LOGO

الرئيس ترامب يطارد العدالة الدولية، فيستهدف رئيسة المحكمة الجنائية الدولية بالعقوبات

عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

تطرح المواجهة المحتدمة بين الإدارة الأمريكية، والمحكمة الجنائية الدولية، تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام الدولي القائم على القواعد، والحدود التي يمكن للدول الكبرى أن تصل إليها في فرض إرادتها السياسية على المؤسسات القضائية المستقلة.

إن المساعي الراهنة لتقليص صلاحيات المحكمة، أو تفريغها من مضمونها، لا تمثل مجرد خلاف قانوني عابر، بل تشكل تحولًا استراتيجيًا، يحمل في طياته تداعيات خطيرة على النفوذ الأمريكي نفسه وعلى وحدة التحالفات الغربية.
وقدز​بدأت أبعاد هذه الأزمة تتشكل بصورة أكثر عدائية مع توجه واشنطن لنفي أي ولاية قضائية للمحكمة على الرعايا الأمريكيين وحلفائهم المقربين، وفي مقدمتهم إسرائيل.

وتتجلى هذه السياسة في فرض العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية على كبار مسؤولي المحكمة والقضاة، واستخدام أدوات الضغط السياسي لمعارضة أي مذكرات توقيف أو تحقيقات تطال ممارسات عسكرية أو سياسية حليفة.

فهذا النهج يستند إلى رؤية ترى في العدالة الدولية وسيلة يجب أن تقتصر على معالجة النزاعات في نطاقات جغرافية محددة أو ضد الخصوم السياسيين، دون أن تمتد يد العدالة لتشمل ممارسات الدول الكبرى أو حلفائها الاستراتيجيين.

​إن الإصرار على تحييد المحكمة الجنائية الدولية، وإعادة صياغة دورها ليشمل فقط دولًا محددة، يفرغ الميثاق التأسيسي للمحكمة (ميثاق روما) من هدفه الأساسي، وهو منع الإفلات من العقاب وتحقيق العدالة الشاملة.

وعندما تُجرَّد المؤسسة القضائية الدولية من إستقلاليتها وتصبح المحاكمات محصورة في أطراف دون أخرى، يفقد القانون الدولي قيمته الأخلاقية والقانونية، ويزداد الشعور بوجود سياسة ازدواجية المعايير.

ف​على الصعيد الاستراتيجي، فإن هذه المعركة قد ترتد عكسياً على النفوذ الأمريكي.

تعتمد واشنطن في قيادتها للعالم على شبكة واسعة من التحالفات، خاصة مع الدول الأوروبية التي تعتبر المحكمة الجنائية الدولية إحدى القواعد الأساسية للنظام العالمي القائم على الحقوق والقانون.

والضغط الأمريكي المستمر على هذه المؤسسة يضع الحلفاء الأوروبيين في موقف حرج، حيث يجدون أنفسهم ملزمين بين الوفاء بالتزاماتهم القانونية والدولية بموجب ميثاق روما، وبين مسايرة الضغوط الأمريكية.

هذا التباين يؤدي إلى تآكل الثقة المتبادلة ويعقد التعاون العسكري والأمني والأحكام القضائية المشتركة بين الجانبين.

و​إضافة إلى ذلك، فإن إضعاف المؤسسات القضائية الدولية يفتح المجال أمام القوى الإقليمية والدولية الأخرى لتجاهل المواثيق الدولية بنفس الذريعة، مما يؤدي إلى تراجع الانضباط القانوني على الساحة الدولية وشيوع منطق القوة على حساب قوة القانون.

إن تحويل المحكمة إلى أداة إنتقائية أو محاولة السعي لإلغاء دورها، لن يؤدي فقط إلى تقويض العدالة الدولية، بل سيؤدي على المدى البعيد إلى إضعاف الشرعية الأخلاقية التي تعتمد عليها واشنطن لتمرير سياساتها وتشكيل التحالفات.. الدولية.

وإنَّ غدًا لناظره قريب

31 آب/ أغسطس 2026