم يكن الأمر واضحاً تماماً، لكنه كان يشعر أن العلاقة أصبحت تسير في اتجاه واحد.
كلما احتاج زيد شيئاً، عاد.
وكلما انتهت حاجته، ابتعد.
ومع ذلك، كان سعيد يقاوم الحقيقة.
لم يكن يؤلمه أن يُستغل.
كان يؤلمه احتمال أن يكون كل ما شعر به طوال الأشهر الماضية مجرد وهم من طرف واحد.
في مساء هادئ، ظهر زيد متصلاً.
كتب سعيد:
ـ هل يمكنني أن أسألك سؤالاً؟
ـ تفضل.
ـ هل كنت تحبني فعلاً؟
تأخر الرد.
كانت علامة الكتابة تظهر ثم تختفي.
تظهر ثم تختفي.
وأخيراً كتب زيد:
ـ لماذا تسأل؟
ـ لأنني أريد الحقيقة.
ـ أي حقيقة؟
ـ حقيقة ما كان بيننا.
صمت زيد طويلاً.
ثم كتب:
ـ كنت أحب الحديث معك.
قرأ سعيد الجملة.
ثم كتب:
ـ أنا لم أسألك إن كنت تحب الحديث معي.
لم يأتِ الرد.
بعد دقائق كتب سعيد:
ـ كنت أراك شخصاً قريباً مني.. شخصاً أحببته بصدق.
جاء الرد أخيراً:
ـ سعيد، أنت أكبر مني كثيراً.
كانت الجملة بسيطة، لكنها سقطت على سعيد كحجر.
كتب:
ـ كنت تعرف ذلك منذ البداية.
ـ نعم.
ـ فلماذا تركتني أقترب؟
ـ لأنني كنت أحتاجك.
رفع سعيد عينيه عن الشاشة.
عاد يقرأ الجملة.
«كنت أحتاجك.»
لم يقل زيد: أحبك.
لم يقل: أفتقدك.
لم يقل: أخطأت.
قال فقط: «كنت أحتاجك.»
كتب سعيد:
ـ وهل انتهت حاجتك؟
لم يجب زيد.
كانت تلك الإجابة كافية.
مرت الأيام.
حاول سعيد الاتصال به عبر الماسنجر .
لم يرد.
كتب رسائل طويلة، ثم حذفها.
كتب رسالة قصيرة:
ـ هل كل شيء بخير؟
لا جواب.
ثم اكتشف ذات صباح أن زيد حذف صداقته.. !!
ظل سعيد ينظر إلى الصفحة الفارغة.
- بحث عن اسمه في قائمة اصدقاء زيد .
لم يجده.
سأل نفسه: كيف يمكن لإنسان أن يعيش في قلبك أشهراً، ثم يختفي بضغطة زر؟
ثم تذكر أن هذا هو منطق العالم الرقمي.
كل شيء فيه قابل للحذف.
الصداقة.
المحادثة.
الصور.
الذكريات.
حتى الإنسان نفسه يمكن أن يتحول إلى «حساب غير متاح».
بعد شهر تقريباً، كان سعيد يتصفح الفيسبوك بلا اهتمام، فظهر أمامه حساب جديد..
شاب وسيم في عمر زيد تقريباً.
كان يضحك في الصورة، وكتب في صفحته عبارة عن الصداقة والحياة.
دخل سعيد الصفحة.
ثم توقف.
كان زيد قد كتب تعليقاً على إحدى الصور:
«حبيبي وصديقي… لا أعرف كيف كنت سأعيش هذه الأيام من دونك.»
قرأ سعيد العبارة.
ثم أغلق الصفحة.
لم يشعر بالغضب.
الغريب أنه شعر بشيء أشبه بالشفقة.
ليس على زيد.
بل على نفسه.
لقد كان يظن أن ما بينهما استثنائي.
وكان زيد، ببساطة، قد انتقل إلى علاقة صداقة جديدة مع شاب في عمره، شخص يستطيع أن يشاركه حياته اليومية، ويخرج معه، ويضحك معه، ويعيش معه ما لا تستطيع الشاشة أن تمنحه.
جلس سعيد طويلاً.
ثم فتح المحادثة القديمة التي احتفظ بها في مكان آخر.
قرأ رسائل الأشهر الماضية.
ضحك مرة.
وتألم مرات.
ثم أدرك شيئاً لم يكن قادراً على رؤيته وهو داخل العلاقة:
لم يكن يحب زيد وحده.
