LOGO

​عامٌ على الغياب … وما زال المقعدُ ينتظر

​آسيا الأهدل

​عامٌ كاملٌ مرَّ منذُ أن غاب أحمدُ غالب الرهوي، رئيسُ حكومة التغيير والبناء، عن مقعده، وعن مكتبه، وعن وجوه الذين اعتادوا حضوره، وعن وطنٍ لم يكن يعلم أن صباحًا ما سيستيقظ فيه على خبرٍ أثقل من أن يُقال، وأوجع من أن يُصدَّق.
​في مثل هذا اليوم، لم يكن استشهادُ البطل أحمدَ الرهوي ورفاقه مجردَ خبرٍ عابرٍ في نشرات الأخبار؛ بل كان بابًا هائلًا فُتح في جدار الذاكرة، ودخلت منه صنعاء إلى فصلٍ آخر من فصول التضحية والفداء.
​رحل الرجلُ، وبقيت الأسئلة.
رحل الجسدُ، وبقي الاسم.
غاب الصوتُ، وبقي صداه يتردد في الأماكن التي مرّ بها، وفي الوجوه التي عرفته، وفي ذاكرة وطنٍ تُكثر الأيام من امتحانه، ولا تمنحه وقتًا كافيًا ليلتقط أنفاسه.
​كان أحمدُ الرهوي واحدًا من أولئك الذين لا ينتهي حضورهم بانتهاء أعمارهم؛ لأن بعض الرجال لا تكتفي الحياة بكتابتهم في سجلّ الأحياء، بل تترك لهم صفحةً أخرى في سجلّ الذاكرة.
​صفحةً عنوانها: ما الذي يبقى من الإنسان حين يمضي؟
​يبقى منه ما زرعه في الناس، وما تركه من أثر، وما حمله من هموم وطنه، وما اختزنه من مواقف في سنواتٍ كانت البلاد فيها تمشي فوق أرضٍ كثيرة الشقوق، وهي أحوج ما تكون لمثل هؤلاء الرجال الأبطال.
​في الذكرى الأولى، لا نستعيده بوصفه منصبًا سياسيًا فحسب، ولا باعتباره اسمًا مرَّ على رأس حكومة ثم غادرها؛ بل نستعيد الإنسان الذي اختصرته الأيام في لحظةٍ واحدة، وجعلت من غيابه ذاكرةً مفتوحة على وجع اليمن كله.
​عامٌ مضى وما زالت المقاعد تعرف أصحابها، وما زالت المكاتب تحفظ وقع الخُطى، وما زالت الأماكن، حين يخلو منها أهلها، تُصبح أكثر كلامًا من البشر.

​للموت قدرةٌ عجيبة على أن يُحوِّل الإنسان من شخصٍ نراه كل يوم إلى معنى نفتقده كل يوم. وهكذا صار الرهوي ورفاقه ذكرىً لا تُقاس بالسنوات، بل بمقدار الفراغ الذي تركوه وراءهم.
​إنَّ عامًا واحدًا في حساب الزمن ليس إلا صفحةً صغيرة، لكنه في حساب الفقد قد يكون عمرًا كاملًا؛ لأن الحزن لا تُعدُّ أيامه بالتقويم، وإنما بعدد المرات التي نمدُّ فيها أيدينا إلى الذاكرة فنجد الغائب هناك، ثم نعود إلى الواقع فلا نجده.

​يا أحمد ​لم تعد لكَ مواعيد مع الصباح، لكن الصباح والوطن والشعب يعرفون اسمك، لم تعد تعبر أبواب المكاتب، لكن الأبواب تحفظ ظلك، ولم تعد تجلس بين الرجال، ولكنك ما زلت حاضراً معهم بوفائك وبصدقك وبإخلاصك لله وللقيادة، وبصورتك التي بقيت في مقاعد الذاكرة.
​ولم يعد الموت قادرًا على أن يأخذ منك شيئًا؛ لأنك صرت شهيدًا حيًّا تُرُزَق بجوار ربك، وتركت وراءك اسمًا ودربًا وطريقًا يسلكه الصادقون مع الله، والاسم حين يسكن الذاكرة لا تدفنه السنوات.

​سلامٌ على روحك يوم غادرت هذا العالم مثقلًا بأحلام وطنٍ لم يكتمل شفاؤه، وسلامٌ على رفاقك الأحرار الذين استشهدوا ومضوا معك في الطريق نفسه، وسلامٌ على كل أمٍّ فتحت بابها ذات يوم، ثم اكتشفت أن الذي خرج منه لن يعود، وسلامٌ على وطنٍ ما زال يقدِّم ويُضحِّي بأبنائه الشرفاء في سبيل الله وفي سبيل نيل الحرية والعزة والكرامة، ثم يقف فوق قبورهم حائرًا: أيُّ طريقٍ بقي لنا بعد كل هذا النزف؟
​في الذكرى الأولى، لا نريد أن نجعل من الحزن صنمًا نطوف حوله، ولا من الغياب نهايةً للحكاية؛ فالشهادة -مهما رآها البعض قاسيةً- فهي فلاحٌ وفوزٌ وحياةٌ بجوار الخالق البارئ سبحانه وتعالى.
​وما أكثر الذين رحلوا بأجسادهم، ثم بقيت سيرتهم ومواقفهم وبطولاتهم تمشي بين الناس! لذلك، ستبقى الذكرى ما بقي في اليمن قلبٌ يتذكر، وعينٌ تدمع، وضميرٌ يرفض أن يجعل من الإنسان مجرد رقمٍ في دفتر الأيام، ​رحم الله أحمدَ غالب الرهوي رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجبر قلوب أهله ورفاقه ومحبيه، ورحم الله كل من ارتقى معه، وكل شهيدٍ حمل معه إلى السماء شيئًا من وجع هذا الوطن.
​عامٌ مضى يا أحمد ؛لكن بعض الغياب لا يشيخ وبعض الأسماء لا تموت وبعض الرجال، حين يغادرون الحياة، يتركون خلفهم سؤالًا طويلًا معلّقًا في سماء الوطن: ​كيف يمكن لجسدٍ أن يرحل … ويبقى صاحبه حاضرًا كل هذا الحضور؟
​لعل الجواب أنَّ الذين يعبرون الحياة بأثرٍ صادق، لا يغادرونها تمامًا؛ إنما يغيّرون مكانهم فقط .

​من مقاعد الحياة إلى ذاكرة الناس،
ومن ضجيج الأيام إلى صمت الخلود.
​رحم الله أحمدَ غالب الرهوي ورفاقه، وغفر لهم، وجعل قبورهم روضاتٍ من رياض الجنة. ولعنة الله على كل خائنٍ باع أرضه ووطنه، والموت كل الموت لأمريكا وإسرائيل وآل سعود، والنصر للوطن.
#​اتحاد_كاتبات_اليمن