
أخطر ما يمكن أن يصيب الأوطان ليس الحرب، ولا الفقر، ولا حتى الانقسام السياسي… بل ضياع البوصلة.
حين يصبح المواطن عاجزاً عن التمييز بين الحق والخطأ، بين الثورة والمصلحة، بين الكرامة والخضوع، هنا تبدأ الأزمة الحقيقية.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
أين البوصلة؟
ولماذا أصبح ابن الثورة تائهاً يبحث عن اتجاهه، بينما من كان يوماً جزءاً من منظومة الانبطاح يعرف جيداً أين يقف وكيف يحجز مكانه في المشهد الجديد؟
المشكلة ليست في الشعارات، فالشعارات دائماً جميلة على الورق، بل في الممارسة اليومية التي تصنع المزاج الشعبي وتحدد اتجاه الناس.
عندما يشعر المواطن أن الأبواب تُفتح لفئة محددة وتُغلق أمام أخرى، وأن الفرص تُمنح وفق العلاقات لا الكفاءات، وأن المحسوبيات بدأت تتسلل إلى مفاصل الدولة، تبدأ البوصلة بالانحراف تدريجياً .
المعارضة لا تُصنع بخطابات الخصوم، بل تُصنع من الداخل.
كل ظلم صغير يتحول مع الوقت إلى غضب، وكل قرار غير مدروس يتحول إلى شرخ، وكل تجاهل لمعاناة الناس يصبح وقوداً لحالة رفض تتسع يوماً بعد يوم.
من يريد أن يعرف كيف تُصنع المعارضات، فالأمر بسيط جداً :
ابدأ بالتمييز بين الناس.
ازرع شعور الإقصاء.
دع الفساد يلبس ثوب النفوذ.
أهمل الفقراء وأصحاب الكفاءات.
واجعل المواطن يشعر أن صوته بلا قيمة… بعدها لن تحتاج إلى خصوم، لأنك تكون قد صنعتهم بنفسك.
الأوطان لا تُدار بمنطق الغلبة، بل بمنطق العدالة.
فالناس قد تصبر على الجوع أحياناً ،لكنها لا تصبر طويلاً على الإهانة أو الشعور بأن التضحيات ذهبت لغير مستحقيها.
ما يحدث اليوم ليس مجرد اختلافات سياسية، بل حالة ضياع عامة في الاتجاه.
هناك من بدأ يشعر أن الثورة التي خرجت لأجل الكرامة يجب أن تحمي كرامة الناس أولاً، وأن أي سلطة مهما كانت شعاراتها ستفقد مشروعيتها الشعبية إذا ابتعدت عن هموم المواطن الحقيقية.
البوصلة الوطنية لا تُقاس بكثرة المؤيدين على الشاشات، بل بقدرة الدولة على حماية العدالة الاجتماعية، واحترام الإنسان، وفتح المجال أمام أصحاب الكفاءة لا أصحاب الولاءات.
التاريخ يقول دائماً إن الأوطان لا تسقط فجأة، بل تبدأ بالسقوط عندما يفقد الناس إيمانهم بالعدالة.
وعندما يصبح النقد تهمة، والمطالبة بالحقوق نوعاً من الخيانة، تبدأ المسافة بين الشعب والسلطة بالاتساع بصمت… حتى تصل إلى نقطة يصعب ترميمها.
اليوم نحن لا نحتاج إلى صناعة خصوم جدد، بل إلى مراجعة حقيقية تعيد البوصلة إلى مكانها الصحيح، قبل أن يتحول الصمت الشعبي إلى غضب لا يمكن احتواؤه.




