
رياض سعد
ليست المشكلة في أن نحترم عالمًا، أو نجلّ رجل دين، أو نقتدي بمفكر، أو نقدر زعيمًا حقق إنجازًا حقيقيًا… ؛ فالمجتمعات جميعًا تحتاج إلى القدوة والرموز والشخصيات العامة… ؛ لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاحترام إلى تقديس، والاقتداء إلى تبعية، والرمز إلى شخص فوق النقد، والزعيم إلى مرجع للحقيقة، والشيخ إلى مصدر للحق، والقائد إلى كائن لا يخطئ.
وهنا يطرح الواقع العراقي سؤالًا يتجاوز الدين والسياسة إلى علم الاجتماع السياسي والأنثروبولوجيا الثقافية:
لماذا نمتلك هذا العدد من الأشخاص والعناوين التي تقترب من مرتبة القداسة، بينما نعاني في الوقت نفسه من ضعف المؤسسات، وتراجع الثقة بالقانون، وتعثر التنمية، وانكماش مساحة النقد والحرية؟
المقصود بالتقديس هنا ليس التقديس الديني للأنبياء والمقدسات، ولا الاحترام المشروع للعلماء والصالحين، وإنما إضفاء صفات فوق بشرية على أشخاص عاديين: سياسي، رجل دين، شيخ عشيرة، قائد حزبي، زعيم جماعة أو شخصية اجتماعية؛ بحيث يصبح نقده إساءة، ومحاسبته خيانة، والاعتراض عليه خروجًا على الجماعة التي يمثلها.
إنها ظاهرة لا يمكن فهمها بمجرد اتهام العراقيين بالجهل أو التعصب، بل تحتاج إلى قراءة نفسية واجتماعية وتاريخية وثقافية وسياسية متداخلة.
أولًا: عندما تضعف الدولة يحضر الشخص
في المجتمعات التي تعمل فيها المؤسسات بصورة مستقرة، لا يحتاج المواطن إلى شخص يحميه من القانون؛ لأن القانون نفسه هو الحماية.
هناك قضاء يستطيع المواطن اللجوء إليه، وشرطة يفترض أن تعمل وفق القانون، وإدارة عامة لها قواعد وإجراءات، ومؤسسات تستطيع الاستمرار حتى لو تغيرت الحكومات والأشخاص.
أما عندما تصبح الدولة ضعيفة، أو منحازة، أو عاجزة عن توفير الحماية المتساوية، فإن الإنسان يبحث بصورة غريزية عن بديل شخصي للمؤسسة الغائبة.
وهنا يظهر الشيخ، والزعيم، ورجل الدين، والحزب، والعشيرة، والقائد المحلي.
يصبح الولاء للشخص نوعًا من التأمين الاجتماعي والسياسي:
أنا أحميك لأنك تنتمي إليّ، وأنت تمنحني ولاءك لأنك تحتاج إلى حمايتي.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم جانب من ظاهرة التقديس؛ فهو ليس دائمًا حبًا خالصًا للشخص، بل قد يكون في بعض الحالات استجابة للخوف وعدم اليقين وانعدام الثقة بالمؤسسات.
فالإنسان الذي لا يثق بالقانون يبحث عن صاحب نفوذ، والذي لا يثق بالمؤسسة يبحث عن شخص، والذي يخشى المستقبل يبحث عن جماعة تحميه.
ولهذا فإن علاج تقديس الأشخاص لا يبدأ بإهانتهم أو السخرية من أتباعهم، وإنما يبدأ ببناء دولة تجعل المواطن أقل حاجة إلى الأشخاص وأكثر ثقة بالمؤسسات.
ثانيًا: ثقافة الشخص أقوى من ثقافة المؤسسة
من أخطر ما أنتجته البنية السياسية والاجتماعية في العراق أن المؤسسات كثيرًا ما ارتبطت بأسماء الأشخاص بدل أن تكون لها استقلاليتها وذاكرتها وقواعدها.
تتغير الوجوه، فتتغير المؤسسات معها… , ويأتي المدير ومعه أنصاره، والوزير ومعه شبكته، والحزب ومعه دوائره وخلاياه الحزبية، والقائد ومعه جمهوره.
