سبتمبر 11, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

تناول الباحث والدكتور فاضل حسن شريف في سلسلة دراساته حول التكرار والبيان القرآني الآية الكريمة: “مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ” (الأعراف 20)، متوقفاً عند تكرار الفعل (تَكُونَا). أبرز لفتات وإشارات د. فاضل حسن شريف حول هذا التكرار: التأكيد والتأثير النفسي (أسلوب الوسوسة): يوضح أن الشيطان (إبليس) استخدم تكرار الفعل “(تَكُونَا)” في خطابه لآدم وحواء لتعميق الإغواء والتأثير النفسي. فلو قال “إلا أن تكونا ملكين أو من الخالدين” لكان المعنى مستقيماً، لكن إعادة الفعل تجعل كل خيار قائماً بذاته ومستقلاً في الذهن، مما يزيد من جاذبية العرض ويدفع نحو المغرريات. استقلال الغايتين والمغريين: تكرار الفعل يفرّق بين الملكية (أن يصبحا من الملائكة) وبين الخلود (عدم الفناء)، ليعامل كلاً منهما كمطلب مستقلاً بذاته، فالأولى رفعة في المنزلة (الملائكية)، والثانية بقاء واستمرار (الخلود). التكرار يمنح كل غاية وزناً بلاغياً خاصاً لتوسيع دائرة الطمع. الإعجاز اللفظي والربط بالاستثناء: يستعرض د. فاضل حسن شريف كيف أن أدوات الاستثناء وتكرار الأفعال في القرآن الكريم تخدم البناء الدلالي للنص، فتكرار “تَكُونَا” بعد أداة الاستثناء “إلّا” وجوابها يعطي انطباعاً بأن الحصر مُركّز على التحول التام في الحالة (من حالة البشرية إلى الملائكية أو الخلود).

يهتم الدكتور فاضل حسن شريف في دراساته القرآنية بملاحظة دلالات تكرار الألفاظ والعبارات، مشيراً إلى أن التكرار في النص القرآني ليس مجرد إعادة لفظية، بل يحمل غايات بيانية وتربوية وتأكيدية متعددة. أبرز الأمثلة والنماذج التي يتناولها في أبحاثه حول التكرار القرآني: تكرار الآيات للتقرير والردع: سورة الرحمن “فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ”: يشير إلى أن تكرار الآية 31 مرة يأتي عقب كل نعمة مفصلة (سواء كانت نعم خلقية، أو كونية، أو أخروية) لتقريع المكذبين وتذكير الثقلين (الجن والإنس) بوجوب الشكر ومنع الغفلة. سورة المرسلات “وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ”: يتناول تكرارها 10 مرات، موضحاً أن كل تكرار يرتبط بمشهد أو دليل جديد من دلائل القدرة الإلهية أو أحوال يوم القيامة، لتأكيد التهديد مع كل حجة تُعرض. تكرار الألفاظ المتجانسة للترسيخ والتأكيد: تكرار “كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ” (التكاثر 3-4): يوضح أن التكرار هنا ليس لمجرد التوكيد اللفظي، بل للانتقال من علم إلى علم (الأولى لعلم عند الاحتضار، والثانية لعلم عند المعاينة في الآخرة). تكرار “فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا” (الشرح): يبرز اللفتة البيانية القائلة إن “العُسر” جاء معرفاً بـ (الـ) فتكرر عسراً واحداً، بينما “يُسراً” جاء نكرة فتكرر ليدل على يُسرين مختلفين واسعين. تكرار القصص والأسماء بأساليب متنوعة: قصة موسى عليه السلام: يدرس تكرار مواقف القصة في سور متعددة، مبيناً أن تكرار العبارات والقصص يخدم السياق العام للسورة، فما يُذكر بأسلوب موجز في موضع يُبسَط في موضع آخر لخدمة الغرض الهدايتي للمقطع. تكرار الصفات والإلهيات (مثل: “الرحمن الرحيم”، “العليم الحكيم”): يُرجع هذا التكرار إلى إيجاد صلة دائمة بين العبد وصفات الرب، لتثبيت المفاهيم الإيمانية والأخلاقية في الذهن.

