
رياض سعد
تحرص الحكومات الوطنية في مختلف دول العالم، أشدَّ الحرص، على المحافظة على ثروات الوطن ومصالح المواطنين؛ فهي موجودة أساسًا لأداء وظيفتها في حماية الوطن والإنسان، وصيانة حقوقهما، وإدارة موارد الدولة بما يحقق الأمن والاستقرار والرفاه… ؛ وتقاس عظمة الحكومات، في جانب كبير منها، بمدى إخلاصها لأوطانها، وبحجم ما تقدمه من خدمة لمواطنيها، وبقدرتها على تحويل السلطة من أداة للسيطرة إلى وسيلة للبناء والرعاية والحماية والتنمية .
إلا أن الصورة في العراق تبدو، في كثير من جوانبها، مختلفة ومؤلمة… ؛ فمنذ تشكيل أول حكومة هجينة حديثة عام 1921، وصولًا إلى هذه اللحظة، ظلت الحكومات المتعاقبة، بحسب ما يراه كثير من العراقيين، تتعامل مع الثروات الوطنية في أحيان كثيرة بطريقة لا تعكس وعيًا سياسيًا أو شعورًا كافيًا بالمسؤولية الوطنية، فضلًا عن طريقة تعاملها مع مصالح المواطنين وشؤونهم… ؛ فكثيرًا ما يشعر العراقي بأن مؤسسات الدولة لا تنظر إليه بوصفه مواطنًا يجب أن تُصان كرامته وتُلبّى احتياجاته، بل بوصفه مشكلة ينبغي التخلص منها، أو خصمًا ينبغي إخضاعه، مع أن الأصل أن يكون المواطن شريكًا في الوطن، وأخًا في الانتماء، يستحق الخدمات والحماية من الأخطار والأضرار.
ومن بين الملفات السلبية والمنكوسة التي تطال حياة العراقيين، وعلى أيدي الحكومات والمؤسسات التي تدّعي تمثيل الشعب وخدمته، يبرز ملف **إزالة التجاوزات والتعامل مع المتجاوزين**؛ وهو ملف يكشف، في كثير من الأحيان، عن طبيعة العلاقة المضطربة بين المواطن والسلطة، وعن غياب الحلول الإنسانية التي ينبغي أن تسبق إجراءات العقوبة والهدم والمصادرة والملاحقة.
لقد تعاقبت على العراق، قديمًا وحديثًا، سياسات يمكن وصفها بسياسات التوريط وتعقيد الأمور وعرقلة شؤون الحياة العامة… ؛ فمن الإجراءات البيروقراطية المعقدة في الدوائر الحكومية، إلى إقرار القوانين المجحفة أو تطبيقها بطريقة تزيد حياة العراقي تعقيدًا ولا تستجيب لحاجاته الفعلية، يجد المواطن نفسه يدور في حلقة مفرغة من العقوبات والغرامات والمراجعات والتعقيدات.
ثم يأتي التلكؤ في تقديم الخدمات العامة، والتأخر في إنشاء البنى التحتية الضرورية، ولا سيما تلك المرتبطة بالأنشطة والفعاليات والمجالات التربوية والتعليمية والصحية والاقتصادية والثقافية وغيرها… ؛ وتنتهي هذه السلسلة الطويلة من الإخفاقات بالاضطرابات السياسية المفتعلة، والأزمات الاقتصادية المتكررة، والانتكاسات الاجتماعية، والمعارك والحروب العسكرية التي دفع المواطن العراقي أثمانها من أمنه واستقراره ولقمة عيشه ومستقبل أبنائه ؛ ولا زال .
لقد أدت كل هذه الظروف إلى إرباك حياة المواطن العراقي، وإرهاقه، واستنزاف طاقاته وقدرته على الاحتمال.
وحين تعجز الدولة عن توفير فرص العمل الكافية، أو تعجز عن تنظيم الأسواق والأنشطة الاقتصادية، أو تتأخر في تقديم الخدمات الأساسية، فإن المواطن لا يجد في كثير من الأحيان أمامه سوى أن يبحث بنفسه عن وسيلة مشروعة للعيش، وأن يفتش عن مكان صغير يبيع فيه بضاعته أو يقدم من خلاله خدمة تعينه على إعالة أسرته.
وهنا يفترض أن تبدأ مسؤولية أمانة بغداد والمجالس البلدية في المحافظات وسائر المؤسسات المعنية.
