سبتمبر 26, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

تناول القرآن الكريم موضوع التعامل مع الأعداء بمنهج متوازن ودقيق، حيث فرّق بين حالة الحرب والمواجهة الميدانية التي تتطلب الحزم والصلابة لمنع البغي والعدوان، وبين حالة السلم والتعايش التي ترتكز على العدل، والبر، ودفع السيئة بالحسنة. أولاً: التشدد والحزم في مواطن الحرب والعدوانجاءت الآيات الآمرة بالشدة والغلظة مقيدة بظروف المعركة والقتال الميداني أو مواجهة الخيانية ونكث العهود، وعلّت ذلك بردع المعتدين ومنع استباحة الحرمات: الشدة في ميدان القتال (المواجهة المباشرة): قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ” (التوبة 123). المعنى: الغلظة هنا هي الصلابة والشجاعة في اللقاء الحربي لكسر شوكة المعتدي ومنعه من استضعاف أهل الحق.التنكيل بالمعتدين لردع المتربصين: قال تعالى:”فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ” (الأنفال 57). إظهار القوة والصرامة ضد ناقضي العهود في أرض المعركة ليكون تصرفهم هذا زاجراً لغيرهم ممن يفكّر في العدوان.الغلظة على المنافقين والمرتابين:قال تعالى:”يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ” (التوبة: 73). التعامل بصرامة مع محاولات التوهين والتخذيل الداخلي وكسر صف المجتمع من الداخل. ثانياً: ضوابط التشدد والحدود الشرعية للقتال: لم يترك القرآن الكريم الشدة ولا القتال مفتوحاً دون قيود أخلاقية وقانونية صارمة، بل وضع لها حدوداً تمنع البغي والاعتداء: النهي عن الاعتداء ومجاوزة الحد: “وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” (البقرة 190). (فلا يُقتل النساء، والأطفال، والشيوخ، والرهبان، ولا تُقطّع الأشجار، ولا يُغدر بالعهود). الانكفاف بمجرد جنوح العدو للسلم: “وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ” (الأنفال 61). كف اليد عن غير المعتدين: “فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا” (النساء 90).ثالثاً: الأصل في التعامل مع المخالفين غير المعتدينيميز القرآن بوضوح بين الكافر أو المخالف المحارب، وبين غير المحارب الذي لم يظهر عدواناً:البر والعدل مع غير المعتدين:قال تعالى:”لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” (الممتحنة 8).المعنى: إقرار مبدأ القسط والبر والمعاملة الحسنة لكل من لم يرفع السلاح أو يسهم في الإخراج والتشريد.دفع الإساءة بالإحسان والمواقف الأخلاقية:قال تعالى:”وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ” (فصلت 34).المعنى: فتح باب التآلف وتحويل العداوة الشخصية أو الفكرية إلى صداقة وقرب عبر الخُلق الرفيع والحلم. خلاصة القول: التشدد في القرآن الكريم ليس حكماً عاماً مطبقاً في كل حين ولا مع كل مخالف، وإنما هو سلاح موجه للمعتدين والمحاربين في ميدان المواجهة لحماية الأرواح والديار، بينما يبقى العدل والبر والحكمة هو الأصل الحاكم للعلاقات في حالات السلم والتعايش.

يقوم منهج أهل البيت عليهم السلام في التعامل مع الأعداء والخصوم على رؤية إسلامية أصيلة تتوازن فيها الصلابة والدفاع عن الحق في مواطن المواجهة والحرب، مع السمو الأخلاقي، والعدل، وتغليب الرحمة والدعوة بالتي هي أحسن في سائر الأحوال. أولاً: الحزم والصلابة في الميدان والدفاع عن الحق: في مواضع الحرب والعدوان المباشر، جَسّد أهل البيت أعلى درجات الشجاعة والحزم لكسر البغي وحماية الأمة، مع الالتزام التام بالحدود الشرعية: الصلابة في المواجهة دون مهادنة على حساب الحق: تمثّل موقف الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في حربه ضد الناكثين والقاسطين والمارقين، حيث كان حازماً في قتال البغاة لإقامة العدل: (والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها). موقف الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، إذ جسّد أعلى صور الرفض للظلم والضيم، معلناً مبدأ العزة والكرامة: (هيهات منا الذلة). الشجاعة الثابتة دون مجاوزة للعدل: كان القتال عندهم ضرورة لردع العدوان وإحقاق الحق، ولم يكن يوماً للانتقام الشخصي أو حب التشفي. ثانياً: الضوابط الأخلاقية في إدارة الحرب والخصومة: سطّر أهل البيت منظومة من الإخلاقيات العالية حتى في أشد لحظات المواجهة العسكرية مع الأعداء: النهي عن البدء بالقتال: كان من وصايا الإمام علي عليه السلام لجيشه في صفين: (لا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم، فإنكم بحمد الله على حجة، وترَكُكم إياهم حتى يبدؤوكم حجة أخرى لكم عليهم). حظر الإجهاز على الجرحى والفرّار: شددوا على حرمة تتبع المنهزم أو القضاء على الجريح: (فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بكتيل). صيانة الحرمات والنساء والممتلكات: نهى الإمام علي عن إيذاء النساء والمدنيين أو نهب الأموال حتى وإن شتمن الأعراض: (ولا تهيجوا النساء بأذى وإن شتمن أعراضكم وركبْنَ أعوانكم). حقوق الأسرى والمعاملة الإنسانية: جسّد الإمام علي هذا المبدأ في وصيته الشريفة وهو على فراش الشهادة بشأن قاتله ابن ملجم: (أطعموه مما تأكلون، واسقوه مما تشربون… ضربة بضربة ولا تمثلوا بالرجل). ثالثاً: تقديم الرحمة والعدل وحقن الدماء: الأصل في سيرة أهل البيت هو الاستصلاح والهدى، وحقن دماء المسلمين، واستنقاذ العباد من الضلالة: إتاحة الفرص والنصح حتى اللحظة الأخيرة: لم يقطع الإمام علي ولا الإمام الحسين خطوط الحوار والنصح، بل أقاموا الحجج والمواعظ على أعدائهم قبل بدء المعارك أملاً في هدايتهم وحقن دمائهم. مقابلة الإساءة بالإحسان وترسيخ مكارم الأخلاق: موقف الإمام الحسن عليه السلام: حين سبه رجل من أهل الشام، قابله بالحلم والتلطف قائلاً: (أظنك غريباً… لو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك)، حتى خجل الرجل وتغير موقفه تماماً. سيرة الإمام السجاد عليه السلام: بعد واقعة الحرة، أؤيَ حرم مروان بن الحكم وآواهُم في داره وآمنهم، رغم كل ما صدر من بني أمية ضد أهل البيت. دعاء الإمام السجاد لأهل الثغور: بالرغم من موقف الدولة الأموية منه، كان يدعو لحماة الثغور والجنود بالمرابطة والنصر لأنهم يحمون أراضي المسلمين. العدل الشامل مع المخالف: أقر الإمام علي مبدأ الحريات الحقوقية والمدنية للخوارج ما لم يرفعوا السلاح، فقال لهم: ((إن لكم علينا ثلاثاً: أن لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدأكم بقتال)). التشدد عند أهل البيت عليهم السلام لم يكن شحنة غضب أو غلظة عامة، بل كان موقفاً مبدئياً حازماً ضد البغي والظلم في ميدان القتال، بينما ظلت الرحمة، والعدل، والحلم، والوفاء بالعهود، والأخلاق الرفيعة هي الحاكمة لسلوكهم وسيرتهم مع أعدائهم ومخالفيهم.