وفي مثل هذه البيئة لا يعود السؤال: ما الذي تقوله المؤسسة؟
بل يصبح: ماذا قال فلان؟
ولا نسأل: هل هذا القرار صحيح؟
بل: من الذي أصدره؟
وهنا تنتقل السلطة من النص إلى الشخص، ومن القانون إلى العلاقة، ومن المؤسسة إلى الولاء.
وهذا أحد أخطر أشكال التخلف السياسي؛ لأن الدولة الحديثة تقوم على استمرار المؤسسة رغم تغير الأشخاص.
الرئيس يذهب وتبقى الدولة، والوزير يتغير وتبقى الوزارة، والقاضي يتقاعد ويبقى القضاء، والأستاذ يرحل وتبقى الجامعة.
أما حين يصبح الشخص هو المؤسسة، فإن رحيله يتحول إلى أزمة، ومخالفته تتحول إلى صراع، ونقده يتحول إلى تهديد للنظام كله.
ثالثًا: التقديس بوصفه ظاهرة نفسية
من الناحية النفسية، يحتاج الإنسان أحيانًا إلى شخصية قوية يحمّلها مسؤولية الخلاص من التعقيد.
الحياة السياسية والاجتماعية معقدة، والاقتصاد لا يصلح بقرار واحد، والفقر لا ينتهي بخطاب، والتعليم يحتاج إلى عقود، وبناء الدولة عملية طويلة ومؤلمة.
لكن النفس البشرية تميل إلى الاختزال.
ومن الأسهل أن نقول:”لو جاء فلان لأصلح كل شيء.”
من أن نعترف بأن المشكلة أكبر من شخص، وأن إصلاحها يحتاج إلى مؤسسات وقوانين وتعليم واقتصاد وثقافة سياسية جديدة.
هنا يصبح الشخص المقدس وهمًا للخلاص.
إنه يمنح الجماعة شعورًا بالطمأنينة، ويخفف عنها عبء مواجهة الفشل الجماعي… ؛ فإذا فشل المشروع قيل: لم يكن الخلل في الفكرة، وإنما في الأشخاص المحيطين بالزعيم… ؛ وإذا أخطأ الزعيم قيل: لم تصل إليه المعلومات الصحيحة… , وإذا فشل الحزب قيل: المشكلة في القيادات الوسطى...!!
وبذلك تصبح الجماعة قادرة على حماية صورتها عن نفسها من خلال حماية صورة الزعيم.
رابعًا: من الثقافة الشفهية إلى صناعة البطل
للعامل الثقافي والأنثروبولوجي أهمية كبيرة في فهم الظاهرة.
الثقافة الشفهية تميل إلى اختصار التاريخ في القصص والشخصيات والبطولات… ؛ ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، لم تختفِ هذه الثقافة، بل دخلت عصرًا رقميًا جديدًا.
فقد تحول المنبر إلى شاشة، والخطبة إلى مقطع قصير، والحكاية الشعبية إلى منشور، وصورة الزعيم إلى رمز متداول، لكن الآلية النفسية بقيت في كثير من الأحيان واحدة: الشخص قبل الفكرة، والرواية قبل الوثيقة، والولاء قبل البرهان.
وهذا لا يعني أن المجتمعات العربية أو العراقية مجتمعات “بلا كتابة”؛ فالعراق من أقدم مراكز الكتابة في التاريخ… ؛ لكن المقصود أن الثقافة السياسية والاجتماعية المعاصرة لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الشخصنة والخطاب الشفهي والعاطفي في إنتاج الولاء العام، رغم وجود التعليم والجامعات والإعلام الحديث.
وهنا تأتي مشكلة التعليم التلقيني.
حين يتعلم الطالب أن يحفظ الإجابة بدل أن يناقشها، وأن يحفظ اسم العالم بدل أن يفهم منهجه، وأن يخشى الخطأ أكثر مما يخشى الجهل… ؛ يصبح الانتقال من تقديس النص إلى تقديس صاحبه أكثر سهولة.
خامسًا: حين يتحول الدين إلى هوية سياسية
الدين ليس المشكلة في ذاته.
