
العشيرة في العراق كيف بدأت النواة الأولى سلبياتها وإيجابياتها تدخل العثمانيين والبريطانيين وصولاً لتدخل صدام حسين في بنيتها
تشكلت نواة العشائر في منطقة ما بين النهرين نتيجة حتمية جغرافية وبيئية. العراق بلد زراعي بامتياز، ولكنه محاط بصحارٍ شاسعة. تاريخياً، كانت هناك موجات هجرة مستمرة للقبائل البدوية من شبه الجزيرة العربية (نجد واليمن) نحو وادي الرافدين بحثاً عن الماء.
حين استقرت هذه القبائل على ضفاف دجلة والفرات، تحولت تدريجياً من حياة البداوة إلى الزراعة (وهو ما يسميه علي الوردي بصراع البداوة والحضارة). في غياب سلطة مركزية تحمي الفلاحين، كانت “العصبية القبلية” (رابطة الدم) هي الدرع الوحيد لحماية الأرواح والأراضي الزراعية ومصادر المياه من الغزوات.
لعب العثمانيون 1534 – 1918 دوراً خطيراً في تغيير طبيعة العشيرة العراقية. قبل العثمانيين، كان شيخ العشيرة هو “الأول بين متساوين”: يُنتخب لشجاعته وكرمه، ولا يملك الأرض بل يملكها أفراد العشيرة ككل
(الديرة).
في عام 1858، أصدر الوالي مدحت باشا
“نظام الطابو” (تسجيل الأراضي) بهدف
توطين العشائر لسهولة جني الضرائب وتجنيد الشباب. هنا حدث “العبث”: قام الشيوخ بتسجيل الأراضي الشاسعة التي تعود للعشيرة بأسمائهم الشخصية. تحول شيخ العشيرة من “أخ كبير” إلى “إقطاعي” (أغا)، وتحول أبناء عشيرته إلى “فلاحين أجراء” يعملون في أرضه. هذا أحدث شرخاً طبقياً عميقاً ودمر التكافل المادي داخل العشيرة.
واجه البريطانيون 1914 – 1958 مقاومة شرسة من العشائر (أبرزها ثورة العشرين). أدرك
البريطانيون، بقيادة بيرسي كوكس
وجيرترود بيل، أن السيطرة على العراق لا تتم إلا باحتواء الشيوخ.
أصدر البريطانيون عام 1916 “نظام دعاوى العشائر” (الذي أُقر كقانون لاحقاً). هذا القانون سحب سلطة القضاء المدني من الريف ومنح الشيوخ سلطات مطلقة كقضاة وحكام. تم تسليح الشيوخ الموالين ومنحهم أموالاً ومقاعد في البرلمان الملكي.
أصبحت العشيرة أداة بيد الاحتلال لضبط الريف، وزاد استبداد بعض الشيوخ المدعومين من الإنجليز ضد الفلاحين.
في السبعينات والثمانينات،
1979 – 2003 حاول حزب البعث تهميش دور العشيرة لصالح “الدولة والحزب”، واعتبر الانتماء العشائري تخلفاً.
ولكن كل هذا تغير جذرياً بعد حرب الخليج عام 1991 وما تلاها من انتفاضة وحصار
اقتصادي.
انهارت قدرة الدولة على ضبط الأمن وتوفير الرعاية، فلجأ صدام حسين إلى إطلاق ما عُرف ب “صحوة العشائر”. قام بتسليح الشيوخ ومنحهم أموالاً وصلاحيات أمنية
لقمع المعارضين وحفظ الأمن في مناطقهم، وأعاد العمل بالأعراف العشائرية لتخفيف العبء عن المحاكم. بل وصنع النظام شيوخاً جدداً موالين له سُموا شعبياً ب “شيوخ التسعين”، مما أدى إلى تسييس العشيرة بالكامل وجعلها درعاً لحماية النظام بدلاً من كونها كياناً اجتماعياً مستقلاً.
السلبيات (عند بناء الدولة المدنية)
الأعراف العشائرية (السنينة) كثيراً ما تتجاوز قانون الدولة وتفرض أحكامها الخاصة.
يُقدم الولاء للعشيرة على الولاء للوطن والكفاءة، مما يغذي الفساد الإداري (الواسطة).
ظلم النساء: ممارسات مثل “النهوة” (منع زواج البنت إلا لابن عمها) أو “الفصلية” (تقديم امرأة كتعويض لفض نزاع دموي)، ورغم منعها قانوناً وشرعاً، ظلت تُمارس في فترات الضعف.
الدكة العشائرية: اللجوء للسلاح لترويع الخصوم (والتي صنفها القضاء العراقي مؤخراً كعمل
إرهـ ـابي) وتوارث الثأر الذي يفتك بأبرياء لا ذنب لهم.
الإيجابيات (عند غياب الدولة)
توفر العشيرة شبكة حماية مالية واجتماعية (الفصل، الدية) لأفرادها في أوقات الأزمات والفقر.
تمتلك العشائر آليات فعالة لفض النزاعات وحقن الدماء بسرعة تفوق المحاكم الروتينية.
ترسيخ مبادئ النخوة، الكرم، الشجاعة، وإغاثة الملهوف في نفوس الأجيال.
تاريخياً، كانت العشائر هي القوة المسلحة الأبرز في مواجهة الغزاة (مثل دورها في ثورة العشرين).
العشيرة في العراق ليست كياناً شريراً بطبعها، بل هي “هيكل نجاة” بناه المجتمع العراقي لمواجهة قسوة الطبيعة وغياب الدولة. لكن الحكومات المتعاقبة (عثمانية، بريطانية، وصولاً للأنظمة الجمهورية) تلاعبت بهذا الهيكل، فحولته في كثير من الأحيان من ملجأ اجتماعي آمن إلى أداة سياسية وميليشياوية تُستخدم للحكم والسيطرة.
#أسعد_صباح_البديري

