جرافات الهدم الصفراء: سياسات التوريط  الحكومية وصناعة المشاهد الاعلامية المنكوسة

رياض سعد

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، لم تنفكّ سياسات التخطيط المرتبك وسوء الإدارة والتوريط الحكومي و الاجتماعي عن إنتاج أزماتٍ مزمنة يدفع المواطن ثمنها من عمره وماله وكرامته… ؛  ومن أخطر صور هذه السياسات أزمة السكن، التي تحولت، على امتداد عقود، من حقٍّ إنساني أساسي إلى مشكلةٍ مؤجلة، ومن مسؤوليةٍ أصيلة للدولة إلى عبءٍ يُلقى على عاتق المواطن الفقير.

فالمواطن الذي لا يجد قطعة أرض سكنية ميسّرة، ولا مشروعاً إسكانياً مناسباً، ولا قرضاً قادراً على مساعدته في بناء بيت، لا يبقى أمامه في كثير من الأحيان سوى البحث عن حلٍّ فردي لأزمة صنعتها السياسات العامة… ؛ فيتجه إلى أطراف المدن، وإلى الأراضي الزراعية، وإلى مناطق التجاوز، ويشتري قطعة أرض من سماسرة ومافيات وعصابات متنفذة، أو من جهاتٍ تستغل حاجة الناس إلى السكن، ثم يبدأ رحلةً شاقة لبناء بيتٍ صغير يؤويه وأسرته…

وهنا تبدأ المفارقة الكبرى.

الدولة التي غابت عندما كان المواطن يبحث عن الأرض، وعن السكن، وعن الخدمات، وعن القرض، وعن التخطيط؛ تعود فجأة عندما يكتمل البيت، ولكنها لا تعود بالبناء والتنظيم والحل، بل تعود بالشفلات الصفراء واليات التهديم لا البناء …!!

تعود بعد أن يكون المواطن قد أنفق مدخراته، واستدان، وباع ما يملك، وربما أمضى سنوات من عمره في العمل حتى يضع سقفاً فوق رؤوس أطفاله…!!

لقد بنى المواطن بيته حجراً فوق حجر، وساهم هو وجيرانه في فتح الشوارع، ومد شبكات الصرف، ونصب أعمدة الكهرباء، ومد الأسلاك، وأنشأ الأرصفة، وحاول أن يحوّل المكان الذي كان أرضاً مهملة إلى حيٍّ قابل للحياة… ؛  وبعد كل ذلك، وبعد أن يعلّق صور أبنائه على الجدران، ويشتري أثاثاً بالتقسيط، ويزرع شجرة صغيرة أمام الباب، ويشعر للمرة الأولى بأنه امتلك مكاناً ينتمي إليه، تأتي الجرافة الحكومية التي هي اشد قسوة من الشيطان نفسه .

الجرافة لا ترى كل ذلك.

لا ترى ليالي الأب التي قضاها في العمل، ولا تعب الأم، ولا أحلام الأطفال، ولا الديون المتراكمة، ولا السنوات التي أنفقت في بناء البيت…

إنها ترى فقط جداراً مخالفاً…

وهنا تكمن المأساة الإنسانية…

فالقانون، مهما كانت ضرورته، لا ينبغي أن يتحول إلى آلةٍ عمياء لا ترى الإنسان..  وتنظيم المدن ضرورة، ومنع التجاوز على الأراضي العامة والزراعية مسألة مهمة، لكن السؤال الأعمق ليس: لماذا هُدم البيت؟ وإنما:

لماذا تُرك المواطن أصلاً حتى يبني البيت؟

لماذا لم تتدخل الدولة قبل أن تبدأ عملية البناء؟

لماذا لم تمنع السمسار من بيع الأرض؟

لماذا لم تمنع المتنفذ من المتاجرة بأراضي الدولة؟

لماذا لم توفر البديل السكني؟

لماذا لم تمنح المواطن فرصة قانونية للحصول على أرض أو شقة بسعر يتناسب مع دخله؟

ولماذا لا تتحرك المؤسسات عندما تكون الأرض تُباع، ثم تتحرك بكل قوتها عندما يصبح على الأرض بيتٌ تسكنه عائلة؟

هذه الأسئلة تكشف أن القضية ليست مجرد مخالفة بناء، وإنما قضية علاقة بين المواطن والدولة.