المشكلة تبدأ عندما تتحول القداسة الدينية إلى أداة لإغلاق المجال السياسي أمام النقد.
رجل الدين الذي يُحترم بسبب علمه وأخلاقه شيء، ورجل الدين الذي يصبح منصبه الديني حصانة من النقد السياسي شيء آخر.
والأمر نفسه ينطبق على السياسي الذي يرفع شعار الدفاع عن المذهب أو الجماعة أو المقدسات.
عندما يقول السياسي للناس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة: أنا أمثل جماعتكم، ولذلك فإن نقدي هو نقد لجماعتكم.
فقد نجح في نقل النقاش من مستوى السياسة إلى مستوى الهوية.
وعندها لا يعود المواطن يسأل: هل القرار صحيح أم خاطئ؟
بل يسأل: هل نقده يخدم خصوم جماعتنا؟
وهكذا يتحول الاختلاف السياسي إلى خيانة، والنقد إلى إساءة، والمساءلة إلى استهداف، والمعارضة إلى عداء.
وهذه أخطر لحظات الشخصنة؛ لأنها تجعل الدفاع عن الشخص دفاعًا عن الجماعة، والدفاع عن الجماعة دفاعًا عن الهوية، والدفاع عن الهوية ذريعة لإسكات النقد.
سادسًا: العشيرة والحزب والطائفة بوصفها عائلات سياسية
من الناحية الأنثروبولوجية، لا يمكن فهم العراق الحديث بعيدًا عن قوة الروابط الأولية: العائلة، والعشيرة، والطائفة، والقومية، والمنطقة، وشبكات المصالح.
هذه الروابط ليست شرًا في ذاتها، وهي موجودة بأشكال مختلفة في معظم المجتمعات، لكنها تصبح مشكلة عندما تحل محل الدولة.
في الدولة الحديثة، المواطن مواطن قبل أن يكون عضوًا في أي جماعة فرعية.
أما في المجتمع الذي تتقدم فيه الهويات الأولية على الهوية الوطنية، فقد يجد الفرد نفسه مضطرًا إلى البحث عن “أب سياسي” أو “حامٍ اجتماعي”.
ولهذا نجد أحيانًا أن العلاقة بين الأتباع والزعيم لا تقوم على برنامج سياسي قابل للتقييم، بل على علاقة ولاء شخصية تشبه في بعض جوانبها علاقة الحماية بالطاعة.
ومن هنا يصبح الزعيم أبًا رمزيًا، والشيخ مرجعًا اجتماعيًا، ورجل الدين حاميًا للهوية، والقائد السياسي عنوانًا للجماعة.
وهكذا تتحول السياسة من إدارة المصالح العامة إلى إدارة الولاءات الشخصية.
سابعًا: لماذا يقدس الإنسان شخصًا بدل أن يقدس الإنجاز؟
في المجتمعات التي تتقدم فيها المؤسسات، يمكن تقييم المسؤول بالأرقام والنتائج.
كم مدرسة بُنيت؟
كم مؤسسة أُنشئت؟
كيف تطور التعليم؟
هل انخفض الفقر؟
ما مستوى الخدمات؟
كم بلغت نسبة النمو؟
كم بحثًا علميًا نُشر؟
هذه الأسئلة وغيرها تجعل الشخص أقل أهمية من العمل الذي أنجزه.
أما حين تغيب المعايير الموضوعية، يصبح الاسم هو الإنجاز.
لا نناقش برنامج الحزب بقدر ما نناقش زعيم الحزب، ولا نقيس المؤسسة بإنجازاتها بقدر ما نقيسها بقوة رئيسها، ولا نسأل عن جودة الفكرة بقدر ما نسأل عن صاحبها.
وهذا يفسر لماذا يمكن لشخص أن يبقى محبوبًا أو مقدسًا رغم فشل تجربته.
إن غياب أدوات التقييم يسمح بتحويل السمعة إلى بديل عن النتائج.
ثامنًا: التقديس عدو التنمية
التنمية تحتاج إلى النقد.
والنقد يحتاج إلى حرية.
والحرية تحتاج إلى مساواة أمام القانون.
