
دراسة نفسية واجتماعية وفلسفية في ظاهرة التعلّق بمن يؤذينا والحنين إلى ما يؤلمنا
رياض سعد
# مقدمة: المفارقة التي تحيّر الإنسان
ليس غريبًا أن ينجذب الإنسان إلى من يمنحه الأمان والمحبة، لكن المفارقة التي حيّرت علماء النفس والفلاسفة هي أن بعض الناس يظلون متعلقين بمن أساء إليهم، أو يحنّون إلى علاقات أرهقتهم، أو يدافعون عن أشخاص كانوا سببًا في جراحهم.
وقد يبدو هذا السلوك متناقضًا مع المنطق؛ إذ يفترض العقل أن الألم يدفع الإنسان إلى الابتعاد، لكن الواقع يكشف أن النفس البشرية أكثر تعقيدًا من الحسابات العقلية البسيطة… ؛ فالإنسان لا يرتبط دائمًا بالأشخاص كما هم، بل بما يمثلونه من أمان، أو أمل، أو ذكريات، أو صورٍ ذهنية بناها عنهم.
ومن هنا تنشأ واحدة من أعقد الظواهر الإنسانية: كيف يصبح مصدر الأذى مصدرًا للحنين؟
# المبحث الأول
# سيكولوجيا التعلّق بالمؤذي
تشير الدراسات النفسية إلى أن بعض العلاقات المؤذية تقوم على دورة متكررة: إساءة، ثم اعتذار، ثم لحظة حنان، ثم عودة إلى الأذى… ؛ ومع تكرار هذه الدورة يتكوّن ارتباط نفسي معقّد يجعل الضحية تنتظر لحظات الهدوء القليلة، وتعلّق عليها آمالًا كبيرة.
ويُعرف هذا النمط في الأدبيات النفسية بمفهوم “التعلّق الناتج عن الصدمة” (Trauma Bonding)، وهو ارتباط يتشكل عندما يتناوب الألم مع فترات من التقارب أو اللطف.
لا يتعلق الإنسان هنا بالأذى ذاته، بل بالأمل الذي يرافق توقف الأذى... ؛ فالضحية لا تنتظر الجرح، بل تنتظر اللحظة التي يتوقف فيها الجرح.
وهكذا تتحول كلمات الاعتذار، أو لحظات الحنان النادرة، إلى مكافآت نفسية تمنح العلاقة قدرة على الاستمرار، حتى وإن كانت مؤذية.
# المبحث الثاني
# الذاكرة الانتقائية وصناعة الحنين
الإنسان لا يتذكر الماضي كما كان دائمًا، بل كما يحتاج أن يتذكره.
فالذاكرة ليست سجلًا محايدًا، بل عملية إعادة بناء مستمرة، تحذف بعض التفاصيل وتبرز أخرى… ؛ ولهذا قد يحنّ الإنسان إلى مرحلة كانت مليئة بالمعاناة، لا لأنه يحب الألم، بل لأنه يتذكر معها أشخاصًا رحلوا، أو أحلامًا قديمة، أو نسخة من ذاته كانت أصغر سنًا وأكثر أملًا.
لهذا يقول بعض الناس: “كانت أيامًا جميلة.”
وربما لا يكون الحنين موجّهًا إلى القهر ذاته، بل إلى العمر الذي مضى، أو إلى الوجوه التي اختفت، أو إلى الأحلام التي لم تكتمل.
إن الإنسان أحيانًا لا يشتاق إلى الشخص، بل إلى صورته في ذاكرته.
ولا يشتاق إلى العلاقة، بل إلى المعنى الذي بناه حولها.
# المبحث الثالث
# لماذا يدافع الضحية عن مؤذيه؟
من أكثر الظواهر النفسية إثارة للتأمل أن يدافع الإنسان أحيانًا عمن أضر به.
ويعود ذلك إلى عدة أسباب:
أولها: التنافر المعرفي؛ إذ يصعب على النفس أن تقبل أن من أحبته وأعطته الثقة كان مصدرًا للأذى.
وثانيها: الاستثمار العاطفي؛ فكلما طال الزمن وكثرت التضحيات، أصبح الاعتراف بفشل العلاقة أكثر ألمًا.
وثالثها: الخوف من انهيار الصورة التي بناها الإنسان عن نفسه وعن الآخر.
ولهذا تظهر عبارات مثل: “لم يقصد.”
“ستتغير الأمور.”
“أنا أفهمه أكثر من الآخرين.”