فالدولة العادلة لا ينبغي أن تكون حاضرة عند العقوبة وغائبة عند الحاجة، ولا ينبغي أن يظهر وجهها الأقوى بعد أن يعجز المواطن عن حماية بيته، بينما يغيب وجهها التنظيمي والاقتصادي والاجتماعي عندما يكون المواطن في أمسّ الحاجة إليها.

والأكثر إيلاماً أن عملية الهدم لا تنتهي عند إسقاط الجدران؛ إذ تتحول أحياناً إلى عرض إعلامي.

تظهر الكاميرات.

تبدأ التصويرات.

تتحرك الشفلات الصفراء.

تنهار الجدران أمام العدسات.

وتُلتقط صور المسؤولين وهم يتابعون المشهد.

ثم تُنشر المقاطع على صفحات رسمية أو شبه رسمية مصحوبة أحياناً بأغانٍ وأناشيد حماسية، وكأن الدولة حققت انتصاراً عسكرياً، وكأن الجرافة دمرت موقعاً للعدو، وكأن الأسرة التي خرجت من بيتها كانت قوةً معادية يجب القضاء عليها.

وهنا تنتقل القضية من هدم بيت إلى هدم معنى.

لأن السؤال يصبح: ما الرسالة التي تريد الدولة إيصالها عندما تصوّر انهيار منزل مواطن فقير وتقدمه باعتباره إنجازاً؟

هل الإنجاز أن تهدم بيتاً؟

هل الانتصار أن ترى أماً تبكي؟

هل القوة أن تقف أمام طفلٍ لا يعرف أين سيضع سريره الليلة؟

هل هيبة الدولة أن تظهر أمام مواطن أعزل بجرافةٍ ضخمة وقوةٍ أمنية؟

إن الدولة لا تقاس بقدرتها على هدم بيت مواطن، وإنما بقدرتها على منع الظلم قبل وقوعه، وعلى معالجة المشكلات الاجتماعية قبل أن تتحول إلى أزمات، وعلى توفير البدائل الإنسانية عندما تضطر إلى تطبيق القانون.

فالشفل الاصفر  تستطيع إسقاط جدار خلال دقائق، لكنها لا تستطيع بناء الثقة بين المواطن والدولة.

وهذه النقطة هي الأخطر نفسياً.

فالبيت ليس مجرد طابوق وسمنت وحديد.

البيت في الوعي الإنساني هو الأمان.

هو المكان الذي يشعر فيه الإنسان أنه لم يعد مشرّداً.

هو حدود صغيرة يقول داخلها: هنا أنا، وهنا عائلتي، وهنا ذكرياتي، وهنا مستقبلي.

وعندما تهدم الدولة البيت دون أن تقدم بديلاً إنسانياً، فإنها لا تهدم البناء وحده، بل تهدم شيئاً من الإحساس بالأمان والانتماء.

وقد يخرج الأب من المكان وهو يشعر بأنه خُدع.

وقد تنظر الأم إلى الركام وتتساءل عن السنوات التي ضاعت.

وقد يكبر الطفل وهو يحمل صورة الشفل الاصفر في ذاكرته بوصفها أول صورةٍ حقيقية للدولة.

وهنا نصنع جيلاً لا يرى الدولة مدرسةً ومستشفى وخدمةً وفرصةً وعدالة، بل يراها جرافةً تأتي عندما يكتمل البيت.

وهذا خطر اجتماعي وسياسي بالغ.

لأن علاقة المواطن بالدولة ليست علاقة خوف فقط، وإنما علاقة ثقة أيضاً.

وكلما اتسعت المسافة بين المواطن والدولة، بدأ الإنسان يبحث عن بدائل أخرى لحمايته وتأمين مستقبله؛ العشيرة، الحزب، الجماعة، الفصيل، السمسار، المتنفذ، أو أي قوةٍ يستطيع أن يتوسل بها لحماية نفسه.

