
د. فاضل حسن شريف
مفهوم (عدم العصبية) (أو النهي عن الحميّة والتعصب) في القرآن الكريم باعتباره ركناً أساسياً في بناء المجتمع الإنساني القائم على العدل، والتقوى، والمساواة، وتجاوز الرغبة في الانتصار للنفس أو العشيرة أو العرق على حساب الحق. ويمكن تكثيف المعالم القرآنية لهذا المفهوم في المحاور التالية: 1. ذمّ “الحميّة” ونسبتها إلى الجاهلية: استخدم القرآن الكريم لفظ (الحميّة) للتعبير عن العصبية المقيتة التي تدفع صاحبها إلى رفض الحق والاعتزاز بالباطل: قال تعالى: “إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ” (الفتح 26). فالمقارنة هنا دقيقة بين “حميّة الجاهلية” (وهي التعصب للأشخاص والقبيلة بغير حق) وبين “السكينة” والتقوى التي تجعل معيار التصرف هو الحق والتوازن النفسي والأخلاقي. 2. إرساء ميزان التفاضل بالتقوى لا بالنسب أو القومية: حطم القرآن الكريم أصول العصبية العرقية والقبيلية التي تفرق بين البشر على أساس القومية أو اللون أو النسب: قال تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ” إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” (الحجرات 13). التنوع الشعبي والقبلي في القرآن هو للتواصل والتكامل “لِتَعَارَفُوا”، وليس للتميز والافتخار والتعالي “لِتَفَاخَرُوا”. 3. إقامة الشهادة والعدل فوق عاطفة القرابة: التعصب غالباً ما يظهر عند المواقف القضائية والحقوقية، حيث يميل الشخص إلى محاباة قومه أو أهله. وجاء الأمر القرآني بالعدل المطلق حتى لو كان على الحساب الشخصي أو حساب الأقربين: قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ” (النساء 135). وقال تعالى: “وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ” (الأنعام 152). 4. النهي عن الحيف والظلم الناتج عن شنآن (بغض) الآخرين: كما أن العصبية تدفع إلى محاباة الحليف، فإنها تدفع أيضاً إلى ظلم الخصم. وقد حظر القرآن الكريم أن يحمل البغض على الجور: قال تعالى: “وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ” (المائدة 8). 5. إبدال رابطة العصبية برابطة الأخوة الإيمانية والإنسانية: استبدل القرآن العصبيات الضيقة برابطة فكرية وأخلاقية تتسع للجميع: الأخوة الإيمانية: قال تعالى: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ” (الحجرات 10). التعاون على الخير: قال تعالى: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ” وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (المائدة 2). فالتعاون لا يكون على أساس “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً” بمعناها الجاهلي (الانتصار للظلم)، بل بالوقوف مع الحق أينما كان. 6. علاج القرآن للنزعات العصبية (اللمز، التنازّ، والظن)أفردت سورة الحجرات منظومة كاملة لتفكيك البنية النفسية للعصبية والتعالي الطبقي أو القومي: النهي عن السخرية والازدراء: “لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ” (الحجرات 11). النهي عن التنابز بالألقاب التي تفيد التفاخر العرقي أو الطبقي. نفي العصبية في القرآن الكريم ليس مجرد نهي عن المظاهر القبلية، بل هو تأسيس لمنهج معرفي وأخلاقي يُقدّم “الحق” على “الانتماء”، و”العدل” على “المصلحة”، و”التقوى” على “النسب”.
تتجلى الأحاديث النبوية والتطبيقات العملية في السيرة الشريفة كترجمة واقعية للمفهوم القرآني في إنهاء العصبية وقطع أسبابها. أولاً: الأحاديث النبوية في ذم العصبية والتحذير منها: التعريف الحاسم للعصبية: عن واثلة بن الأسقع قال: قلت: يا رسول الله، أمن العصبية أن يحب الرجل قومه؟ قال: (لَا، وَلَكِنَّ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يَعِينَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ). يُفرق الحديث بدقة بين المحبة الطبيعية للأهل والقوم، وبين الانحياز لهم في الباطل والظلم. التبرؤ ممن يدعو إلى العصبية: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ). التحذير من القتال تحت الرايات العميّة: قال صلى الله عليه وآله وسلم: (مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ). المساواة الأصلية وإلغاء التفاخر بالأنساب: قال صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة حجة الوداع: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى). وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ… النَّاسُ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ). ثانياً: التطبيقات التاريخية في السيرة النبوية: 1. إنهاء نداء “دعوى الجاهلية” في حادثة المهاجرين والأنصار: في إحدى الغزوات، كسَعَ رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: “يا للأنصار!”، وقال المهاجري: “يا للمهاجرين!”. فلما سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، قال غاضباً: (أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) اعتبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم التداعي بأسماء فاضلة أصلها شرعي (المهاجرون والأنصار) مذموماً ومستقبحاً حينما أُخرجت عن سياقها واستُخدمت لإثارة الحمية والعصبية بين الفريقين. 2. الملاومة الشديدة لأبي ذر الغفاري عند الاستعلاء بالنسب: سابَّ أبو ذر رضي الله عنه رجلاً (بلال بن رباح) فعيّره بأمه وقال له: “يا ابن السوداء”. فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يَا أَبَا ذَرٍّ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ). فتأثر أبو ذر بالحديث وألقى خده على التراب قسماً حتى يطأه بلال، ضرباً لأعلى صور التواضع وتكفيراً عن لحظة عصبية عابرة.
3. المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ومحي أسباب النزاع الاقتصادي والاجتماعي: أقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند وصوله المدينة “المؤاخاة”، حيث آخى بين القرشيين والأوس والزرج (وكانت بين الأوس والخزرج حروب طويلة كـ “يوم بعاث”). حلّت رابطة العقيدة والإنصاف والتعاون الاجتماعي محل التنافس القبلي والشرف الجاهلي. 4. صياغة “وثيقة المدينة” (الدستور الأول): نصّت وثيقة المدينة على أن المؤمنين (أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ)، وأن الحق والعدل يُقام على الجميع ولو كان الجاني من أقرب الأقربين. أمّنت الوثيقة غير المسلمين (كيهود بني عوف وغيرهم) وأعطتهم حق المواطنة والنصرة ما لم يظلموا، معلنةً أن الميزان هو “العدل والوفاء بالعهد” لا التكتل العرقي. 5. إسقاط دماء الجاهلية ومآثرها في حجة الوداع: أعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلغاء كل التبعات والعصبيات الثأرية المترسبة من الجاهلية: (أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ)، وبدأ بوضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ليكون أهله وقرابته أول من يطبّق عليهم إسقاط الثأر العشائري. نقل السلوك النبوي مفهوم “عدم العصبية” من إطار التنظير الأخلاقي إلى واقع مؤسسي ومجتمعي، حيث أصبحت القيمة الإنسانية مرتبطة بالتكليف والعمل الصالح والعدل، وحُرِّم الانتصار للقرابة أو القوم في باطل أو ظلم.
