
وضعية المزهرية الثورية… حين يتحوّل الحضور إلى ديكور
بعد سنوات طويلة من التضحيات، جاء سقوط النظام كحدث مفصلي طال انتظاره، حاملاً معه آمالاً عريضة ببناء دولة عادلة تحتضن أبناءها، وتعيد الاعتبار لكل من دفع ثمن الحرية. لكن، ومع بداية تشكّل الواقع الجديد، برزت حالة يمكن وصفها بـ”وضعية المزهرية الثورية”؛ حيث يجد كثير من أبناء الثورة أنفسهم حاضرين في المشهد شكلياً، لكن دون تأثير حقيقي أو دور فعّال.
هذه الوضعية لا تنبع من فراغ، بل هي نتيجة تداخل عدة عوامل؛ منها البيروقراطية المتوارثة، وضعف آليات الاستيعاب، وربما غياب رؤية واضحة لكيفية دمج الكفاءات التي نشأت في ظروف استثنائية خلال سنوات الثورة. وهنا تظهر المفارقة: من كانوا في الصفوف الأمامية يوماً، باتوا اليوم على هامش المشهد، يُطلب منهم إما الاكتفاء بالشجب والتنديد، أو الصمت تحت عنوان “عدم توفر الفرص”.
المشكلة لا تكمن فقط في غياب الفرص، بل في طريقة إدارة هذا الغياب. حين يُقال لصاحب الخبرة أو الشهادة إن “لا شواغر متاحة”، بينما يرى في المقابل استمرار بعض الوجوه القديمة أو إعادة تدويرها، فإن الشعور بالخذلان لا يكون فردياً، بل يتحول إلى حالة عامة تهدد الثقة بين المواطن والدولة.
ومع ذلك، فإن مقاربة هذه الإشكالية يجب ألا تنزلق نحو القطيعة أو التصعيد، بل نحو النقد الإصلاحي المسؤول. فالدولة الناشئة تمرّ بطبيعة الحال بمرحلة انتقالية معقدة، تحتاج فيها إلى التوازن بين الاستقرار وإعادة البناء. لكن هذا لا يعفيها من مسؤولية أساسية: فتح الأبواب أمام الكفاءات الحقيقية، وخاصة أولئك الذين كانوا جزءاً من مسار التغيير.
إن تحويل “وضعية المزهرية” إلى “وضعية الفاعل” يتطلب خطوات عملية، منها:
• وضع معايير شفافة للتوظيف تعتمد على الكفاءة لا العلاقات.
• إنشاء منصات واضحة لاستقبال طلبات العمل وفرزها بآليات عادلة.
• إعادة تأهيل الكوادر الثورية ودمجها ضمن مؤسسات الدولة.
• إشراك الشباب في صناعة القرار، ولو تدريجياً.
أما على المستوى الشخصي، فهذه التجربة ليست مجرد طرح نظري، بل واقع عشته بكل تفاصيله؛ بين رغبة حقيقية في العمل وخدمة هذا الوطن، وبين أبواب مغلقة أو مؤجلة. وهذا ما يجعل الحديث هنا ليس اتهاماً، بل دعوة صادقة لإعادة النظر.
في النهاية، لا يمكن لدولة أن تنجح إذا تحوّل أبناؤها الفاعلون إلى مجرد “زينة” في مشهدها العام. الثورة لم تكن لأجل تغيير الوجوه فقط، بل لتغيير النهج. وأي نهج لا يفتح المجال لأصحاب الكفاءة، سيبقى ناقصاً مهما كانت نواياه حسنة.
المطلوب اليوم ليس أكثر من فرصة عادلة…
فرصة تعيد للمزهرية روحها، وتجعلها جزءاً من الحياة، لا مجرد شاهدٍ عليها.