وهكذا يتحول فشل الدولة في معالجة أزمة السكن إلى أحد عوامل تفكك الدولة نفسها.

أما من الناحية السياسية، فإن مشاهد الهدم قد تتحول إلى مادة دعائية تعكس مفهوماً خطيراً للقوة: قوة الدولة في مواجهة الضعفاء، لا قوتها في مواجهة الفساد والمافيات والمتاجرين بالأرض.

فإذا كان المواطن الذي بنى بيتاً متجاوزاً هو الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من المخالفات، فلماذا تبدأ الدولة بالمواطن وتنتهي عنده؟

أين تبدأ المسؤولية الحقيقية؟

عند المواطن الذي اشترى قطعة الأرض؟

أم عند السمسار الذي باعها؟

أم عند المتنفذ والحزب والفصيل الذي سمح بتقسيمها؟

أم عند الجهة الحكومية التي تغاضت عن نشوء المنطقة لسنوات؟

أم عند المسؤول الذي عرف بها ولم يتحرك منذ البداية ؟

إن العدالة الحقيقية لا تعاقب الحلقة الأضعف فقط، وإنما تبحث عن السلسلة كلها.

فليس من المنطق أن يتحول المواطن إلى كبش فداء لمنظومة كاملة من الفساد والإهمال والتواطؤ.

وإذا كانت الأراضي الزراعية مخصصة للزراعة، فيجب حماية الزراعة. وإذا كانت أراضي الدولة مخصصة لمشروعات عامة، فيجب حمايتها… ؛  وإذا كانت هناك تجاوزات، فيجب تطبيق القانون.. ,  لكن القانون نفسه يجب أن يكون جزءاً من سياسة سكنية عادلة وشاملة، لا مجرد لحظة هدم موسمية.

الحل ليس أن نترك التجاوزات تستمر، وليس أن نهدم البيوت بلا بديل.

الحل هو أن تتحول الدولة من سياسة الملاحقة بعد البناء إلى سياسة التخطيط قبل البناء.

أن توفر أراضي سكنية بأسعار مناسبة.

أن تبني مجمعات حقيقية للفقراء وذوي الدخل المحدود.

أن تضع برامج تمليك واضحة.

أن تراقب مافيات العقارات قبل أن تبيع الوهم للناس.

أن تلاحق المتنفذين الذين يقفون خلف شبكات بيع الأراضي غير القانونية.

أن تدرس المناطق القائمة دراسةً عمرانية وقانونية واجتماعية، ثم تميّز بين ما يمكن تنظيمه وتمليكه وتسويته، وما يجب إزالته فعلاً لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة.

فليس كل تجاوز متشابهاً.

هناك من يعتدي على أرضٍ عامة بهدف المضاربة والربح، وهناك أسرة فقيرة بنت غرفةً أو بيتاً لأنها لم تجد مكاناً آخر تنام فيه.

والعدل يقتضي ألا نضع الاثنين في السلة نفسها.

إن الدولة التي تحترم مواطنيها تستطيع أن تقول: هذا البناء مخالف، لكنك إنسان، وهذه عائلتك، وهذه حقوقك، وهذا البديل الذي وفرناه لك.

أما أن تقول: بيتك مخالف، فاهدموه، ثم اذهب وابحث عن مكان آخر، فهذه ليست معالجةً للأزمة، وإنما نقل للأزمة من مكان إلى آخر.

والأشد قسوة من الهدم نفسه هو تحويله إلى مشهد اعلامي احتفالي.

فالإنسان يمكن أن يتقبل القانون إذا شعر أن القانون عادل، لكنه يشعر بالإهانة عندما يرى معاناته تتحول إلى مادة للفرجة والاستعراض والتنمر والبطولة .

هناك فرق هائل بين تطبيق القانون وبين الاحتفال بتطبيقه.

الأول ضرورة للدولة.

والثاني قد يكون إهانةً للإنسان.