يبين الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) في تفسيره “التبيان في تفسير القرآن” الآيات الداعية إلى الشدة أو الغلظة مع الأعداء بمنهج تحليلي لغوي وفقهي دقيق، حيث يُرجع كل حكم إلى موقعه المناسب من غير خلط بين حالة الحرب والمواجهة وبين حالة العدل والسلم.أولاً: مفهوم “الغلظة” والشدة في التبيانيقف الشيخ الطوسي عند الألفاظ القرآنية الدالة على الشدة ليحدد معناها المراد في اللسان العربي والشرع:معنى الغلظة (في مثل قوله تعالى:”وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً”):يبين الطوسي أن “الغلظة” هنا هي الشدة والصلابة في القتال، والمنعة في اللقاء، ضد الشفقة والخور أمام المعتدين.يوضح أن الغلظة في المعركة مقصودة لإرهاب العدو المعتدي وكسر شوكته حتى لا يطمع في استباحة المسلمين.معنى التنكيل والتشريد (في قوله تعالى:”فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ”):يفسر التشريد بـ “التفتيت والتفريق بالقتل والنكال”، أي إيقاع عقوبة صارمة بناقضي العهود والمحاربين في أرض المعركة ليكون ذلك زاجراً ومانعاً لغيرهم ممن يتربص بالمسلمين الدوائر.الغلظة على الكفار والمنافقين (في قوله تعالى:”جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ”):يفرق الطوسي بين مجاهدة الكفار بالسيف، وبين الغلظة على المنافقين التي تنصرف إلى إقامة الحدود عليهم، وإظهار الزجر، والشدة في الخطاب والوعظ لردع نفاقهم وتخذيلهم داخل المجتمع.ثانياً: ضوابط الشدة وحدود الاستثناءيؤكد الشيخ الطوسي في مواقع متعددة من “التبيان” أن الشدة ليست أصلاً عاماً مطلقا في كل حال، بل هي مقيدة بقواعد الشريعة:اقتران الشدة بالمواجهة العسكرية:يُبيّن أن الآيات الداعية للشدة نزل أكثرها في أوقات الحرب (كغزوات تبوك، وبدر، والأنفال) أو في مقابلة من نكث العهد وشرع في القتال.النهي عن الاعتداء ومجاوزة الحد:في تفسيره لقوله تعالى:”وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ”، يذكر الطوسي أن الاعتداء يشمل: قتل النساء، والأطفال، والشيوخ الكبار، ومن ألقى السلم، وكذا الغدر بالمواثيق.تقييد الشدة بترك العدوان:إذا كف العدو عن القتال وجنح إلى السلم، فإن الشدة تزول ويحل محلها العفو والمهادنة امتثالاً لقوله تعالى:”وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا”.ثالثاً: العلاقة بين الشدة وبين الرحمة والعدليبرز الشيخ الطوسي في التبيان الجمع بين الشدة على الأعداء المحاربين والتراحم بين المؤمنين، كما في قوله تعالى:”أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ”:الجمع بين الوصفين:يوضح أن الغلظة على المحارب هي صيانة للمجتمع، في حين أن الرحمة هي الأصل الحاكم للعلاقة بين أبناء الأمة والمستضعفين.البر بالمخالف غير المحارب:يفسر قوله تعالى في سورة الممتحنة:”لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ… أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ” بأن الشدة لا تتوجه مطلقاً لكل مخالِف، بل يُندب ويُحسن الإقساط والبر والصلة لمن لم يظهر العداء ولم يشترك في القتال والتشريد.الخلاصة في رأي الشيخ الطوسي:الشدة والغلظة في تفسير التبيان هي موقف حازم ومرحلي مرتبط بظروف القتال وردع العدوان وقطع دابر الخيانة، ولا تُسقط وجوب العدل، والوفاء بالعهود، والبر بمن لم يحارب المسلمين.