يتسم منهج الدكتور فاضل حسن شريف في التفسير والتحليل اللغوي للقرآن الكريم بالطابع الجمعي الذي يدمج بين خلفيته العلمية الهندسية والدقة اللغوية، معتمداً على استقراء النصوص القرآنية وإحصاء الألفاظ لتفكيك الدلالات البيانية. أبرز معالم منهجه في التفسير والتحليل اللغوي: المنهج الإحصائي والاستقرائي (تتبع الألفاظ): يعتمد على رصد وتتبع ورود الكلمة أو جذرها اللغوي عبر كامل النص القرآني، ومقارنة استخداماتها في مختلف السور والأسباب السياقية التي أدت إلى اختيار لفظ دون آخر. الربط بين العقلية الهندسية والنظم القرآني: يستحضر خلفيته الأكاديمية في الهندسة المدنية من خلال النظر إلى الآيات والسور كبناء معماري محكم، فيدرس التناسب والاتساق بين بدايات السور وخواتيمها، والعلاقة بين الفواصل والأسماء الحسنى الواردة في أعقاب الآيات. التركيز على الفروق اللغوية والبلاغية: يهتم ببيان دلالات التقديم والتأخير، والتكرار، وأدوات الشرط والاستثناء، والتعريف والتنكير. كما يُبرز الفروق الدقيقة بين الكلمات المترادفة ظاهرياً (مثل الفرق بين “الخوف” و”الخشية”، أو “العلم” و”المعرفة”) بناءً على السياق القرآني. التفسير الموضوعي وتجميع الأشباه والنظائر: يفضل تناول الموضوعات القرآنية عبر جمع كل الآيات ذات الصلة بمفهوم معين (مثل: آيات الصبر، آيات العمل الصالح، أو أساليب الخطاب) ليخرج برؤية شمولية حول المفاهيم والمصطلحات القرآنية. الربط بين النص والمستجدات العصرية: يحاول ربط الإشارات القرآنية واللغوية بالحقائق العلمية والواقع الاجتماعي مع التركيز على إبراز قيم التسامح والأخلاق، ومخاطبة العقل المغترب أو المتابع المعاصر بأسلوب مبسط بعيد عن التعقيد الفلسفي.

معظم التفاسير القرآنية التي يعتمد عليها الدكتور فاضل حسن شريف في مئات من مقالاته هي تفاسير الشيخ الطبرسي والطوسي والعلامة السيد الطباطبائي والشيخ محمد جواد مغنية والشيخ مكارم الشيرازي بالاضافة الى تفسير الميسر وتفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي والدكتور طنطاوي. تعد الآية الكريمة: “فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخالِدِينَ” (الأعراف 20) من الآيات المحورية في المدوّنة التفسيرية عند مدرسة أهل البيت عليهم السلام، حيث يُركز مفسروهم على عدة أبعاد عقائدية وبلاغية وتربوية:1. عصمة الأنبياء وطبيعة النهي (إرشادي لا مولوي) يتفق علماء ومفسرو أهل البيت على العصمة المطلقة للأنبياء عن المعصية والذنب قبل النبوة وبعدها. يُفسرون النهي في “مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا” (الأعراف 20) بأنه نهي إرشادي (كنصيحة الطبيب) وليس نهياً مولوياً تكليفياً يترتب على مخالفته إثم أو ذنب شرعي. فالمخالفة هنا تُسمى “ترك الأولى” (أي اختيار الخيار الفاضل وترك الأفضل)، ونتيجتها كانت خروجاً من حالة الراحة والتنعّم الدنيوي في الجنة إلى كبد الحياة والدأب.2. خديعة إبليس والتشكيك بالدافع الإلهييبيّن المفسرون (كالشيخ الطبرسي في مجمع البيان والسيد الطباطبائي في الميزان) أن إبليس استغل حرص الإنسان الطبيعي على الكمال والبقاء.أوهمهما إبليس بأن سبب النهي هو حرمانهم من مرتبة أعلى وهي “الملكية” (أن يصيرا من الملائكة) أو “الخلود”، حيث صوّر النهي الإلهي وكأنه منع لخير وليس صيانة لهما.3. دلالة “السوءات” والانكشافتُفسَّر “السوءات” بالسوءة الظاهرة (عورة الجسد) وما يستحيا منه، وبعض المفسرين يشيرون إلى أنها تشمل أيضاً ما يسوء الإنسان انكشافه من الحاجات البشرية والظاهرية.يذكر الشيخ المظفر والطباطبائي أن آدم وحواء كانا في حالة من الغطاء والكرامة الإلهية لم يدركا معها حاجتهما للستر السوفلي، فلما أكلا من الشجرة ظهرت لهما الطبيعة المادية للجسد ومتطلباتها.4. اللفتة البلاغية في تكرار “تَكُونَا” يُسلّط المفسرون الضوء على إعادة إبليس لفعل الكينونة “أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ” (الأاعراف 20)، وذلك لتفصيل المغريات وجعل كل مطلب (الملكية والخلود) أمنية قائمة بذاتها لتعظيم الإغواء والتأثير النفسي.المفسّر / المصدر أبرز تركيز في تفسير الآية الشيخ الطبرسي (مجمع البيان) بيان البلاغة اللغوية، وإثبات عصمة آدم، وتبيان أن النهي كان متوجهاً للمصلحة والإرشاد.السيد الطباطبائي (الميزان) تحليل طبيعة “جنة آدم” وأنها كانت برزخية/ دنيوية، وتوضيح مفهوم السوءة ونتائج الأكل من الشجرة.الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (الأمثل)استخراج الدروس التربوية، وكيف يستغل الشيطان نقاط ضعف الإنسان (الرغبة في الخلود والمنزلة) عبر الشبهات.