فبدلًا من أن تقتصر العلاقة بين الدولة والكاسب العراقي على المطاردة والملاحقة، كان من الواجب أن تؤدي هذه المؤسسات دورها الحقيقي تجاه المواطن، من خلال تقديم الخدمات، وإنشاء الحدائق العامة والمتنزهات الواسعة والملاعب الرياضية، وتنظيم الأسواق الثابتة والمتحركة، وتعبيد الطرق والشوارع، وتحديد الكراجات العامة، وتخصيص أماكن مناسبة ومجهزة بالخدمات للكسبة والباعة المتجولين وأصحاب **الجنابر والبسيطات**.
وكان من الممكن كذلك أن تعمل الدولة على تصميم نماذج حضارية ومتطورة للأكشاك والجنابر والبسيطات، وللمحلات الصغيرة وسيارات البيع المباشر، بحيث لا يبقى تنظيم المدينة قائمًا على منطق الهدم وحده، بل يتحول إلى مشروع حضاري يوازن بين جمال المدينة وحق الإنسان في العمل والعيش الكريم .
فهل من المستحيل أن تنشئ أمانة بغداد أو المجالس البلدية أسواقًا شعبية منظمة؟!
وهل من الصعب تخصيص أماكن محددة للباعة المتجولين؟!
وهل تعجز الدولة عن تصميم أكشاك حضارية موحدة، ومنحها للمواطنين وفق ضوابط واضحة ورسوم معقولة؟!
وهل الحل الوحيد لتنظيم المدينة هو أن تأتي الآليات والجرافات، فتزيل مصدر رزق الفقير، من دون أن يُقدَّم له بديل كريم ومناسب؟!
إن المشكلة ليست في تنظيم المدن، ولا في تطبيق القانون، ولا في إزالة التجاوزات التي تهدد الممتلكات العامة أو تعطل المشاريع والخدمات… ؛ فتنظيم المدن ضرورة، واحترام القانون ضرورة، وحماية الأملاك العامة واجب… ؛ لكن المشكلة تكمن في الطريقة التي يُطبَّق بها القانون، وفي تحويل المواطن الفقير والكاسب البسيط إلى الهدف الأسهل لسلطة بعيدة كل البعد عن هموم الناس ؛ ولا تجد في معالجة الأسباب الحقيقية للفوضى الاقتصادية والاجتماعية.
إن من المؤلم أن يرى العراقي أن بعض المؤسسات التي يفترض بها أن تساعده على تنظيم حياته وتوفير ظروف العمل المناسبة له، تتحول، في نظره، إلى أجهزة لا تمتلك سوى وظيفة واحدة: مطاردته وإلحاق الضرر بأنشطته الاقتصادية.
تجد الكاسب البسيط تحت الملاحقة، والباعة المتجولين يُتتبَّعون في الشوارع، وأصحاب الجنابر والبسيطات يعيشون في خوف دائم من حملات الإزالة والمصادرة والهدم، وكأنهم مجرمون خطرون، لا مواطنون يحاولون الحصول على لقمة حلال بكدّ أيديهم وعرق جباههم.
يتتبعونهم تحت كل حجر ومدر، ويلاحقون مصدر رزقهم، ويصادرون أدوات عملهم، وأحيانًا تُزال أماكنهم بالقوة، من دون أن يُسأل السؤال الأهم: إلى أين يذهب هؤلاء بعد إزالة مصدر رزقهم؟!
ماذا يفعل الأب الذي يعيل أسرة؟!
وماذا تفعل الأرملة التي تعيش من بيع بسيط؟!
وأين يذهب الشاب الذي لم يجد وظيفة، فقرر أن يصنع لنفسه عملًا صغيرًا بدل أن يمد يده إلى الآخرين؟!
إن إزالة التجاوز من دون توفير بديل ليست حلًا كاملًا للمشكلة، بل قد تكون في بعض الحالات انتقالًا بالمشكلة من مكان إلى آخر… ؛ فحين تهدم الدولة مكان عمل إنسان من دون أن توفر له فرصة بديلة، فإنها لا تعالج الفقر، بل قد تعمقه؛ ولا تقضي على البطالة، بل قد تدفع صاحبها إلى مزيد من اليأس والعوز.