كان يحب أيضاً الصورة التي صنعها عنه.
كان يحب الشاب الذي تخيله، لا الشاب الذي عرفه كاملاً.
وكان زيد، ربما، قد أحب في سعيد شيئاً آخر: الأمان، والخبرة، والمساعدة، والشعور بأن هناك شخصاً يمكن اللجوء إليه.
التقيا في منتصف حاجتين مختلفتين، وظنا أن ما بينهما حب واحد.
بعد أيام، وصلته رسالة.
من زيد.
فتحها.
«سعيد، أتمنى أن تكون بخير.. أعرف أنني ابتعدت بطريقة لم تكن عادلة.. ربما كنت أنانياً.. لكنني لم أعرف كيف أنهي العلاقة دون أن أؤذيك.»
ظل سعيد يقرأ الرسالة.
ثم كتب:
ـ لقد آذيتني بالفعل.
جاء الرد سريعاً:
ـ أعرف.
ـ لكنك لم تكن وحدك المخطئ.
ـ ماذا تقصد؟
ـ أنا أيضاً أخطأت.. كنت أريد منك أن تكون شيئاً أكبر مما تستطيع أن تكونه.. حملتك صورة رسمتها في رأسي، ثم غضبت منك لأنك لم تكنها… ؛ ولم ألحظ فارقَ العمر بيننا؛ وأنّى للخريف أن يُصاحب الربيع طويلًا؟!
صمت زيد.
ثم كتب:
ـ هل تكرهني الان ؟
ابتسم سعيد للمرة الأولى منذ أيام.
ـ لا.
ـ هل تستطيع مسامحتي؟
تردد سعيد.
ثم كتب:
ـ ربما.
ـ وهل يمكن أن نبقى أصدقاء؟
نظر سعيد إلى السؤال طويلاً.
كان يستطيع أن يكتب «نعم».
كان يستطيع أن يعود إلى الدائرة القديمة.
لكنه كتب:
ـ أعتقد أن بعض العلاقات لا تنتهي لأنها كانت كاذبة، بل لأنها انتهت وظيفتها في حياتنا.
ـ وماذا كنت أنا في حياتك؟
فكر سعيد قليلاً.
ثم كتب:
ـ كنت مرآة.. رأيت فيك أشياء كنت أفتقدها في نفسي.. وربما رأيت أنت فيّ أشياء كنت تحتاج إليها في ذلك الوقت.
جاء الرد:
ـ وهل هذا يعني أننا لن نتحدث مرة أخرى؟
ـ ربما نتحدث.. لكن ليس كما كنا.
أغلق سعيد الهاتف.
هذه المرة لم يحذف التطبيق.
لم يحظر زيد.
لم يراقب ظهوره.
لم ينتظر رسالته.
وضع الهاتف جانباً، وفتح نافذة الغرفة.
كان الصباح قد بدأ.
المدينة تستيقظ ببطء.
أصوات السيارات، خطوات المارة، بائع الخبز، رجل يفتح محلاً، امرأة تسحب طفلها من يده، وشمس خجولة تتسلل بين الأبنية.
وقف سعيد أمام النافذة طويلاً.
وفكر في السنوات التي عاشها وهو يظن أن الوحدة تعني غياب الآخرين.
ثم فهم شيئاً مختلفاً.
الوحدة ليست دائماً أن لا يكون حولك أحد.
أحياناً تكون : أن تمنح شخصاً مكاناً أكبر من حجمه في قلبك، ثم تكتشف أنك كنت تسكن في الصورة التي صنعتها عنه، لا في حياته الحقيقية.
أما الشاشة، فلم تكن قد خدعته.
هو الذي طلب منها أكثر مما تستطيع أن تمنحه.
هي تستطيع أن تصل صوتاً إلى صوت.
وصورة إلى صورة.
ورغبة إلى رغبة.
لكنها لا تستطيع أن تضمن أن القلبين يسيران في الاتجاه نفسه.
ابتسم سعيد ابتسامة حزينة.
ثم أغلق الهاتف.
وللمرة الأولى منذ شهور، لم ينتظر أن تظهر نقطة خضراء بجانب اسم أحد.
كان يريد فقط أن يعرف أين اختفت النقطة الخضراء بجانب اسمه هو.
وعندما خرج من غرفته، أدرك أن الحياة لم تكن خلف الشاشة أصلاً.
كانت هناك.
تنتظره منذ البداية.