أما التقديس فينتج العكس تمامًا.
عندما لا يستطيع الموظف أن يقول لمديره: أنت مخطئ، وعندما يخشى الأستاذ نقد المؤسسة، وعندما يخشى الصحفي مساءلة السياسي، وعندما يخشى المواطن الاعتراض على صاحب النفوذ، فإن الأخطاء لا تختفي؛ بل تتراكم في الظلام.
الدولة التي تخاف من نقد المسؤولين لا تستطيع اكتشاف أخطائها مبكرًا.
والجامعة التي تخاف من نقد الأساتذة لا تنتج علمًا حقيقيًا.
والحزب الذي يحرم أتباعه من نقد قيادته يتحول إلى دائرة مغلقة.
والمرجعية الاجتماعية التي تمنع مراجعة الشيخ أو الزعيم تتحول من مصدر للتماسك إلى مصدر لإعادة إنتاج الأخطاء.
لذلك فإن حرية النقد ليست ترفًا ثقافيًا؛ إنها إحدى أدوات التنمية.
تاسعًا: التقديس يقتل الحرية قبل أن يقتل السياسة
الحرية لا تعني أن نكره الرموز، وإنما تعني أن نسمح بمناقشتها.
يمكنني أن أحترم رجل الدين وأناقش موقفه السياسي.
ويمكنني أن أقدر شيخ العشيرة وأرفض قراره.
ويمكنني أن أنتخب سياسيًا ثم أحاسبه.
ويمكنني أن أحب مفكرًا ثم أختلف معه.
هذه هي الثقافة التي تحتاجها الدولة الحديثة:
الإنسان محترم، لكن أفكاره قابلة للنقد؛ والمنصب محترم، لكن صاحبه قابل للمساءلة؛ والرمز محترم، لكنه ليس فوق القانون.
أما حين يصبح الأشخاص فوق النقد، فإن المجتمع يفقد أهم آليات تصحيح ذاته.
عاشرًا: لماذا لا ينبغي أن نقارن العراقي ببساطة بـ”المتحضرين”؟
من الخطأ القول إن المجتمعات الغربية أو الشرقية المتقدمة خالية تمامًا من تقديس الأشخاص.
التاريخ الحديث عرف شخصيات سياسية جرى تمجيدها بدرجات خطيرة، من هتلر وستالين إلى ماو وغيرهم، كما تعرف الديمقراطيات الحديثة اليوم ظواهر عبادة المشاهير، والشخصنة السياسية، والشعبوية، وصناعة الزعيم.
لكن الفارق المهم أن المؤسسات الديمقراطية والقانونية تستطيع، عندما تعمل بصورة سليمة، الحد من سلطة الشخصنة وتحويل السلطة من فرد إلى قواعد وإجراءات.
إذن المسألة ليست أن “المتحضرين لا يقدسون”، وأن العراقيين وحدهم يفعلون ذلك.
الفارق الأعمق هو: ما حجم قدرة المؤسسة على مقاومة الشخص؟
هناك يمكن أن يسقط الزعيم وتبقى الدولة.
أما حين تكون الدولة مرتبطة بالزعيم، فإن سقوطه قد يهدد الجماعة والمؤسسة معًا.
الحادي عشر: أخطر نتائج تقديس الأشخاص
حين تستقر ظاهرة التقديس في المجتمع، تظهر نتائج خطيرة:
قتل النقد وتحويل المعارض إلى عدو.
إضعاف المؤسسات لأن الولاء يصبح للأشخاص.
انتشار الفساد لأن المحاسبة تصبح انتقائية.
هجرة الكفاءات لأن النجاح يصبح مرتبطًا بالولاء لا بالكفاءة.
إضعاف البحث العلمي لأن الأستاذ أو المؤسسة قد تصبح فوق النقد.
تجميد الحياة السياسية لأن الأحزاب تتحول إلى ملكيات شخصية.
إعادة إنتاج الطائفية والعشائرية لأن الزعيم يصبح ممثلًا للهوية.
تعطيل التنمية لأن السياسات لا تقاس بالنتائج وإنما بولاء الجمهور.