إن الدولة التي تريد تنظيم مدنها بصورة حضارية لا تبدأ بالجرافة، بل تبدأ بالتخطيط… ؛ ولا تبدأ بالمصادرة، بل بالبديل. ولا تبدأ بالقوة، بل بالحوار والتنظيم ووضع الحلول العملية.
فالموظف الحكومي ليس جابيًا للغرامات والضرائب فحسب , وليس جلادا ينفذ العقوبات ، ولا رجل البلدية خصمًا للمواطن، ولا الشرطي عدوًا للكاسب… ؛ هؤلاء جميعًا موظفون في خدمة الناس، ورواتبهم تُدفع من المال العام، ووظيفتهم الحقيقية يجب أن تقوم على حماية المواطن وتنظيم حياته وتسهيل شؤونه، لا على تحويل حياته إلى سلسلة لا تنتهي من المراجعات والابتزاز والخوف والإذلال... .
لقد أصبح العراقي، في كثير من الأحيان، يشعر بأنه مطارد حتى وهو يحاول أن يعيش… ؛ فإذا أراد أن يبني بيتًا اصطدم بالإجراءات، وإذا بحث عن وظيفة وجد الأبواب مغلقة، وإذا حاول أن يفتح عملًا صغيرًا واجه التعقيدات والرسوم والموافقات، وإذا اضطر إلى البيع في الشارع بسبب غياب البديل، جاءت الحملات والشفلات لإزالته ومصادرة مصدر رزقه.
وهكذا يجد المواطن نفسه محاصرًا بين البطالة من جهة، والتعقيدات الحكومية من جهة أخرى، والملاحقة والعقوبات من جهة ثالثة.
فإلى متى تستمر هذه المهازل والجرائم بحق المواطنين؟!
إلى متى تبقى مؤسسات الدولة عاجزة عن تقديم الحلول، لكنها قادرة دائمًا على استخدام القوة؟!
وإلى متى يُطلب من العراقي أن يحترم القانون، بينما لا يجد الدولة نفسها حاضرة لتوفير الحد الأدنى من الظروف التي تمكّنه من العيش والعمل بكرامة؟
ومتى تأتي حكومات وطنية تشعر فعلًا بهموم العراقيين، وتفهم مشكلاتهم، وتقدم لهم أفضل الحلول بدلًا من زيادة أعبائهم؟
متى تتحول مؤسسات الدولة من مؤسسات للملاحقة إلى مؤسسات للخدمة؟
ومتى تصبح أمانة بغداد والمجالس البلدية والدوائر الحكومية شريكًا للمواطن في تنظيم حياته، بدل أن تتحول العلاقة بينهما إلى علاقة مطاردة دائمة؟
إن تنظيم المدن لا يعني تحطيم الفقراء، وحماية القانون لا تعني إذلال المواطنين، وإزالة التجاوز لا ينبغي أن تعني تشريد العائلات أو قطع أرزاق الناس من دون توفير البدائل الكريمة والمناسبة.
إن الدولة الحقيقية لا تقاس بعدد ما تهدمه من أكشاك وجنابر وبسطات، ولا بعدد ما تصادره من أدوات وبضائع الفقراء، بل تقاس بعدد الحلول التي تقدمها لمواطنيها، وبقدرتها على تحويل الفوضى إلى نظام من دون تحويل الإنسان إلى ضحية.
ومتى يُترك العراقي ليعيش بكرامة، من دون أن يبقى أسيرًا لابتزاز بعض الموظفين وجلاوزة الدوائر الحكومية وتعقيداتها؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم، لا بوصفه شكوى عابرة، بل بوصفه سؤالًا عن فلسفة الدولة نفسها: هل وُجدت الدولة لخدمة المواطن أم لتحويل حياته إلى معركة يومية من أجل البقاء؟
فالمواطن ليس متهمًا حتى تثبت براءته، وليس عدوًا للدولة حتى يُطارَد، وليس رقمًا في سجل المخالفات والغرامات، بل هو أساس الدولة وسبب وجودها… ؛ وإذا فقد الإنسان حقه في العمل والعيش الكريم والأمان، وتحولت مؤسسات بلاده إلى مصدر للخوف بدل أن تكون مصدرًا للحماية، فإن المشكلة لا تكون في «التجاوز» وحده، بل في تجاوز الدولة نفسها على وظيفتها الإنسانية والوطنية والأخلاقية.