إن تصوير لحظة انهيار بيتٍ فوق أحلام أصحابه، ثم نشرها مصحوبة بالموسيقى والأناشيد الحماسية أو اللطميات والاهازيج الدينية ، يطرح سؤالاً أخلاقياً قبل أن يكون سياسياً: أين اختفت حساسية الإنسان تجاه ألم الإنسان؟

لقد أصبح الركام أحياناً صورةً للإنجاز، وأصبح سقوط الجدار علامةً على هيبة المؤسسة، وأصبح بكاء أصحاب المنزل خلفيةً لمقطع مصور اعلامي .

وهنا نحتاج إلى مراجعة عميقة لثقافة السلطة.

فالدولة ليست في مواجهة مواطنيها.

والمواطن ليس عدواً للدولة.

والبيت المخالف ليس جيشاً أجنبياً.

والشفل الاصفر  ليست دبابةً في معركة مع العدو .

والمسؤول الذي يقف أمام الجرافة ليس قائداً عسكرياً يفتح جبهةً جديدة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن تتحول المعاناة إلى انتصار، والضعف إلى فرجة، والهدم إلى بطولة.

فالحكومة الوطنية التي تريد بناء دولة حديثة تحتاج إلى بناء علاقة نفسية جديدة بين المواطن ومؤسساته؛ علاقة يشعر فيها الإنسان أن الدولة موجودة لحمايته وتنظيم حياته وتحقيق العدالة، لا لإذلاله عندما يكون في أضعف حالاته.

ومن هنا فإن ملف التجاوزات السكنية لا ينبغي أن يعالج بالشفلات الصفراء وحدها، وإنما بعقولٍ تخطط، ومؤسساتٍ تراقب، وقوانينَ عادلة، وسياساتٍ إسكانية طويلة الأمد.

أما الشفل الاصفر، فهي آخر حلقة في المشكلة وليست أولها.

فإذا وصلنا إلى مرحلة الهدم، فهذا يعني أن الدولة فشلت في مراحل كثيرة سبقت لحظة سقوط الجدار.

لقد كان يمكن للدولة أن تمنع بيع الأرض، وكان يمكنها أن تمنع السمسار، وكان يمكنها أن توفر البديل، وكان يمكنها أن تخطط المنطقة، وكان يمكنها أن تتدخل قبل أن تُنفق الأسرة كل مدخراتها… ؛  لكنها في كثير من الحالات لا تظهر إلا عندما يصبح البيت قائماً.

وهنا تتجسد المفارقة العراقية المؤلمة:

الدولة غائبة عندما يحتاجها المواطن، وحاضرة عندما يصبح المواطن بحاجة إلى الرحمة.

ولذلك فإن القضية ليست قضية شفل اصفر .

إنها قضية دولة.

وقضية عدالة.

وقضية كرامة.

وقضية انسانية .

وقضة وطن ومواطن .

وقضية إنسانٍ قضى سنوات من عمره ليبني أربعة جدران، ثم اكتشف أن الدولة التي كان ينتظر منها أن تساعده على بناء حياته، جاءت في النهاية لتعلّمه كيف يسقط بيته.

وفي النهاية، ينبغي أن نسأل أنفسنا سؤالاً فلسفياً بسيطاً لكنه موجع:

ماذا نريد من الدولة أن تكون؟

هل نريدها دولةً تبني الإنسان قبل الحجر، أم دولةً تقيس نجاحها بعدد الجدران التي أسقطتها؟

هل نريدها أن ترى خلف كل بيتٍ مخالف عائلةً وحكايةً وحاجةً وأملاً، أم أن ترى مجرد رقم في محضر إزالة؟

فالمدن لا تُبنى بالجدران وحدها، والدول لا تُبنى بالجرافات التي لا تعرف غير التخريب والتهديم والتفليش .

الدولة الحقيقية هي التي تستطيع أن تطبق القانون دون أن تفقد إنسانيتها، وأن تحمي الأرض دون أن تسحق الفقير، وأن تمنع التجاوز دون أن تجعل المواطن وحده يدفع ثمن فشل منظومة كاملة.

أما حين تصبح الشفلات الصفراء هي اللغة الوحيدة التي تتحدث بها الدولة مع الفقراء، فإن المشكلة لم تعد في البيوت وحدها.

المشكلة تصبح في البيت الأكبر: بيت الدولة نفسها.