
Oplus_16908288
خالد الغريباوي
ما يجري اليوم في الساحل الغربي لليمن لم يعد مجرد معركة داخل الحرب اليمنية بل أصبح تحولاً استراتيجياً قد يعيد رسم موازين القوى في غرب آسيا
القوات التابعة لأنصار الله الحوثيين حققت تقدماً واسعاً وسيطرت على المخا ومينائها الاستراتيجي بحسب التقارير المتداولة كما تتحدث تقارير عن وصولها إلى حنيش الكبرى وحنيش الصغرى والتقدم باتجاه جزيرة ميون وهو تطور بالغ الخطورة بسبب الموقع الحساس لهذه الجزر بالقرب من باب المندب
إذا تمكن الحوثيون من تثبيت وجودهم في ميون والمواقع المحيطة بها فإنهم سيقتربون من امتلاك قدرة استراتيجية على مراقبة وتهديد أهم ممرات الملاحة في البحر الأحمر وهذا لا يعني بالضرورة إغلاق باب المندب بالكامل لكنه يعني امتلاك ورقة ضغط هائلة على حركة السفن والتجارة الدولية
استراتيجية الحوثيين تبدو واضحة وهي تحويل الساحل الغربي من منطقة قتال إلى منظومة نفوذ عسكري تبدأ من المخا وتمتد نحو حنيش وميون وذباب وباب المندب فكل موقع جديد يتم تثبيته يرفع قدرتهم على التحكم بالمجال البحري وتهديد الملاحة وفرض معادلة جديدة على خصومهم
وهنا يظهر الدور الإيراني فالدعم الإيراني للحوثيين في مجال التسليح والخبرة والتكنولوجيا العسكرية ساهم في تطوير قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيرة والقدرات البحرية وأصبح اليمن بالنسبة إلى إيران ورقة استراتيجية للضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج
المعادلة الأخطر أن إيران وحلفاءها يمتلكون نقاط ضغط متعددة في المنطقة فهناك باب المندب في الجنوب ومضيق هرمز في الخليج وهذا يجعل المحور الإيراني قادراً على تهديد أهم ممرات الطاقة والتجارة في غرب آسيا إذا اندلعت مواجهة إقليمية واسعة
أما الحديث عن وجود تخادم أو تنسيق بين الحوثيين وبعض القوى المسلحة في القرن الأفريقي فيحتاج إلى أدلة مؤكدة لكن مجرد وجود قوى مسلحة على جانبي باب المندب يزيد من تعقيد البيئة الأمنية حول هذا الممر الحيوي
الولايات المتحدة واجهت الحوثيين بالقوة العسكرية ونفذت ضربات واسعة ضد مواقعهم وقدراتهم لكنها لم تتمكن من إنهاء قدرتهم على القتال وهذا يكشف مشكلة استراتيجية كبيرة أمام واشنطن لأن الحوثيين يخوضون حرب استنزاف تجعل تكلفة ضرباتهم منخفضة نسبياً مقارنة بتكلفة العمليات الأمريكية
السعودية والإمارات تدركان خطورة هذا التحول لأن السيطرة الحوثية على الساحل الغربي والاقتراب من باب المندب تعني انتقال التهديد من الجبهات البرية إلى الممرات البحرية وهو ما يمكن أن يؤثر على أمن البحر الأحمر والموانئ وحركة التجارة
ولهذا فإن المخا وحنيش وميون ليست مجرد مواقع عسكرية عادية فالمخا تمنح الحوثيين منفذاً استراتيجياً وحنيش تمنحهم عمقاً بحرياً وميون تمثل نقطة شديدة الحساسية وباب المندب يمثل الهدف الاستراتيجي الأكبر
إذا تمكن الحوثيون من تثبيت هذه المواقع وربطها بمنظومة عسكرية واحدة فإنهم لن يكونوا قد حققوا انتصاراً داخل اليمن فقط بل سيكونون قد امتلكوا قدرة على التأثير في واحدة من أهم بوابات التجارة العالمية
وهنا تتغير المعادلة من سؤال هل يستطيع الحوثيون إغلاق باب المندب إلى سؤال أخطر وهو هل يستطيعون جعل المرور عبر باب المندب أكثر خطورة وأكثر تكلفة وهذا وحده يمكن أن يفرض تغييراً في طرق الملاحة والتأمين والتجارة العالمية
غرب آسيا يدخل بذلك مرحلة شديدة الحساسية لأن الصراع لم يعد يعتمد فقط على الجيوش والقواعد العسكرية بل أصبح يعتمد على السيطرة على الموانئ والجزر والمضائق والممرات البحرية
ومن هنا فإن أي تقدم جديد باتجاه ميون أو ذباب أو تثبيت السيطرة على حنيش والساحل الغربي سيجبر الولايات المتحدة والسعودية والإمارات وإسرائيل على إعادة حساباتها
المعركة لم تعد معركة على مدينة أو محافظة يمنية فقط بل أصبحت معركة على الجغرافيا البحرية وعلى باب المندب وعلى ميزان القوى في غرب آسيا
وإذا نجح الحوثيون في تثبيت نفوذهم حول باب المندب فإن اليمن سيتحول من ساحة حرب إلى ورقة استراتيجية تستطيع التأثير في البحر الأحمر والتجارة العالمية وحسابات القوى الكبرى في المنطقة