إنها ليست دائمًا دفاعًا عن المؤذي، بل دفاعًا عن المعنى الذي أعطته الضحية لتجربتها.
# المبحث الرابع
# البعد الاجتماعي والثقافي: كيف تُطبع المجتمعات مع الأذى؟
لا تنشأ العلاقات المؤذية في فراغ، بل تتأثر بالثقافة الاجتماعية السائدة.
فبعض المجتمعات تمجّد الصبر بلا حدود، وتخلط بين الوفاء والتضحية بالنفس، وبين التسامح والاستسلام، وبين التحمل والكرامة.
وفي هذه البيئات قد يتحول البقاء في العلاقة المؤذية إلى فضيلة اجتماعية، رغم أن استمرار الأذى يترك آثارًا نفسية عميقة.
كما أن بعض المجتمعات تميل إلى تجميل الماضي، خصوصًا حين يكون الحاضر مضطربًا أو مجهولًا، فتبدو فترات الألم وكأنها أكثر جمالًا مما كانت عليه في الحقيقة.
# المبحث الخامس
# قراءة فلسفية: لماذا يخاف الإنسان الرحيل؟
طرح الفلاسفة سؤالًا قديمًا: لماذا يفضّل الإنسان أحيانًا الألم المعروف على المجهول؟
الجواب يكمن في أن المألوف يمنح شعورًا زائفًا بالأمان.
فالعلاقة المؤذية، رغم قسوتها، قد توفر دورًا واضحًا وهوية معروفة، بينما يفرض الرحيل مواجهة أسئلة جديدة: من سأكون بعد ذلك؟
كيف سأعيش وحدي؟
هل أستطيع أن أبدأ من جديد؟
ولهذا قد يصبح الألم وطنًا مألوفًا، حتى لو كان مؤذيًا.
غير أن الألفة ليست دليل صحة، وطول الزمن لا يحوّل الخطأ إلى حقيقة.
# المبحث السادس
# رمزية الأفعى والقنفذ
تختصر حكاية الأفعى والقنفذ كثيرًا من هذه المعاني.
فالأفعى التفت حول القنفذ طلبًا للدفء، لكن الأشواك آذتها… ؛ وكان بإمكانها أن تبتعد، لكنها ظنت أن مزيدًا من التشبث سيحول الأشواك إلى نعومة.
غير أن الأشواك بقيت أشواكًا.
وترمز الأفعى هنا إلى الإنسان الذي يتمسك بما يؤذيه، بينما يرمز القنفذ إلى العلاقة أو الشخص الذي يجمع بين الأمان والأذى في آن واحد.
والدرس الرمزي ليس أن المؤذي شر مطلق، ولا أن الضحية ضعيفة، بل أن الإنسان قد يواصل الإمساك بما يؤلمه لأنه يخشى الاعتراف بأن ما ظنه مأمنًا لم يعد مأمنًا.
# المبحث السابع
# من التعلّق إلى التعافي
لا يبدأ التحرر بإدانة النفس، بل بفهم ما حدث.
فالإنسان لا يحتاج إلى سؤال قاسٍ مثل: “لماذا بقيت؟”
بل إلى سؤال أكثر إنسانية: “كيف أستعيد قدرتي على الاختيار؟”
والتعافي يمر عبر عدة خطوات:
* الاعتراف بحقيقة الأذى دون تجميل.
* الفصل بين الذكرى والواقع.
* بناء علاقات آمنة وداعمة.
* تقبل الحنين دون تحويله إلى قرار بالعودة.
* إعادة بناء احترام الذات.
فالاشتياق ليس أمرًا بالعودة.
والحنين ليس دليلًا على صحة العلاقة.
والتسامح لا يفرض تكرار التجربة.
# خاتمة: لا تجعل جرحك وطنًا
إن أقسى ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه أن يحوّل جرحه إلى وطن، ثم يقضي عمره يدافع عن حقه في الإقامة فيه.
فليست القوة أن يحتمل المرء كل شيء، وليست الشجاعة أن يبقى في النار ليبرهن أنه لا يخاف الاحتراق.
القوة الحقيقية هي أن يعرف الإنسان متى يفتح يديه، ومتى يترك الأشواك، ومتى يعود إلى ذاته.
فبعض الأشخاص كانوا درسًا، لا قدرًا.
وبعض العلاقات كانت مرحلة، لا وطنًا.
وأحيانًا لا يكون الرحيل نهاية قصة حب، بل بداية استعادة الإنسان لنفسه.




