سبتمبر 24, 2026
IMG_1484

حين يجوع الشعب… تسقط كل الشعارات

قد يصمت الناس عن السياسة، وقد يتعب المثقفون من الكلام، وقد تُغرق الساحة بالاتهامات بين “فلول” و”مكوعين” وغيرهم، لكن هناك أمراً لا يمكن لأحد أن يدفنه تحت الضجيج:
الجوع لا يصمت وعندها يتم نسف القوانين والقواعد امام ألم الغريزة ( الجوع)

حين يصل المواطن إلى مرحلة يعجز فيها عن تأمين الخبز والدواء واحتياجات أطفاله، تصبح كل المعارك السياسية بلا قيمة أمام معركة البقاء. فالفقر ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل نار تلتهم كرامة الإنسان من الداخل، وتحوّل الصبر الطويل إلى غضب لا يمكن التنبؤ بنتائجه.

السوريون تحملوا الحرب والدمار والنزوح والخوف لسنوات طويلة، وصبروا لأنهم كانوا يؤمنون أن النهاية ستأتي وأن الغد قد يحمل شيئًا من الرحمة. لكن ما يحدث اليوم أخطر من مجرد أزمة معيشية؛ لأن المواطن بات يشعر أن الأبواب كلها تُغلق في وجهه، وأن لقمة عيشه أصبحت تُنتزع منه ببطء.

حتى في أصعب سنوات النظام السابق، ورغم الحرب والعقوبات والانهيار، كانت هناك محاولات لامتصاص غضب الناس عبر زيادات أو دعم أو تخفيف نسبي للضغط، لأن الجميع كان يعلم أن الاقتراب من قوت الشعب خط أحمر. أما اليوم، فالقرارات التي تمس حياة الناس اليومية تُفرض وكأن الشارع بلا روح، وكأن الفقراء قادرون على الاحتمال إلى ما لا نهاية.

إن أخطر ما قد تواجهه أي دولة ليس المعارضة السياسية، بل “ثورة الجياع”.
فالجائع لا يسأل عن التحليلات، ولا يهتم بالشعارات، ولا يخاف كثيراً عندما يشعر أن أبناءه ينامون بلا كرامة ولا مستقبل. وعندما تنهش الحاجة روح الإنسان، يصبح الانفجار الاجتماعي احتمالاً حقيقياً لا يمكن احتواؤه بالتخوين أو الخطابات أو الإعلام.

سورية اليوم لا تحتاج إلى مزيد من تبرير القرارات، بل تحتاج إلى إنقاذ الناس قبل فوات الأوان. تحتاج إلى دولة تشعر بوجع الشارع، لا أن تختبر صبره كل يوم. فالفلاح الذي أنهكته التكاليف، والموظف الذي ينهار راتبه قبل منتصف الشهر، والأم التي تخفي عجزها خلف الصمت… هؤلاء هم خط الدفاع الحقيقي عن الوطن.

إن حماية الدولة لا تكون فقط بالسلاح والسياسة، بل بحماية كرامة المواطن أيضاً لأن الوطن الذي يجوع شعبه، يبدأ بالسقوط من الداخل مهما بدا ثابتاً من الخارج.

وقد يصبر السوريون على السياسة طويلاً …
لكنهم لن يصبروا على الجوع إلى الأبد.
( قد يحمل على ظهره ويتحمل كل شيء ولكن عينيه على طبقه وقوت يومه)