تحويل الاختلاف إلى خصومة بدل أن يكون الاختلاف وسيلة لتصحيح الأفكار.
إنتاج أجيال تابعة تتعلم منذ الصغر أن قوة الحجة أقل أهمية من قوة صاحبها.
والنتيجة النهائية هي مجتمع يستطيع أن يغيّر الأشخاص، لكنه لا يستطيع تغيير القواعد التي تنتجهم.
الثاني عشر: من تقديس الأشخاص إلى تقديس القانون
المشكلة ليست أن لدينا رموزًا كثيرة؛ فكل مجتمع يحتاج إلى رموز.
المشكلة أننا نحتاج إلى إعادة ترتيب هرم التقدير.
ينبغي أن يكون القانون فوق المسؤول، والمؤسسة فوق الفرد، والحقيقة فوق الولاء، والإنجاز فوق الشهرة، والكفاءة فوق القرابة، والمواطن فوق الحزب، والدستور فوق الجميع.
نحتاج إلى مدرسة لا تعلم الطفل أن يحفظ فقط، بل أن يسأل:
لماذا؟
وكيف؟
وما الدليل؟
ونحتاج إلى جامعة يستطيع فيها الطالب أن يناقش أستاذه دون خوف.
ونحتاج إلى إعلام يستطيع مساءلة السياسي ورجل الدين والشيخ والقائد بالمعايير نفسها.
ونحتاج إلى حزب يستطيع أعضاؤه تغيير قيادته من دون أن تتحول العملية إلى انشقاق أو حرب أهلية صغيرة.
ونحتاج إلى قضاء يستطيع أن يقول لصاحب النفوذ:
أنت مخطئ، والقانون يسري عليك كما يسري على غيرك.
عندها فقط تبدأ القداسة البشرية بالتراجع.
الخلاصة: حين يصبح القانون هو المقدس
التخلف لا يكمن في أن نحترم الأشخاص، وإنما في أن نضع الأشخاص في المكان الذي يجب أن تشغله المؤسسات.
فالإنسان مهما علا شأنه يبقى بشرًا: يصيب ويخطئ، يعرف ويجهل، ينجح ويفشل، ويخضع للمحاسبة.
أما المؤسسة فهي التي يجب أن تستمر بعد رحيل الأشخاص.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يقدس العراقيون فلانًا؟
بل: لماذا يحتاج العراقي إلى فلان أصلًا كي يشعر بالأمان؟
ولماذا يحتاج إلى شيخ كي يحل نزاعه؟
ولماذا يحتاج إلى سياسي كي يحمي حقوقه؟
ولماذا يحتاج إلى حزب كي يحصل على وظيفة؟
ولماذا يحتاج إلى رجل دين كي يمنحه الشرعية الأخلاقية؟
ولماذا لا تكفيه الدولة والقانون والمؤسسة؟
هنا تكمن جذور المشكلة.
لن نتخلص من الأشخاص المقدسين بالسخرية منهم، ولا بإهانة أتباعهم، ولا باستبدال مقدس بمقدس آخر.
سنبدأ بالتخلص من قداسة الأشخاص عندما نبني شيئًا أكثر قوة منهم:
دستورًا يُحترم، وقانونًا يُطبق، ومؤسسات تستمر، ومدرسة تعلم التفكير، وجامعة تنتج المعرفة، وإعلامًا يمارس النقد، وقضاءً لا يخاف من صاحب النفوذ، وثقافة سياسية تقبل الاختلاف.
عندها لن يكون السؤال: من هو الزعيم الذي سينقذنا؟
بل: ما النظام الذي يمنعنا من الحاجة إلى منقذ؟
وهنا يبدأ الانتقال الحقيقي من مجتمع يحتمي بالأشخاص إلى مجتمع تحميه المؤسسات؛ ومن ثقافة الولاء إلى ثقافة المواطنة؛ ومن الخوف إلى الحرية؛ ومن انتظار البطل إلى صناعة الدولة.
فالدولة الحديثة لا تحتاج إلى إنسان مقدس.
إنها تحتاج إلى قانون مقدس في احترامه، ومؤسسة قوية في استقلالها، ومواطن حر في كرامته.


